نجح مقاتلو "الدولة الاسلامية في العراق والشام" في التمدد جنوبا بعدما احكموا قبضتهم على مدينة الموصل في شمال العراق، حيث تمكنوا الاربعاء من السيطرة على مدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدين، واضعين وحدة البلاد امام اكبر تحدياتها منذ اجتياح العام 2003.

ولم يتوقف زحف هؤلاء المقاتلين الجهاديين الذي يقدر عددهم بالمئات الا عند اطراف مدينة سامراء التي لا تبعد سوى 110 كلم عن شمال العاصمة بغداد، والتي تحوي  مرقدا شيعيا ادى تفجيره عام 2006 الى اندلاع نزاع طائفي قتل فيه الالاف.

واعلن موقع سايت الاميركي الذي يراقب المواقع الاسلامية ان جهاديي الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) الذين شنوا هجوما خاطفا في شمال ووسط العراق، دعوا انصارهم للتقدم الى بغداد.

وفي تسجيل صوتي يعود الى تاريخ الاربعاء ونسب الى المتحدث باسم داعش ابو محمد العدناني امر الاخير "الجنود بالتقدم الى بغداد" وانتقد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لعدم "كفاءته".

وامام هذا الاختراق الامني العسكري غير المسبوق، لم تجد الحكومة التي انهارت دفاعات قواتها بسهولة مفاجئة امام المهاجمين، الا التاكيد مجددا على ضرورة التمسك بوحدة العراق، والتوعد بضرب المتمردين.

وانتشرت منذ ساعات الصباح الاولى في الموصل (350 كلم شمال بغداد) مجموعات من المسلحين الذين ارتدى بعضهم زيا عسكريا فيما ارتدى اخرون ملابس سوداء من دون ان يغطوا وجوههم قرب المصارف والدوائر الحكومية وداخل مقر مجلس محافظة، بحسب ما افاد شهود عيان.

واضاف هؤلاء ان الهدوء سيطر اليوم على شوارع الموصل بعد يوم من سقوطها في ايدي مقاتلي "الدولة الاسلامية"، فيما اغلقت محالها ابوابها، وسط جولات قام بها المقاتلون بسياراتهم دعوا خلالها عبر مكبرات الصوت الموظفين الحكوميين للتوجه الى دوائرهم.

"كنت قلقا من تدهور الاوضاع، وتبين انني كنت على حق". واضاف "لكنني باق في الموصل. هذه مدينتي على كل حال، وهي مدينة هادئة حاليا"

وقال ابو احمد (30 عاما) الذي يملك محلا لبيع المواد الغذائية في وسط الموصل "لم افتح باب المحل منذ الخميس الماضي بسبب الظروف الامنية. كنت قلقا من تدهور الاوضاع، وتبين انني كنت على حق". واضاف "لكنني باق في الموصل. هذه مدينتي على كل حال، وهي مدينة هادئة حاليا".

ولا تزال عشرات العائلات تنزح من الموصل باتجاه اقليم كردستان المجاور لمحافظة نينوى، بحسب ما افاد شهود عيان.

ويتخوف سكان الموصل الذي يبلغ عددهم نحو مليوني شخص من تعرض المدينة لعمليات قصف من قبل الجيش كما يحدث في مدينة الفلوجة (60 كلم غرب بغداد) في الانبار والتي يسيطر عليها ايضا تنظيم "الدولة الاسلامية في العراق والشام" منذ بداية العام، وفقا لما افاد به سكان في المدينة.

وقد اعلنت المنظمة الدولية للهجرة في بيان الاربعاء ان اكثر من 500 الف مدني فروا من المعارك في الموصل ومنطقتها.

وفيما كان العراقيون منشغلين باحداث الموصل ومحافظة نينوى التي اعلنوها ولاية اسلامية، شن المقاتلون الجهاديون هجوما على محافظة صلاح الدين جنوب نينوى لينجحوا وخلال ساعات قليلة في السيطرة على مدينة تكريت (160 كلم شمال بغداد) مركز المحافظة.

"كل مدينة تكريت في ايدي المسلحين"

وقال ضابط برتبة عقيد في الشرطة لوكالة فرانس برس "كل مدينة تكريت في ايدي المسلحين"، بينما ذكر ضابط برتبة رائد في الشرطة ان المسلحين قاموا بتهريب نحو 300 سجين من السجن المركزي في المدينة.

وواصل المقاتلون زحفهم جنوبا حيث سيطروا على ناحيتي الدور والعوجة جنوب تكريت، وبلغوا مشارف سامراء حيث خاضوا اشتباكات عنيفة مع قوات حكومية لنحو ساعتين لم ينحوا خلالها في دخول المدينة التي تحوي مرقد الامامين العسكريين، الامام العاشر والامام الحادي عشر لدى الشيعة الاثني عشرية.

