تمّ نشر المقال لأول مرة في موقع ميدا

الانتخابات المصرية على الأبواب والفائز الأكبر تم الإعلان عنه من مدة. آمال كثيرة معلّقة على الجنرال السيسي ولكن الفوز بتاج الرئاسة هو البداية فقط. التحدي الأكبر الذي سيقف أمامه هو مجموعات المعارضة، فمن جهة، يقاطع  "الإخوان المسلمون"، الذين لا يزالوا يحظون بدعم واسع، الانتخابات ويصعّدون من نشاطات الإرهاب ضدّ الحكومة، ومن جهة أخرى الشباب الليبرالي، الذي هو غير مستعد لقبول أوضاع ديكتاتورية أخرى.

في 26 و27 من هذا الشهر، ستُجرى انتخابات الرئاسة في مصر، ومن المتوقع أن يفوز الجنرال عبد الفتّاح السيسي بمنصب الرئيس بأغلبية ساحقة. يعتقد الكثيرون أنّه سيكون منقذ مصر، وسينشلها من المشاكل الخطرة التي تواجهها.

خلال السنوات الثلاث الأخيرة تقريبًا، منذ أن اندلعت المظاهرات ضدّ مبارك في ميدان التحرير، في 25 يناير 2011، تعثّر الاقتصاد المصري، وتجري في سيناء حرب ضدّ المجموعات الإرهابية المتطرّفة والسدّ الذي تبنيه إثيوبيا يهدّد شريان حياة مصر، وهو نهر النيل.

ولكن، تشكل المعارضة من الداخل، أو - من المفضّل أن نقول - المعارضات، المشكلة الأكبر التي سيضطر السيسي لمواجهتها تحديدًا.

مقاطعات وإرهاب: "الإخوان المسلمون" يقودون المعارضة

تترأس جماعة "الإخوان المسلمين" المعارضين لقيام الانتخابات. يزعم نشطاؤها أنّ الرئيس الشرعي والقانوني لمصر هو محمد مرسي، الذي تمّ انتخابه في الانتخابات الديمقراطية في شهر حزيران عام 2012، وأنّ عزله في تموز 2013 كان انقلابًا عسكريًا بكل معنى الكلمة، دون أيّ مبرّر، وأيّة قانونية أو سبب مشروع. وفقًا للإخوان، فالحكومة ليس لديها سلطة، وقراراتها غير سارية وبالتالي فإنّ عملية الانتخابات التي ستُقام في الأسبوع القادم باطلة ولاغية، ونتائجها لا معنى لها. ولذلك، فمن المرجّح أنّ الكثير من داعمي "الإخوان" سيمتنعون من الاشتراك في الانتخابات ليعبّروا بذلك عن موقفهم بأنّ الانتخابات غير قانونية. وقد أصدر بعض المفتين منذ الآن فتاوى شرعية تعبّر عن هذا التوجّه، وتحظر بتحريم شرعي الذهاب إلى صناديق الاقتراع والتصويت.

عبد الفتاح السيسي خلال عرض عسكري (AFP)

عبد الفتاح السيسي خلال عرض عسكري (AFP)

لا تنحصر المشكلة التي يضعها "الإخوان" أمام السيسي في الاشتراك بالانتخابات، حيث أنّه من بين ملايين المواطنين الذين يؤيّدونهم هناك الكثير ممن هم مستعدّون لاتخاذ أي وسيلة، حتى لو كانت عنيفة، من أجل الانتقام من السيسي ومساعديه بسبب استيلائهم على الحكم بدلا من الرئيس المنتخَب مرسي ووضعه في قفص المتّهمين. خلال السنة الأخيرة، شهدنا زيادة كبيرة في أعمال التخريب، العمليات الإرهابية والتفجيرات في أماكن كثيرة بمصر. يفجّر معارضو السيسي السيارات، ويهاجمون مراكز السلطة، الجيش والاستخبارات، ويقتلون رجال الشرطة والجنود ويحرقون سياراتهم. الاتجاه آخذ بالازدياد، وتبدو العمليات الإرهابية أكثر فأكثر مثل الواقع الفظيع لبغداد في العراق، وكمثال لما يمكن توقّعه في القادم.

من أجل مكافحة معارضي السلطة بشكل فعال، أعلنت الدولة أن تنظيم "الإخوان المسلمين" هو تنظيم غير قانوني، إرهابي، عصابة مجرمة وأوصاف جنائية أخرى. وفي الوقت نفسه، تشدّد الأجهزة الأمنية المصرية من تكميم الأفواه، الاضطهاد، المحاكمات المنظّمة وأحكام الإعدام الجماعية، التي اتّخذت بإجراءات قضائية محيّرة جدّا، وتلقّت انتقادات سلبية شديدة في جميع أنحاء العالم الغربي.

يظهر، بالتالي، أن الصراع بين السيسي و"الإخوان المسلمين" سيشكّل جزءًا مهمّا من الحياة العامّة في مصر في السنوات القادمة، حيث يؤيد عشرات الملايين من المصريين، ومعظمهم من سكان الأحياء العشوائية، الذين يعيشون من دون مياه جارية، مجارٍ، كهرباء أو اتصالات، "الإخوان" ويتماهون مع مطالبهم.

