نشر "مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط" في نهاية الأسبوع الماضي وثيقة مذهلة تتتبّع السباق الرئاسي الذي سيبدأ في تركيا في بداية الشهر القادم، وتدرس سلوك أردوغان في كلّ ما يتعلّق بعملية غزة في ضوء المعركة الانتخابية. هذه المراجعة لا تتجاوز أيضًا ما يحدث في الشبكات الاجتماعية في تركيا في هذا السياق.

وحسب تعبير كاتب المقال، حاي إيتان كوهين ينروجك، فإنّ الانتخابات الرئاسية التركية التي من المتوقّع إجراؤها في 10 آب والصراع بين إسرائيل وحماس؛ هما موضوعان أساسيّان يشغلان السلطات في تركيا في الشهر الأخير. لأنّ سياسات حزب العدالة والتنمية لا تسمح لأردوغان بالمضيّ لولاية رابعة على التوالي كرئيس للحكومة، توجّه أردوغان إلى مؤسسة الرئاسة بهدف ضمان استمرار سيطرته على الساحة السياسية على الرغم من كونها، في الوقت الراهن، مؤسسة رمزية فحسب وخالية من المسؤولية السياسية الحقيقية.

بشكل غير مفاجئ، فقد سبق توجّه أردوغان إلى الرئاسة نشاطا قويّا سعى لإنشاء خطاب عام يدعو إلى تغيير طريقة الحكم في تركيا؛ من نظام برلماني كما يمارس حاليا إلى نظام رئاسي. منعت الاضطرابات الأخيرة، وعلى رأسها أعمال شغب حديقة غازي وأيضًا الكشف عن سلسلة من قضايا الفساد في الدوائر الحكومية، هذه الاضطرابات من أردوغان استكمال ذلك الإصلاح، ولكن الأمر لم يمنعه من أن يعلن في وقت مبكّر من حملته الرئاسية أنّه لا ينوي أن يتولّى كرئيس رمزي فحسب، ولكن كرئيس مسؤول على غرار الرئاسة الأمريكية. ظهرت هذه الرؤية، من بين أمور أخرى، في اعتماد رمز للحملة الانتخابية، وهي خطوة غير مقبولة في الانتخابات الرئاسية في تركيا، ولكنها معتادة في الولايات المتحدة. بل إنّ هناك من قال إنّه استنسخ الرمز من الشعار الانتخابي للرئيس أوباما.

شعار أردوغان وشعار أوباما. هل نسخ الأول من الثاني؟

شعار أردوغان وشعار أوباما. هل نسخ الأول من الثاني؟

تحوّل أردوغان منذ إطلاق رمز الانتخابات إلى مركز المناقشات على الشبكة. من جهة، قال خصومه إنّه استنسخ الرمز الظاهر على مشروب كحولي اسمه "ماليبو"، ومن جهة أخرى رفض أنصاره تلك المزاعم وأعطوا الرمز صبغة دينية حين زعموا أنّ اسم النبي محمد مخبّأ بداخله، في الرقم الذي يظهر وراء اسم أردوغان. كما هو متوقع، فقد وفّر أنصار أردوغان رياحًا خلفية لترشيح نفسه للرئاسة، وعبّر العديد منهم عن فرحته في الشبكات الاجتماعية. كان هناك من وصفه "باشكان" (Başkan) وهو لقب يُنسب للرئيس في الحكم الرئاسي، بدلا من "جمهورباشكانا" (Cumhurbaşkanı) الذي يُستخدم كوصف للقب الرئيس التركي الذي له دور رمزي.

وقد ظهر تعبير آخر عن تأييد أردوغان في الشبكة باعتماد الشعار ذي الطابع الموالي للعثمانيين: "إنّه ليس مرشّحًا للرئاسة، ولكن لسلطان الشعب". أثار هذا الشعار معارضة شديدة بين معارضي أردوغان، لأنّه يعكس سعي الأخير في إقامة نظام استبدادي في تركيا، كما قد أثبتت خطواته في الولاية الحالية، والحقيقة أنّه لم يتم التحقيق معه على الادّعاءات المنسوبة ضدّه في إطار فضائح الفساد التي كُشفت في العام الماضي.