والى جانب سيطرتهم على محافظة نينوى ومدينة تكريت وبعض المناطق الاخرى في صلاح الدين، احكم المقاتلون ايضا قبضتهم على النواحي والاقضية التي دخولها  الثلاثاء في محافظة كركوك الغنية بالنفط والمتنازع عليها بين العرب والاكراد.

واقدم اليوم مقاتلو "الدولة الاسلامية في العراق والشام" على اعدام 15 من عناصر القوات العراقية في هذه المناطق في محافظة كركوك، وفقا لمصدر امني ومسؤولين محليين.

كما قام هؤلاء باختطاف القنصل التركي في الموصل مع العشرات من مساعديه بعدما اقتحموا القنصلية التركية في المدينة، وسط تهديدات تركية ب"رد قاس" في حال تعرض المختطفون للاذى.

وفي تطور بارز، افاد مصدر عسكري في الفرقة الثانية عشر للجيش العراقي اليوم ان مقر الفرقة 12 شمال غرب كركوك جرى تسليمه الى قوات البشمركة الكردية "المنتشرة وبشكل مكثف عند أطراف كركوك لحماية المدينة من الهجمات المسلحة”.

وفي ضوء هذا التدهور الامني، دعا رئيس الوزراء نوري المالكي الذي يسعى للبقاء على راس الحكومة لولاية ثالثة العراقيين الى التمسك بوحدتهم، متوعدا المقاتلين الجهاديين بطردهم من المواقع التي احتلوها.

وتتوجه انظار العراقيين غدا الخميس الى البرلمان الذي من المتوقع ان يعقد جلسة يصوت خلالها على اعلان حالة الطوارئ في البلاد بطلب من الحكومة التي اعلنت الثلاثاء التعبئة العامة وتعهدت بتسليح كل مواطن يتطوع لقتال "الارهاب".

وفي هذا السياق، اقترح الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر القائد السابق لميليشيا "جيش المهدي" تشكيل وحدات امنية بالتنسيق مع الحكومة العراقية تحت مسمى "سرايا السلام"، تعمل على حماية المقدسات الاسلامية والمسيحية من "القوى الظلامية".

ويعتبر الصدر الذي اعلن في شباط/فبراير الماضي اعتزاله الحياة السياسية، من ابرز اوجه النزاع الطائفي السني الشيعي بين عامي 2006 و2008 خلال قيادته لميليشيا "جيش المهدي" التي اتهمت بالوقوف وراء اعمال عنف بحق السنة.

وتبعد مدينة الموصل عاصمة الشمال العراقي بضعة كيلومترات عن الحدود مع سوريا حيث تفصل بينها وبين معبر اليعربية الفاصل بين العراق وسوريا منطقة ربيعة التي تسكنها عائلات سنية لها امتدادات عشائرية وعائلية على الجانب الاخر من الحدود.

ويخشى مراقبون ان تؤدي سيطرة المقاتلين الجهاديين على نينوى الى فتح ممر جديد وترسيخ مناطق نفوذ واسعة لهذه التنظيمات المتطرفة عند الحدود العراقية السورية.

واظهرت صور نشرها تنظيم "الدولة الاسلامية في العراق والشام" على الانترنت مقاتليه وهم يزيلون الحدود بين محافظتي نينوى العراقية والحسكة السورية.

وفي بيان نشرته وكالة الانباء السورية الرسمية (سانا) اعتبرت وزارة الخارجية السورية اليوم ان "الارهاب" الذي يواجهه كل من العراق وسوريا واحد، مبدية استعدادها للتعاون مع العراق "من اجل مواجهة هذا العدو المشترك".

من جانبه، اجرى وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف اتصالا هاتفيا بنظيره العراقي هوشيار زيباري عارضا دعم طهران "للحكومة والشعب العراقيين في مواجهة الارهاب"، وفق ما نقلت الاربعاء وكالة ارنا الايرانية الرسمية.

وحض الامين العام للامم المتحدة بان كي مون "المجتمع الدولي على توحيد صفوفه للتعبير عن تضامنه مع العراق الذي يواجه تحديا خطيرا على الصعيد الامني".

ووعدت الولايات المتحدة بتقديم مساعدتها لنصف مليون عراقي يتوقع ان يفروا من هجوم المسلحين الاسلاميين الذين سيطروا على مركزي محافظتي نينوى وصلاح الدين ويتقدمون باتجاه بغداد.

ودعت دول الاتحاد الاوروبي والجامعة العربية الاربعاء القوى الديموقراطية في العراق الى الاتحاد في وجه المتشددين الاسلاميين.

ميدانيا ايضا، قتل 37 شخصا على الاقل واصيب العشرات بجروح في هجمات متفرقة في العراق احدها انتحاري استهدف مجلسا عشائريا شيعيا في بغداد وقتل فيه 15 شخصا، بحسب ما افادت مصادر امنية وكالة فرانس برس.