تراقب التوليفة السياسيّة والعسكرية الإسرائيليّة بقلق عميق الأحداث المأساوية الجارية في مصر مع إدراك محبط بأنها لا تستطيع فعل إلاّ ما هو قليل جدّا. وأفضل مسار، لإجراء ممكن أن تتخذه إسرائيل هو أن تخفّض بروفيلها وتجلس ولا تفعل شيئا مع أمل ضعيف بأن القانون والنظام نوعا ما سيعودان وعلى الأقلّ اتفاقية السّلام المبرمة بين البلدين والتي صمدت حتى الآن (34) عاما – البعض منها كان مع مشاكل – ستبقى نوعا ما على الأقلّ في المستقبل المنظور، غير أنّ هذا قد يكون نوعا من التمنّي لا أكثر.

في الحقيقة هناك مساران لإجراءات تستطيع إسرائيل اتخاذها، بل في الواقع اتخذتها. أحدهما على الجبهة الدبلوماسيّة. لقد لعبت إسرائيل دورا معيّنا في الإستشارات التي تدور خلف الكواليس مع مسئولين أمريكيين ومن الإتحاد الأوروبي محاولين تقييم الخيارات التي بقيت لهم. وقد حاول المسئولون الإسرائيليون في عمليات تبادل التقديرات هذه أفضل ما لديهم لإقناع نظرائهم الأمريكيين والأوروبيين ألاّ يكونوا شديدي اللهجة في إدانة أعمال العنف التي تحدث في مصر. ومنذ قيام وزير الدفاع المصري ورئيس الأركان العامة فتحي السيسي بتاريخ 3 يوليو (تموز) 2013 بإقالة حكومة الرئيس محمد مرسي التي يقودها الإخوان المسلمون بسبب عدم كفاءتها لوقف التدهور الاقتصادي وإخفاقها في حفظ الأمن العام في الشوارع ونظرا أيضا لمجهودات الرئيس لأسلمة الدستور لتطهير القضاء والجيش وتنصيب أتباعه، عمل المسئولون الإسرائيليون جاهدين لتليين نقد الإدارة الأمريكية الحاد للجنرال السيسي وإجراءاته. وكان هذا نجاحا جزئيا. لقد وافقت إدارة الرئيس أوباما على الأقل جزئيا في الوقت الحاضر على عدم تعليق مساعدة ال 1.5 مليار دولارالمقدمة لمصر والجزء الأعظم منها مساعدة عسكرية. ولقد عبّر المسئولون الإسرائيليون الذين طلبوا عدم ذكر اسمهم بسبب حساسية الوضع عن خيبة أملهم للإدانة شديدة اللهجة الصادرة يوم الثلاثاء عن الحكومة الأمريكية ضد إجراءات الحكومة المصرية لإزالة متظاهري الإخوان المسلمين من شوارع القاهرة.

لقد قتل مئات الأشخاص في الصدامات التي وقعت بين الشرطة وقوات الأمن من ناحية والمتظاهرين من ناحية أخرى. وفي حين لم يتفوه المسئولون الإسرائيليون بشيء قام الأستاذ يوسي شائين من جامعة تل أبيب وجامعات جورج تاون بالإعراب عن رأيه. قال "لقد فشل الرئيس أوباما بسياساته في المنطقة، وأن مصر مثال حديثٌ فقط لذلك. ليس لديه توجه وأن ردّ فعله دائما متأخرة جدا ولا يظهر قيادة".

قلق إسرائيل هو أنّ الإدانة والافتقار إلى سياسة أمريكية متماسكة وواضحة سيزيد من إضعاف الحكومة الهشة التي يسيطرعليها الجنرال السيسي ويقوّي شوكة الإخوان المسلمين ويعزز إرادتهم في منع أي حلّ سياسي. ويخشى المسئولون الإسرائيليون في نهاية المطاف أن تقوّض معاهدة السلام والترتيبات الأمنية بين البلدين. تشترك إسرائيل ومصر بحدود، تمتد 270 كيلومترا من البحر الأبيض المتوسط إلى منتجع إيلات على البحر الأحمر. وللحفاظ على السلام والهدوء، فقد تعاونت إسرائيل ومصر في مجال الاستخبارات. ويجب أن يبقى هذا التعاون سرا لتجنب استغلاله من قِبل المناهضين للجنرال السيسي وتقديمه على أنه "عميل لإسرائيل".

لقد سمحت إسرائيل أيضا للجيش المصري حديثا بإحضار تعزيزات عسكرية لمنطقة سيناء المعزولة السلاح بما في ذلك مركبات مدرّعة وطائرات مروحية حربية في محاولة، لاجتثاث أوكار الإرهابيين التابعين للقاعدة وأنصارها وكذلك الخلايا التي وجدت ملجأ في الصحراء الواسعة والغير مأهولة بالسكان. تتراوح أعدادهم حسب التقديرات المختلفة ما بين بضع مئات إلى ثلاثة ألاف. ومعظم الإرهابيين وأعوانهم هم من البدو المحليين ولكنهم كانوا مدعومين "بِمتطوعين" من اليمن والصومال والعراق "والمنشقين" من حماس ومن منظمة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في غزة.

لقد كانت إسرائيل دوما حريصة جدا على سلوك سياسة سلبية غير فعالة في الحرب ضد إرهابيي جهاد سيناء وذلك عن طريق تبادل الاستخبارات مع مصر وانتشار بطاريات القبة الحديدية المضادة للصواريخ لاعتراض الصواريخ التي تُطلق باتجاه إيلات. إن المنطق الإسرائيلي لا يقوم على انتهاك السيادة المصرية وأن يقوّض بذلك جهود الجنرال السيسي على كلا الجبهتين، بالتحديد في الداخل ضد جهود الإخوان المسلمين الهادفة لخلق فوضى ودمار وفي سيناء ضد ما يسمى بالجهاديين. غير أن إسرائيل قد انحرفت مرتين عن هذه السياسة في العام الماضي. المرة الأولى في شهر أغسطس (آب) 2012 أثناء مطاردة ساخنة ضد الإرهابيين اللذين تسللوا لإسرائيل وقامت مروحية إسرائيلية باختراق مجال سيناء الجوي وأطلقت صاروخا قتل الإرهابيين ولكن معهم أيضا خمسة جنود مصريين واعتذرت إسرائيل عن ذلك.

والمرة الثانية كانت قبل أسبوع عندما قامت طائرة إسرائيلية بدون طيار حسب تقارير وسائل الإعلام الأجنبية بإطلاق صواريخ وقتلت أربعة إرهابيين على الجانب المصري من رفح وهي جزء من مدينة صغيرة واقعة ما بين مصر وقطاع غزة الذي تحكمه حماس. كان الإرهابيون على وشك إطلاق صواريخ ضد المناطق الإسرائيلية واعتبرت إسرائيل هؤلاء الإرهابيين "قنبلة موقوتة" وشعرت أن من حقها الدفاع عن نفسها باستباقها ضربهم. غير أن وزير الدفاع موشيه يالون، دون أخذ المسئولية على عاتقه قال "إسرائيل تحترم وستحترم السيادة المصرية".

هذه الجملة تجسّد باختصار السياسة الإسرائيلية المخيّم عليها في الوقت الحاضر خوفٌ متزايد بأن إسرائيل ليست جالسة فقط على حافة بركان في حدودها الشمالية المواجهة لحزب الله وللحرب الأهلية في سوريا ولكن أيضا أن الحمم تنتشر ببطء باتجاهها من مصر.