قبل عدة أيام وصلت إلى دور السينما في إسرائيل قنبلة موقوتة - وهو فيلم "مفرق 48" (Junction 48) للمخرج أودي ألوني، ببطولة مغني الراب الفلسطيني تامر نفار من فرقة "دام" ("كريم") وسمر قبطي ("منار") والذي حظي بجوائز في مهرجانات أفلام في نيويورك وبرلين. لقد أحدث الفيلم قبل وصوله إلى البلاد ضجة. لقد أعلنت وزيرة الثقافة الإسرائيلية، ميري ريغيف، في السابق أن صناديق وزارة الثقافة في الدولة لن تمول أفلام مخرج الفيلم وذلك بسبب الانتقادات التي وجهها ضدّ سياسة إسرائيل. ولكن رغم ذلك فقد وصل الفيلم إلى إسرائيل، وفي يوم السبت الماضي عُرض في جِنين، المدينة الفلسطينية في الضفة الغربية، وفي تل أبيب أيضا.

‎"‎أنا مش بوليتي‎"

تُروى قصة الفيلم، المؤسس على قصة حياة نفار الذي يلعب دور بطولة فيه أيضًا، من زاوية نظر كريم، وهو شاب فلسطيني يعيش في حيّ فقير في مدينة اللد ويحاول أن يشقّ طريقه مع محبوبته المغنية في عالم الموسيقى. وهو لا يوفر النقد ضد أي أحد: ينتقد المجتمع العربي - تطرق نقده إلى العنف واضطهاد النساء والجريمة في الوسط العربي في إسرائيل التي يدفع الكثير من أبناء الوسط بحياتهم بسببها، وتطرق أيضا إلى المجتمع اليهودي وإلى العنصرية والكراهية فيه، وإلى القانون الإسرائيلي الذي لا يعترف بحقوق مهجّري النكبة في بيوتهم. يدعي كريم، بطل الفيلم، بحماسة أن أغانيه ليست سياسية، وإنما ببساطة تعكس واقع حياته. في إحدى الأغاني التي يقول فيها كريم كلمات بالعبرية تتكرر الجملة "أنا مش بوليتي"، معني كلمة "بوليتي" بالعبرية "سياسي"، وفي أغنية أخرى، "يا ريت"، يقتبس كلمات عن محمود درويش.

ولكن يعتبر توقيت عرض الفيلم في إسرائيل - قبل عدة أيام من احتفالات يوم الاستقلال - وأيضا اسم الفيلم - الذي يتطرق بشكل واضح إلى حرب 48، والتي هي حرب الاستقلال في الرواية الإسرائيلية والنكبة في الرواية الفلسطينية، استفزازيا في نظر الجمهور الإسرائيلي العادي، الذي بالنسبة له ليس من المفهوم ضمنا أن يُعرض في دور السينما القريبة من منزله فيلم معظمه بالعربية وتعيش شخصياته الرئيسية في إسرائيل ولكن لا تخفي هويتها الفلسطينية.

"ولكام تو ذا ميدل إيست، أخي"

مدينة اللد المذكورة في الفيلم ليست مجرّد موقع آخر. وفقا للمخرج، فهي واحدة من الأبطال الثلاثة الرئيسيين في الفيلم. تبدأ جذور القصة المعقّدة والمليئة بصراعات اللد في حرب 48، حينها غادر معظم السكان العرب المدينة، ولكن عاد بعضهم إليها بشكل سري على مرّ السنين وفي المقابل أقام في المدينة أيضًا سكان يهود. والنتيجة هي أن المدينة التي عُرفت باللقب المشبوه "عاصمة المخدّرات في إسرائيل"، مدينة مختلطة وفقيرة، وفيها الكثير من الصراعات الداخلية العنيفة. ولذا فليس من العجب أن إحدى هوايات بطل الفيلم كريم هي تخمين نوع السلاح الذي يطلق النار من خلال السماع فقط، حيث تُسمع في الحيّ الذي يقطن فيه أصوات إطلاق نار بشكل متكرر.

ترغب شخصية كريم ومنار وأصدقائهما بتغيير الواقع الذي نشأوا فيه، وهم لا يصدّقون أكاذيب الحكومة والمجتمع – ويتجسد ذلك في أحد التعبيرات ذات المفارقة والشديدة في الفيلم من خلال أمر الهدم ضدّ منزل عربي غير قانوني، والذي يهدف إلى بناء متحف للتعايش بين العرب واليهود على أنقاضه، أو لحظة درامية أخرى يهدد فيها رجال بإيذاء ابنة أسرتهم المحبوبة إذا تجرأت على التصرف وفق إرادتها وبخلاف العادات والتقاليد.

يظهر في فيلم "مفرق 48" الكثير من العنف ولكن الكثير من الحبّ أيضًا، وهو يعجّ بالصراعات وبالأسئلة المتحدية ولكن أيضًا بالفكاهة الذاتية ويقدم للمشاهد موسيقى تصويرية فخمة، موضوعة داخل مقاطع الراب الحادّة لنفار والتي ترن في أذن سامعيها كثيرا بعد الانتهاء من عرض الفيلم.