عادل وعماد عوض الله هما بطَلا رام الله الجديدان. الأسبوع الماضي، شارك ألف شخص في تشييع الشقيقَين، زعيمَي الجناح العسكري لحركة حماس في الضفة الغربية، اللذَين اغتالتهما إسرائيل في تشرين الأول 1998، وتسلّمت السلطة جثّتَيهما الآن.

كان شتاء 1996 أحد أصعب الأوقات في تاريخ دولة إسرائيل. فصبيحةً 25 شباط 1996، استيقظت القدس على أخبار الدماء، إذ قُتل 26 شخصًا كانوا مسافرين في الحافلة رقم 18، بعد أن صعد إرهابي انتحاري إلى الحافلة وفجّر عبوة ناسفة. في اليوم نفسه، قتَل إرهابي فلسطيني جندية في مدينة أشكلون. هكذا بدا الأمر في ذاك الصباح الفظيع في القدس:

بعد ذلك بأسبوع، تكرّر نفس السيناريو الفظيع في حافلة أخرى للخط 18، قرب مكان الانفجار السابق. فقد قام انتحاريّ آخر بتفجير عبوة، قاتلًا 19 شخصًا كانوا في طريقهم إلى العمل. مرّ يوم آخر، وضرب الإرهاب من جديد، هذه المرّة في قلب تل أبيب. فقد قُتل 13 شخصًا في الأسبوع نفسه، بينهم فتاتان أرادتا قضاء الوقت في عطلة العيد من المدرسة. بالإجمال، أودى ذلك الأسبوع الدامي بحياة 69 إسرائيليًّا.

كانت إحدى القتيلات في ذاك الانفجار المخيف بت حين شاحاك، فتاة في الخامسة عشرة، قُتلت إلى جانب صديقاتها. قبل موتها بسنوات، كتبت الطفلة في مذكّراتها: "في كلّ دولة أخيار وأشرار، وثمة من يقول: العرب هم أصدقاؤنا، وتحقّ لهم حقوق وظروف للعيش. أريد السلام، وأومن أنّ السلام سيتحقق في نهاية المطاف، لأنّ هذا الأمر حتميّ لتستمرّ الحياة".

موقع التفجير في تل أبيب الذي قتلت فيه الفتاة بت حين شاحاك: "العرب هم أصدقاؤنا، وتحقّ لهم حقوق وظروف للعيش" (HAIM ZIIV-YEDIOTH / NOSOURCE / AFP)

موقع التفجير في تل أبيب الذي قتلت فيه الفتاة بت حين شاحاك: "العرب هم أصدقاؤنا، وتحقّ لهم حقوق وظروف للعيش" (HAIM ZIIV-YEDIOTH / NOSOURCE / AFP)

بت حين شاحاك هي بطلة إسرائيلية. أنشأ والداها، اللذان اضطُرّا إلى دفن ابنتهما العزيزة بأيديهما، جمعية تشجِّع على التسامُح بين اليهود والعرب. كلّ عام، تتبرّع الجمعية بالكثير من المال لليهود والعرب الذين يعملون على تعزيز الحياة المشترَكة. إنها وصية ابنتهما. فالشعور بالانتقام لأنّ إرهابيًّا فلسطينيَّا قتل ابنتهما لا يتدفّق في عروقهما.

عادل وعماد عوض الله هما من مسؤولي حماس الذين يتحمّلون مسؤولية موجة التفجيرات الأخيرة، التي كانت تهدف إلى الانتقام لاغتيال قائد كتائب عزّ الدين القسّام، يحيى عياش. لاحقت السلطة الفلسطينية، التي تعهّدت لإسرائيل بذل قصارى جهدها لإيقاف المدّ الإرهابي في شوارع إسرائيل، الرجلَين، اقتحمت بيتهما، وطلبت منهما تسليم نفسَيهما. رفض القياديان، وأضحيا أبرز مطلوبَين في الضفة الغربية.

