تحوّل التوتر والصراع بين مصر وتركيا إلى توتر علني وحاد جدًا في الأيام الأخيرة. التوتر بين كلا الدولتين الكبيرتين، الذي ترافقه تصريحات لا سابقة لها في حدتها، وصل إلى مستويات عالية جدًا، ويستدعي التساؤل هل نشهد صراعًا حادًا على قيادة العالم الإسلامي والشرق الأوسط.

بدأ التوتر الحالي مع خطاب رئيس تركيا، رجب طيب أردوغان، في الهيئة العامة للأمم المتحدة، أول أمس. بعد فترة قصيرة من خطاب رئيس مصر، عبد الفتاح السيسي، على منصة الأمم المتحدة، صعد أردوغان لإلقاء خطاب. لم يكن أحد من الحاضرين مستعدًا لهذا الهجوم الحاد من أردوغان، الذي كانت ذروته عند توجيه الانتقاد الحاد لمصر والسيسي.

أردوغان الذي خطب أمام العالم لأول مرة كرئيس تركيا كونها حكومة مستقرة، ولا يمكن تقريبًا إسقاطها، اتهم في بداية خطابة الأمم المتحدة بأنها لا تنجح في أداء مهامها، وذكر كمثال الحرب الأهلية في سوريا، التي قُتل فيها كما قال أكثر من 200,000 إنسان، وكذلك حرب غزة في الصيف الأخير.

بعد ذلك فورًا، بدأ أردوغان بإلقاء النقد العارم المتعلق باستيلاء حكومة السيسي، التي كانت حسب ادعاء أردوغان انقلابًا غير شرعي على حساب الرئيس السابق، محمد مرسي. لقد تساءل أردوغان لما تمنح الأمم المتحدة الشرعية لشخص مسؤول فعليًّا عن انقلاب غير شرعي.

"نحن لا نحترم قرارات الناس الديمقراطية"، قال أردوغان متهمًا، وهو يشير إلى أن مرسي قد عُزل رغم أنه فاز بانتخابات الرئاسة سنة 2012. "إن كنا نعبّر عن دعمنا للانقلابات، إذا لم الأمم المتحدة قائمة؟" تساءل أردوغان "لم تقم الأمم المتحدة بأي شيء غير التفرّج على الأحداث، التي قُتل فيها آلاف الأبرياء".

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

لم يكتف أردوغان بانتقاداته، وفي باقي كلامه لقب السيسي "بالطاغية". أكد أردوغان أنه يعتقد أن على الأمم المتحدة أن تكون أحيانًا أكثر "شجاعة" حين تتعامل مع معضلات عالمية. خلال اليوم، خطب أردوغان على منصة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، اتهم العالم بأنه لا يساعد تركيا رغم أنها ضحت كثيرًا، ولها وظيفة رئيسية في الصراع ضد الإرهاب.

لم يتأخر الرد المصري على هجوم أردوغان في وروده. سارع المصريون لإلغاء لقاء وزراء الخارجية لكلا الدولتين، الذي كان مفروضًا أن يتم على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأصدرت وزارة الخارجية المصرية بيانًا مفاده أنها ترفض التهم ضد السيسي.

في الرد المصري، اتُّهم أردوغان بأنه يدعم الإرهاب وأنه يسعى لافتعال الاستفزاز. "لا شك أن الأكاذيب والتلفيقات من هذا النوع ليست غريبة عن الرئيس التركي، المعنيّ بخلق الفوضى في الشرق الأوسط بواسطة دعم ومساعدة التنظيمات الإرهابية. وفي الرد أيضًا، اتهَم المصريون أردوغان أن إضراره بمصالح عدة جهات في الشرق الأوسط تقف حاجزًا أمام طموحاته الشخصية لإحياء أوهام الماضي.

حرب غزة والدولة الإسلامية

تحوّل التوتر بين مصر وتركيا إلى توتر معلن لأول مرة، رغم أن التوتر تحت السطح كان قد ازداد من قبل بعد عزل مرسي عن الحكم، وأُعلن عن الإخوان المسلمين، الذين كانت لهم علاقة حارة مع تركيا، منظمة إرهابية.

يمكننا أن ندرك أن سلسلة الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط قد غيّرت الخارطة الجيو سياسية للمنطقة، وخلقت واقعًا جديدًا. في الواقع الجديد، مصر وتركيا هما دولتان تتنافسان فيما بينهما على السيطرة في الشرق الأوسط بل وعلى قيادة العالم الإسلامي.

يمكن الإشارة إلى حدثين إقليميين قد زادا من التوتر بين الدولتين: أولا، تعاظم الدولة الإسلامية وسيطرتها على مساحات واسعة من سوريا والعراق، وكذلك حرب غزة التي انتهت قبل شهر. نعم إن أردوغان يصرح بأنه يساعد في الصراع العالمي ضد داعش بأنه استوعب في بلاده أكثر من مليون لاجئ، لكن عمليًّا، تركيا تساعد داعش على التعاظم وازدياد القوة وذلك لأنها تساعد التنظيم الإجرامي على جمع الأموال الكثيرة.

مقاتلو الدولة الإسلامية، داعش (AFP)

مقاتلو الدولة الإسلامية، داعش (AFP)

ثانيًا، لقد كشفت حرب غزة التي وقعت مؤخرًا في الصيف عن صراع القوى الإقليمية: استضافت مصر محادثات المفاوضات بين البعثة الإسرائيلية والفلسطينية، بل واتُهمت أكثر من مرة من الفلسطينيين لأنها لم تكن موضوعية ودعمت المواقف الإسرائيلية. لقد كشفت المحادثات أن مصر السيسي غير معنية بأن تكون زعيمة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي كما كانت سابقًا.

من الناحية الأخرى، كانت تركيا إحدى الدول المعدودة التي أيدت حماس، بينما انضمت علنيًّا فقط قطر إليها. لقد أخذت تركيا على عاتقها بقسط كبير من محاولات وقف إطلاق النار، وهي تكثر من انتقاد إسرائيل، وفي شوارعها خرجت عدة مظاهرات وحدة نادرة تقريبًا بين مواطنيها ضد إسرائيل.

تمنح حرب غزة وتعاظم داعش عمليًّا فرصة لفحص تغيّر الخريطة الجيوسياسية الإقليمية، ويكشف توتر العلاقات بين تركيا ومصر أن الصراع على زعامة المنطقة في أوجه.