يستطلع المقال أيضًا منافسي أردوغان في السباق: من جهة، فالمرشّح الذي طرحه الحزبان المنافسان، حزب الشعب الجمهوري الكمالي وحزب الحركة القومية، اللذان توحّدا من أجل التغلّب على أردوغان؛ هو رئيس منظمة المؤتمر الإسلامي السابق وخرّيج جامعة الأزهر في مصر، أكمل الدين إحسان أوغلو. ولكن رغم التاريخ المجيد، يجد الناخبون العلمانيّون صعوبة في التماهي مع إحسان أوغلو، ولذلك لم يكن لترشيحه صدى في الشبكات. ومن جهة أخرى، فلأوّل مرّة في التاريخ يترشّح لرئاسة تركيا مرشّح كرديّ، صلاح الدين دميرطاش، ولكن يتوقّع المستطلعون الفشل له، وفي حالة عدم مشاركته في الجولة الثانية، فمن المتوقّع أن تذهب غالبيّة أصواته لصالح أردوغان.

يناقش جزء مثير للاهتمام في مقال ينروجك العلاقة بين العملية التي تجري في غزة وبين معركة الانتخابات التركية. حسب كلامه، فمنذ العام 2009 عندما ترك أردوغان غاضبًا قاعة المناقشات في قمة دافوس التي اندلعت فيها الأزمة الدبلوماسية الأولى مع إسرائيل، تحوّلت السياسة الخارجية لرافعة رئيسية في الساحة الداخلية التركية. يسعى أردوغان منذ تلك الأزمة لإعطاء تركيا صورة الدولة القوية التي تقف على مبادئها في الساحة الدولية، ويقوّي هذا العمل بدرجة كبيرة من تأييده بين الناخبين. وعلى خلفية الصراع الحالي بين إسرائيل وحماس، صرّح أردوغان مؤخرًا أنّه ليس معنيّا بتطبيع العلاقات مع حكومة إسرائيل طالما أنّ إسرائيل مستمرّة في سياستها بغزّة.

كما هو معلوم، فقد انتقد أردوغان بشدّة أيضًا عضو الكنيست أييلت شاكيد، وشبّهها بهتلر بعد كلامها في الفيس بوك والذي دعت فيه، كما يُزعم، إلى موت جميع أمهات الشهداء وتدمير بيوتهنّ. نفت شاكيد بشدّة هذه المزاعم. استخدم أردوغان كجزء من الحملة الانتخابية الحالية للرئاسة - كعادته - موقفه الصارم تجاه إسرائيل من أجل مهاجمة منافسيه، وقد هاجم، على سبيل المثال، إحسان أوغلو على تصريحاته بأنّ تركيا تحتاج إلى الحفاظ على موقف محايد في الشرق الأوسط وأن تأخذ دور الوسيط النزيه.

الشعار الأصلي لأكملدين والشعار المستهتر الرائج في شبكات التواصل الاجتماعية

أدّت تصريحات أردوغان، إلى جانب استطلاع من جانب واحد للإعلام التركي حول أحداث عملية "الجرف الصامد"، بالكثيرين في الشبكات الاجتماعية للدعوة إلى صلوات جماعية من أجل سكّان غزة وأدانوا إسرائيل بجرائم حرب. وعلى ضوء موقفه المحايد تلقّى إحسان أوغلو أيضًا انتقادات في الشبكة. وقد صمّم بعض متصفّحي الشبكة للتنديد به رمزًا مشابهًا لرمز أردوغان، ولكن وضعوا في الخلفية نجمة داود.

تفجّرت الأجواء المتوتّرة حول عملية "الجرف الصامد" في الشبكة في أعقاب تغريدات للمغنية التركية الشهيرة يلديز تيلبا، التي مدحت هتلر وبرّرت ذلك بخسائر الأرواح التي تسبّبت بها إسرائيل ضدّ الفلسطينيين. وغرّدت تيلبا أيضًا بأنّه في نهاية المطاف "سيقوم المسلمون بالقضاء على اليهود". احتجّ الكثير من المتصفّحين الأتراك ضدّ تصريحات تيلبا، ولكن كان هناك من عبّر عن تأييده لها. واعتبر من بين هؤلاء رئيس بلدية أنقرة، الذي أعاد تغريد بعض أقوالها.

وفي نهاية المقال يلخّص ينروجك أنّه في السباق الرئاسي أيضًا تلعب الشبكات دورًا مهمّا. ومع ذلك فبخلاف العواصف التي ميّزت الأشهر الأخيرة، نشعر هذه المرة بهدوء معيّن في الشبكات. يبدو أنّ الأمر نابع من الميزة الواضحة لأردوغان على منافسه إحسان أوغلو. إلى جانب ذلك، فمن الواضح أنّ أردوغان يسعى لاستغلال لهيب الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني مرّة أخرى لمصالحه السياسية. فضلًا عن ذلك، فإنّ الانشغال المتزايد بإسرائيل والصراع الإسرائيلي - الفلسطيني في تركيا يؤدّي إلى زيادة اكتشاف معاداة السامية التي تجد طريقها من الشبكات الاجتماعية إلى الشارع.