في الوقت الذي تدور فيه رحى حرب أهلية دامية، تقتلع مئات آلاف المواطنين السوريين من منازلهم، تذبح وتمزق الدولة السورية إربًا إربًا، وفي الوقت الذي يتأرجح فيه عرش الأسد، يصل إلى إسرائيل بالذات معرض لافتات استفزازية من قبل حركة المقاومة السورية.

بعد أقل من شهر واحد، ستكون قد مرّت سنتان على بدء الثورة السورية ضد نظام الحكم القامع، وكثيرون يُطلقون عليها اسم "ربيع الشعب السوري" ويصفها آخرون على أنها انحلال تام للدولة السورية التي عرفناها حتى اليوم.

إن الأحداث المروّعة من قتل الأبرياء، القصف اليومي للمدن والقرى في الحرب الجارية بين جيوش الأسد والمتمرّدين وصور آلاف اللاجئين الذين ينزحون إلى حدود الدول المجاورة خوفا على حياتهم، تملأ شاشات التلفزيون والصحف في مختلف أنحاء العالم. أكثر من أي شيء آخر، يبدو أن الطرفين المتخاصمين يقاتلان أيضا على حلبة الواقع المرئي، ونحن نشهد الفظائع التي تُنفذ على الطرف الآخر من الحدود الشمالية لدولة إسرائيل في آلاف صفحات الفيسبوك ومواقع الإنترنت الثورية.

وها هنا في إسرائيل بالذات، قرر باحثون إسرائيليون تقديم منصة للاحتجاج الاجتماعي ضد جرائم الحرب التي يرتكبها النظام السوري وإسماع صوت المعذّبين والملاحقين.

يقول د. درور ليفي، رئيس برنامج التصميم والإدارة في المعرض البحثي في المعهد التكنولوجي حولون، أن "الفكرة الكامنة من وراء إجراء المعرض قد وُلدت بالصدفة خلال جولة دراسية في النمسا في شهر آب من العام 2012. خلال مشاركتنا في مهرجان Ars Electronica‏، تعرّفنا على أعمال فنية ولافتات مميّزة من انتاج مجموعة من الفنانين السوريين المغتربين وسوريين ثوريين في الخفاء، يطلقون على أنفسهم اسم "الشعب السوري يعرف طريقه".

قرر الباحثون منح منصة لإبداعات الفنانين وإحضار معرض لافتات مميّز إلى إسرائيل، يقدم نظرة أكثر تعمّقا إلى السيرورات السياسية والاجتماعية التي يجتازها المجتمع السوري الممزق.

يزاول أعضاء المجموعة نشاطاتهم سرًا وخارج سوريا وهم يتواصلون فيما بينهم بالأساس عن طريق الإنترنت وينشرون موادهم بواسطة البريد الإلكتروني وعلى صفحات الفيسبوك. إنهم على تواصل وثيق بالمتمردين الميدانيين وينتجون من أجلهم لافتات لاستخدامها في المظاهرات الشعبية ومواد للرسومات الجدارية التي تشجب نظام الحكم القامع.

يستنتج الدكتور ليفي من بحث نشاطات الفنانين السوريين أن آليات التعاطف التلقائية في الدول الغربية مع الشعوب العربية، حين تشهد هذه الشعوب سقوط دكتاتور آخر عن عرشه، تقوي الآراء القديمة فيما يتعلق بالشرق الأوسط: "من كان يؤمن في بداية هذه الثورات أننا نقف أمام نضال سياسي تشارك فيه شبكة الإنترنت والفيسبوك في بلورة الأحداث، وجد نفسه مخطأً. من كان يؤمن أن التكنولوجيا الجديدة سوف تكفي لإكساب هذه الدول القيم الليبرالية والديموقراطية، يدرك اليوم أن المسألة أكثر تعقيدًا بكثير وهي ملطخة بالدماء".

لم يسمح أعضاء المجموعة السورية للباحثين الإسرائيليين باستخدام وعرض أعمالهم في إسرائيل. ويقول الدكتور ليفي معترفًا "إنهم غير معنيين بالتعاون مع جهات إسرائيلية ولكن يمكن القول أننا حصلنا على بركتهم. على أية حال، تذكر منشوراتهم على الإنترنت أنه يمكن استخدام هذه اليافطات لأي هدف يعرّف الجماهير الجديدة بهم".

من بين تشكيلة اللافتات التي تدعو إلى ثورة مدنية، إطلاق سراح السجناء السياسيين والمواطنين الأبرياء، انتقاد ضد صمت الدول العربية وصمت العالم الغربي، ثمة أيضًا لافتات تتطرّق إلى العلاقة بين ثورة الشعب السوري ضد نظام حكم الأسد وبين النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني.

هنالك لافتة تعرض دبابة تهرب من الحدود الإسرائيلية ("احذر الألغام" بالعبرية) وتتوجه إلى ضواحي دمشق، تسخر من الجيش السوري الذي فشلت جهوده في استعادة هضبة الجولان لسوريا وعوضًا عن ذلك يوجه سلاحه نحو أبناء شعبه.

ما السبب في أن يقوم إسرائيليون في إسماع صوت حركات التمرد العربية، فقد توجه هذه الحركات غضبها نحو إسرائيل وأن تفتح جبهة ضدها بعد سقوط الأسد؟

ويضيف الدكتور ليفي قائلا: "هذا الادعاء هو ادعاء صحيح. وعلى الرغم من ذلك لا يمكننا أن نتجاهل المأساة الإنسانية الهائلة، نحن بالذات الذين لوحقنا طيلة سنوات. يمكن أن نجلس مكتوفي الأيدي وألا نتدخل وأن نتجاهل صرخة المواطنين السوريين، وهناك احتمال بالفعل أن يفتحوا جبهة ضدنا بعد سقوط الأسد. يمكن أن نفعل القليل، أن نحاول إسماع صوتهم كما نفعل في معرضنا، وربما أن نفتح ثغرة مستقبلية لسلام ما بين الشعوب".

تعبّر اللافتات الكثيرة التي يتم نشرها في المعرض عن تيارات فكرية مختلفة، الأمر الذي يشهد على التنوّع الكبير في المواقف السياسية للرسامين وأعضاء المجموعة. بعضها يطرح رموزًا دفينة لأيقنة حركات احتجاج غربية وأخرى تُبرز أهمية الخط الإسلامي ومكانته المرموقة. يمكننا أن نجد في بعض الصور نساءً يلبسن الحجاب وفي البعض الآخر يمكننا أن نجد نساءً غير متدينات تنادين بتجنيد الأمة السورية ضد النظام القامع. يقول الدكتور ليفي: "لا يوجد خط موحّد يمكن ملاحظته ويجعلنا نقول أنه يميّز أعمال الفنانين. إنهم يمنحون الأحداث الميدانية ما تحتاجه من أجل المظاهرات ووفقا للتطورات. يمكن أن نقول شيئا مؤكدًا واحدًا وهو أننا أمام مثقفين يعرفون قوة الكلمة وقوة الصورة وهم يفعلون ذلك بذكاء كبير".

توفر مئات الصور التي قام أعضاء المجموعة بتحميلها على شبكة الإنترنت، والمعروضة في المعرض في مدينة حولون، نظرة أخرى نحو المأساة السورية. نظرة إلى نضال النساء والأطفال، إلى الأطباء المعتقلين والذين لا يُسمح لهم بمعالجة المرضى، إلى تجاهل دول العالم وخاصة الدول العربية لنضال الأكراد والأقليات المختلفة.

لن ينجح المعرض ولا مجموعة الفنانين، على ما يبدو، في فتح نافذة واحدة أو توسيعها وهي نافذة إنهاء الحرب الأهلية، سقوط أو بقاء الأسد ومستقبل سوريا