لا للدكتاتورية

لا ينحصر الصراع الذي يلاحق السيسي على الإخوان المسلمين. فمن المتوقع أن تكون هناك معارضة أيضًا من الجانب العلماني، الليبرالي، في المجتمع المصري. في هذه الأيام تنتظم مجموعة من التنظيمات الشابّة، بين 20-30 عامًا، تحت مسمّى "ضدّك"، وتهدف إلى إفشال عودة مصر إلى أوضاع الدكتاتورية العسكرية، تلك الدكتاتورية التي نجح هؤلاء في إزالتها في 25 يناير عام 2011، مع دفع ثمن باهظ من الدماء.

متظاهر مصري (PEDRO UGARTE / AFP)

متظاهر مصري (PEDRO UGARTE / AFP)

من بين تلك التنظيمات، يمكننا أن نجد "جبهة طريق الثورة"، "حركة شباب 6 أبريل"، "جبهة أحمد ماهر"، "الجبهة الديموقراطية"، و"الاشتراكيين الثوريين"؛ جميعهم ينسّقون جهودهم للعمل ضدّ السيسي - بالطرق السلمية بطبيعة الحال - لأنّه ليس سوى "مبارك 2.0". وهم يدعون أيضًا إلى تنظيف بقايا الدولة من "فلول" ("الأذناب" بتعبيرهم) "الحزب الوطني الديمقراطي"، الفاسدين والمُفسدين، الذين أفسدوا القطاع العام بالرشاوى، نجوا عند سقوط مبارك ويحاولون اليوم تجديد وجودهم في القطاع العام.

صعّدت "حركة شباب 6 أبريل" من نشاطها وقامت بتنظيم مظاهرة بالقرب من ميدان التحرير في مركز القاهرة لتحذير الشعب من الأخطار المحدّقة به من قبل النظام الذي لا يختلف عن نظام مبارك، وربّما أكثر سوءًا منه، "حامي اللصوص والفاسدين" كما يقول أحمد مصطفى، أحد زعماء التنظيم.

ويتّهم هيثم محمّدين، أحد رؤساء مجموعة الاشتراكيين الثوريين، السيسي صراحةً بـ "الكذب والنفاق"، وأنّه ليس لدى السيسي أي فكرة عن كيفية التعامل مع المشكلات الدولية التي تواجهها مصر. ستسوّق حركته فكرة مقاومة السيسي بواسطة المظاهرات تمامًا في نفس المواقع التي نجح فيها ومن خلالها ملايين المصريين، قبل ثلاث سنوات، في إسقاط مبارك، بعد أن كافحوا ضدّه معًا، متكاتفي الأيدي، وعلى استعداد لمواجهة دبابات النظام بأيديهم العارية.

يعلم أعضاء هذه التنظيمات من الناحية الموضوعية بأنّه ليس لديهم فرصة في إسقاط السيسي، والذي على ما يبدو سيتمّ انتخابه بنسبة تأييد عالية. كلّ ما يريدونه هو القدرة على التعبير عن احتجاجهم دون أن تنفصل يتم قتلهم.

الاستقرار على حساب الديمقراطية

ومن المهمّ أن نشير إلى أنّ المعلومات حول الحركات العلمانية ضدّ السيسي تصل إلى الجمهور العريض ليس عن طريق النظام، الادّعاء، النظام القضائي، وإنما بواسطة قناة الجزيرة، التي تخصّص وقتًا للبثّ ومساحة في الصحافة حول الخطر الكبير في أن يصبح السيسي نسخة أخرى عن مبارك. وينبع سبب ذلك بأنّ هذه القناة تعكس رؤية "الإخوان المسلمين" وتهاجم السيسي أيضًا من الجانب العلماني، وذلك لوضع إسفين بين السيسي والشريحة العلمانية في مصر.

مصريون يحتفلون في ميدان التحرير مع صورة عبد الفتاح السيسي (AFP)

مصريون يحتفلون في ميدان التحرير مع صورة عبد الفتاح السيسي (AFP)

يبدو أنّه في فترة السيسي سيستقرّ الوضع الاقتصادي في مصر، وأيضًا سيتميّز النظام السياسي باستقرار نسبي. وبالمقابل، فإنّ الصراع بين السلطة و"الإخوان المسلمين" سيكون دمويّا في كلا الجانبين، وسيتم إسكات تنظيمات المعارضة - المتديّنة وغير المتديّنة - وستوقف وتتم ملاحقتها. إذا كانت هناك إنجازات اقتصادية وأمنية فيبدو أنّها ستأتي على حساب حقوق الفرد، الحريّات السياسية، الحقّ في التنظيم، التظاهر والتعبير عن الرأي. حتى لو تحسّنت مصر تحت حكم السيسي من الناحية الاقتصادية، فستهبط إلى حدّ كبير في مؤشر الديموقراطية. سيضطّر جميع المحلّلين الذين شاهدوا الديمقراطية النامية من داخل ميدان التحرير، وخصوصًا أولئك الذين يكتبون في نيويورك تايمز، إلى أن يفسّروا لقرّائهم أين أخطأوا ولماذا.

البروفسور مردخاي كيدار هو مستشرق ومحاضر في قسم العربية في جامعة بار إيلان، وباحث زميل في مركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية في جامعة بار إيلان، تخصّص من بين أمور أخرى بدراسة نظام حافظ الأسد في سوريا.