اعتقدت السلطة الوطنيّة الفلسطينية أنّ عادل عوض الله هو المسؤول عن اغتيال محي الدين الشريف، المسؤول عن موجة التفجيرات عام 1996. وُضعت في مكاتب الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية صورة لعادل، مع الكلمات: "مطلوب حيا أو ميتا".

تشييع عادل وعماد عوض الله (Issam Rimawi/FLASH90)

تشييع عادل وعماد عوض الله (Issam Rimawi/FLASH90)

في وقتٍ لاحق، اعتقلت السلطة الوطنيّة الفلسطينية عادل عوض الله عام 1998، وعُذّب عذابًا شديدًا. بعد إطلاق سراحه من السجن الفلسطيني، اغتالت إسرائيل شقيقَيه في شقة سرية في تركوميا بالضفة الغربية. ثمّة مَن اشتبه في أنّ مصادر فلسطينية ساعدت إسرائيل في معرفة أين يتواجد الشقيقان.

قامت السلطة الفلسطينية، التي اعتقلت الأخوَين عوض الله وربّما سلّمتهما إلى إسرائيل، بتسمية ميدان في رام الله على اسمهما. وليست هذه المرة الأولى التي تقوم فيها السلطة بتكريم أشخاص أيديهم ملطّخة بدماء الأبرياء.

عام 2010، أعلنت السلطة عن نيّتها تكريم دلال المغربي وإطلاق اسمها على أحد الميادين. وكانت المغربي قد أشرفت عام 1978 على اختطاف حافلتَين إسرائيليَّتَين، كانتا في طريقهما إلى تل أبيب. تحت قيادة المغربي، أُدخل جميع الركّاب إلى حافلة واحدة، أُشعلت فيها النيران.

كان داني بوشكنتس طفلًا في الحادية عشرة من عمره حينذاك، مع والدَيه وشقيقه ابن التسع سنوات. نجا الشقيقان، فيما مات والداهما أمام أعينهما في هذا الهجوم الارهابي. مذّاك، يحاول داني نسيان ما جرى. وقُتل 35 شخصًا في تلك العملية الفظيعة.

"ميدان دلال المغربي" في البيرة في الضفة (ABBAS MOMANI / AFP)

"ميدان دلال المغربي" في البيرة في الضفة (ABBAS MOMANI / AFP)

في نهاية المطاف، تراجعت السلطة عن نيّتها إطلاق اسم دلال المغربي على الميدان. لكن جرى إحياء يوم ميلادها في مراسم شارك فيها الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

بعد ذلك بعامٍ واحد، جرّاء صفقة تبادل الأسرى، التقى عباس بآمنة منى، التي قادت اغتيال الشابّ أوفير رحوم. أغرت منى رحوم، الذي كان في السادسة عشرة فقط، أن يلتقي بها وقالت لها إنها تحبّه. حين وصل إلى مكان اللقاء، اختُطف الشابّ، وقُتل بخمس عشرة رصاصة. لقد كان شابًّا، لا جنديًّا، ولا محتلًّا. ليست هذه مقاومة بطولية للمحتلّ من قبل الخاضع للاحتلال، بل قتل مخطّط لطالب ثانويّ.

بعد تحريرها من السجون الإسرائيلية، التقى عباس منى، التي نُفيت إلى تركيا، كأنها بطلة ساعدت الشعب الفلسطيني في نضاله. كيف يمكن لقتل فتى في السادسة عشرة أن يقدّم أية مساعدة؟ مَن علينا أن نكِّرم، أولئك الساعين إلى السلام وحياة السكينة، أم الذين يُكثرون من أعمال العنف مثل دلال المغربي التي تسببت بمقتل ركّاب حافلة مسالمين؟ إنه في الواقع قرار هام بالنسبة للفلسطينيين - هل يجب تقديس الذي يقتلون أكبر عدد ممكن من الإسرائيليين، أم أولئك الذين يساعدون على تحقيق حلم الدولة الفلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل.