تبيّن من استطلاع بيو (Pew) الذي نُشر أمس (3 من كانون الأول) أنّ عددًا متزايدًا من الأمريكيين يعتقدون أنّ قوة الولايات المتحدة وهيبتَها العالميتَين هما في تراجُع. ‎ ‎يعتقد الشعب أنّ الأمّة تفعل الكثير جدًّا لحلّ مشاكل العالم، وتريد نسبة متزايدة من الولايات المتحدة أن تنتبه إلى مصالحها الخاصّة عالميًّا و"تولي المشاكل الداخليّة المزيد من الاهتمام".

مع ذلك، لا يعبّر هذا التحفظ عن انعزاليّة شاملة.‎ ‎فرغم أنّ الشكوك تتزايد حول دور الولايات المتّحدة الجيوسياسيّ، فإنّ معظم الأمريكيين يعتقدون أنّ الفوائد التي تتأتى عن تدخّل الولايات المتّحدة في الاقتصاد العالمي تفوق المخاطِر.‎ ‎كما أنّ الدعم للتجارة والعلاقات الاقتصادية الوثيقة مع أمم أخرى هو في أعلى مستوياته منذ أكثر من عقد.

نحو نصف الأمريكيين (51%) يقول إنّ الولايات المتّحدة تفعل أكثر من اللازم لحلّ مشاكل العالم (U.S Army Flickr)

نحو نصف الأمريكيين (51%) يقول إنّ الولايات المتّحدة تفعل أكثر من اللازم لحلّ مشاكل العالم (U.S Army Flickr)

هذه المعطيات هي من النتائج الأساسية لاستطلاع "مكانة أميركا في العالم"، وهو استطلاع لشؤون السياسة الخارجية يجري كل أربع سنوات بالتعاوُن مع مجلس العلاقات الخارجيّة (CFR)، جمعية ذات عضوية غير حزبيّة و مؤسسة فكرية (Think Tank) متخصصة في السياسة الخارجية الأمريكية.

يتبيّن من استطلاع الرأي العام، الذي أُجري على 2003 بالغين أنّ النظرة إلى أهمية الولايات المتّحدة وقوتها العالميتَين اجتازت خطًّا تاريخيًّا. فالأكثرية (53%) تظنّ أنّ الولايات المتّحدة تلعب دورًا أقلّ أهميّةً وقوةً كزعيمة للعالم ممّا كانت تفعل قبل عقدٍ من الزمن.‎ ‎

حتّى إنّ أكثرية أكبر تقول إنّ الولايات المتحدة تفقد احترامها دُوليًّا.‎ ‎فسبعون في المئة يقولون إنّ الولايات المتّحدة مُحترَمة أقلّ ممّا كانت في الماضي.

أصبحت السياسة الخارجية، التي كانت يومًا إحدى نقاط قوّة الرئيس أوباما، هدفًا للكثير من الانتقادات.‎ ‎فالذين يعارضون إدارته للسياسة الخارجية تبلغ نسبتهم 56%، مقابل 34% فقط يوافقون عليها.‎ ‎وتعارض نسب مرتفعة من الشعب طريقة التعامُل مع سوريا، إيران، والصين أيضًا.‎ ‎أمّا بالنسبة للإرهاب، فالذين يوافقون على أداء أوباما أكثر من الذين يعارضونه (51% مقابل 44%).

ماذا عن الشرق الأوسط؟‎ ‎وإيران؟‎ ‎

بعد أن كادت الولايات المتّحدة تنفّذ ضربة عسكرية على سوريا مؤخرًا، وبعد مهمّة حلف شمال الأطلسي في ليبيا والحربَين الطويلتَين في أفغانستان والعراق، يقول نحو نصف الأمريكيين (51%) إنّ الولايات المتّحدة تفعل أكثر من اللازم لحلّ مشاكل العالم، فيما يقول 17% فقط إنّها تفعل أقلّ من اللازم، مقابل 28% يعتقدون أنّ مقدار تدخّلها مناسِب.‎ ‎وحين طُلب من الذين يقولون إنّ الولايات المتحدة تفعل "أكثر من اللازم" دُوليًّا أن يصفوا بكلماتهم لماذا يشعرون هكذا، قال النصف تقريبًا (47%) إنّ المشاكل الداخلية، بما فيها الاقتصاد، يجب أن تحظى بالمزيد من الاهتمام.

ويبقى برنامج إيران النووي أحد أكبر التهديدات العالمية للولايات المتحدة في نظر الرأي العامّ.‎ ‎فنحو سبعة أعشار الأمريكيين (68%) يقولون إنّ برنامج إيران النووي هو تهديد رئيسي لخير الولايات المتّحدة.

ولا يؤمن معظم الأمريكيين أنّ الزعماء الإيرانيين جديون حيال التخفيف من الخشية من برنامجهم النووي (ملاحظة: انتهى الاستطلاع قبل توقيع المعاهدة المتعددة الأطراف بين إيران والقوى العظمى).‎ ‎وبين الذين سمعوا القليل على الأقل من الخطابات النووية، يقول 33% فقط إنّ القادة الإيرانيين جدّيون في تعاملهم مع القلق الدولي من برنامج التخصيب النووي لبلادهم، فيما يظنّ 60% أنهم ليسوا جدّيين.

أصبحت السياسة الخارجية، التي كانت يومًا إحدى نقاط قوّة الرئيس أوباما، هدفًا للكثير من الانتقادات

أصبحت السياسة الخارجية، التي كانت يومًا إحدى نقاط قوّة الرئيس أوباما، هدفًا للكثير من الانتقادات

وبالنسبة للوضع السياسي في الشرق الأوسط، يقول أكثر من ستّة أعشار الأمريكيّين (63%) إنّ الحكومات المستقرة أكثر أهمية، حتى لو عنى ذلك ديموقراطية أقلّ في المنطقة؛ وعبّر عدد أقلّ عن هذا الرأي عامَي 2011 (52%) و2012 (54%).‎ ‎بالمقابل، يعتقد 28% فقط أنّ الديموقراطية أهمّ من الاستقرار في الشرق الأوسط.

أمّا النظرة إلى تهديدات عالميّة أخرى طويلة المدى، مثل المجموعات الإسلاميّة المتطرفة كالقاعدة (75% يعتبرونها تهديدًا رئيسيًّا)، برنامج كوريا الشمالية النووي (68%)، وبروز الصين الطارئ كقوة عالمية (54%)، فقد تغيّرت قليلًا في السنوات الأخيرة.

ما هي الطريقة الفُضلى للتدخلُّ؟ أهي الاقتصاد؟

بنسبة تزيد عن اثنَين مقابل واحد، يرى الأمريكيون فوائد أكثر من المخاطر للتدخّل الأمريكي في الاقتصاد العالميّ.‎ ‎فالثلثان (66%) يريان أنّ التدخل الأكبر في الاقتصاد العالمي هو أمر جيّد، لأنه يفتح أسواقًا جديدة وآفاقًا جديدة للنموّ.‎ ‎بالمقابل، يقول 25% إنّه أمر سيء لأنه يعرّض الولايات المتحدة إلى الخطر وعدم اليقين.‎ ‎وتمتلك أكثريات كبيرة بين المتعلمين وذوي الدخل المرتفع - فضلًا عن أكثرية الجمهوريين، الديموقراطيين، والمستقلين - آراءً إيجابية حيال التدخّل الأمريكي المتزايد في اقتصاد العالَم.

الكونغرس الأمريكي (ويكيبدية)

الكونغرس الأمريكي (ويكيبدية)

وكما هي الحال مع النظرة إلى التجارة والربط التجارية المتزايدة عالميَّا، لا تختلف النظرة إلى التدخّل الأمريكي المتزايِد في اقتصاد العالَم كثيرًا بين المنتمين إلى أحزابٍ مختلفة.‎ ‎فنحو سبعة أعشار الديموقراطيين (70%) والجمهوريين (69%) يرَون أنّ التدخل الأكبر في الاقتصاد العالمي هو أمر جيّد، لأنه يفتح أسواقًا جديدة وآفاقًا جديدة للنموّ أمام الولايات المتحدة؛ كما يوافق على ذلك 63% من المستقلّين.

الصراع الفلسطينيّ - الإسرائيليّ‎ ‎

فيما يتعلّق بحلّ النزاع بين إسرائيل والفلسطينيّين، فإنّ نسبة الذين يقولون إنّ على الولايات المتحدة التدخّل أقلّ (39%) قريبة من نسبة الذين يقولون إنها يجب أن تتدخل بنفس المقدار الحاليّ (36%).‎ ‎فيما يقول نحو الخمس (21%) إنّ على الولايات المتحدة التدخّل بشكل أكبر للمساهمة في حلّ النّزاع.

نظرة إيجابية إلى حلفاء الولايات المتحدة ‎ ‎

يستمرّ الرأي العامّ في التعبير عن آراء إيجابية حيال عددٍ من الحلفاء الثابتين للولايات المتحدة. فلدى 81% نظرة إيجابيّة تجاه كندا، وهي نسبة قريبة من نسبة الذين ينظرون إلى بريطانيا العظمى (79%) بهذه الطريقة.‎ ‎ولدى الأكثرية المطلقة أيضًا آراءٌ إيجابية تجاه اليابان (70%)، ألمانيا (67%)، وإسرائيل (61%).

الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الحكومة الأسرائيلي بنيامين نتنياهو (Flash90/Avi Ohayon)

الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الحكومة الأسرائيلي بنيامين نتنياهو (Flash90/Avi Ohayon)

بالتبايُن، ينظر نحو الثلث فقط إلى الصين (33%) وروسيا (32%) نظرةً إيجابيّة، مقابل 27% فقط ينظرون بشكل إيجابيّ إلى المملكة العربية السعودية.

بالنسبة لإسرائيل، فلدى الجمهوريين نظرة إيجابية أكثر من الديموقراطيين (74% من الجمهوريين ‎ ‎‎مقابل 55% من الديموقراطيين).‎

ولدى جمهوريّي حزب الشاي نظرةٌ إيجابيّة بشكلٍ خاصّ إلى إسرائيل. فنحو 86% من الجمهوريين والمستقلين ذوي الميول الجُمهورية، الذين يتّفقون مع حزب الشاي، ينظرون باستحسان إلى إسرائيل.