عند الحديث عن انتخابات رئاسية فلسطينية يجب التوضيح أن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، لا يزال يمارس مهامه ولا يفكر لا بالرحيل ولا بالاستقالة، كما يقول أحد مقربي الرئيس الفلسطيني، ويضيف أن الأنباء التي نشرت مؤخرا حول نية القيادي الفتحاوي، مروان البرغوثي الترشح لرئاسة السلطة، لا علاقة لها ب "أبو مازن" الذي أوضح أنه باقٍ على رأس مهامه وأنه لا يفكر لا بالاستقالة أو بالرحيل.

النقطة الثانية هي أنه وفق النظام السياسي الفلسطيني، في حال حدوث شغور رئاسي، فإن رئيس المجلس التشريعي، القيادي الحمساوي، د. عزيز دويك، هو الذي من المفترض أن يتولى الرئاسة في الفترة الانتقالية، وكل إمكانية ثانية، بما فيها تولي رئيس المجلس الوطني الفلسطيني قيادة المرحلة الانتقالية، تعني أزمة سياسية – دستورية – قانونية، يجب إضافتها إلى الصراع على الخلافة، الذي سينشب حتما داخل قيادات فتح التي ترى نفسها مرشحة لقيادة السلطة.

وإذا ما افترضنا أن فتح لن تقبل بأسماء من خارج الحركة، مثل: سلام فياض، وأنها نجحت في فرض الفكرة أن رئاسة السلطة يجب أن تبقى في يدها (والسؤال هنا هل ستقدم حماس مرشح من قبلها أو تدعم مرشح مستقل) فبورصة الأسماء التي يمكن تناولها بشكل جدي، على الأقل في المرحلة الراهنة، تقتصر على محمد دحلان الذي يعتبر نفسه ويعتبره جزء كبير من الفتحاويين أنه عنوان المرحلة القادمة؛ مدير المخابرات الفلسطينية ماجد فرج الذي تري فيه بعض القوى الإقليمية والدولية أنه كان جزءا من منظومة أمنية، أمسكت بزمام الأمور في فترة غاية في الحساسية، وبالتالي من الطبيعي ان يقود مرحلة يبقى عنوانها الموضوع الأمني؛ والاسم الثالث والأكثر إثارة هو مروان البرغوثي.

فقد سيطرت الأنباء التي تحدثت عن نية البرغوثي الترشح لمنصب رئيس السلطة - سيطرت على حديث الساعة عند النخب الفلسطينية، وتناولت وسائل الاعلام الفلسطينية الموضوع بشكل كبير وأعطته حجما يجعلك تعتقد أن الانتخابات ستقام في القريب العاجل. ليس سرا أن البرغوثي، على خلاف محمد دحلان، الذي يركز على حركة فتح وجمهور حركة فتح، يرى في نفسه ليس فقط البديل الأفضل فتحاويا بل فلسطينيا، متمتعا بعلاقة طيبة مع قادة الفصائل وعلى رأسها حماس، ومتمتعا برصيد سنوات السجن الأخيرة الذي يمنحه نقاط تفوق على مرشحين اخرين كانوا جزءا من مؤسسة فلسطينية اتسمت بجمود وفشل سياسيين، واعتبروا التنسيق مع إسرائيل ضرورة سياسية هامة بالنسبة للفلسطينيين، وتمنحه كذلك التفوق على من حاول بناء اسمه ونفوذه خارج الأراضي الفلسطينية.

إعلان زوجة البرغوثي، فدوى، عن نية زوجها الترشح، وإعلان مسؤولين مثل صائب عريقات عن دعمهم للمرشح البرغوثي، يشير إلى حالة الانقسام الفتحاوية، ويشير إلى أزمة القيادة التي لا يمكن لأحد ملؤها أكثر من شخص تؤكد إسرائيل أنها لن توافق الإفراج عنه. أزمة القيادة هذه جعلت من فكرة ترشح البرغوثي أكثر من مجرد حركة سياسية يهدف أنصاره من خلالها إثارة موضوع اعتقاله مجددا وضرورة الإفراج عنه. قد تكون هذه العناصر والعوامل موجودة في خلفية فكرة طرح الموضوع مجددا، لكن الشعور بأن الرئيس الفلسطيني يمثل حالة فشل وركود مستمرين، دفعت بقوة اسم البرغوثي، لكنها أعادت إلى الأذهان فكرة أن الانتخابات، التي لا تحظى بتأييد الكثيرين في فتح والتي لا تفكر فيها حماس، هي الكفيلة بتحريك القضية الفلسطينية الذي أصابها الربيع العربي بجروح بالغة، وأماتها سريريا عجز القيادة الفلسطينية على اختراق حاجز الرفض الذي أقامته حكومات نتنياهو.

في ظل حالة البعبع التي تصيب الكثيرين لمجرد ذكر اسم دحلان، وفي ظل عدم بروز أسماء كماجد فراج على مستوى الشارع الفلسطيني، وفي ظل إمكانية نجاح فتح في إحباط أي محاولة لإنزال رئيس من خارج الحركة، يعود بقوة اسم مروان إلى الواجهة. أنصاره مقتنعون أن ترشحه وفوزه (المؤكد من ناحيتهم) في الانتخابات، التي لا يدري أحد، هل ومتى ستقام، سيخلق حالة ضغط فلسطينية وخاصة دولية على إسرائيل من أجل الإفراج عنه.

فتح كما كانت دائما، لا زالت تقبع تحت وطأة الانقسامات الداخلية. وهو الحال نفسه بالنسبة لفكرة ترشيح البرغوثي، ويقول مسؤول فتحاوي إن طرح موضوع البرغوثي مجددا يثير الخوف عند الكثيرين الذين بدأوا يعيدون حساباتهم وتحالفاتهم، لكن مما لا شك فيه أن مجرد طرح الفكرة أعاد الحياة والحيوية إلى المنظومة السياسية الفلسطينية.

هل ينجح الأسير الفلسطيني الأشهر في تحريك الملف الفلسطيني حتى وهو خلف القضبان؟ هل ينجح بتحريك القضية الفلسطينية رغم داعش ورغم نتنياهو، ورغم تشبث القيادة الفلسطينية بمواقفها التي فشلت المرة تلة الأخرى، ورغم حالة الانقسام التي جعلت الفلسطيني الصغير قبل الكبير يلعن كل من يدعي أنه يمثله وأنه يعمل من أجله؟.

هنا نشير إلى أن قيادات فتحاوية تنتظر وتترقب لمعرفة كيف ستترجم حركة حماس العلاقات القوية التي بناها البرغوثي مع قادة حماس داخل السجون، لا سيما وأن علاقات قوية كانت تربطه مع حماس خلال سنوات الانتفاضة وقبل اعتقاله.

وفي هذا السياق نشير أيضا إلى أنه، وخلال لقاءات جرت بين قيادات فتحاوية، بعضها مقرب من البرغوثي ، وبين قادة حماس وعلى رأسهم خالد مشعل، تلقى القادة الفتحاويون تأكيدات من قادة حماس أن الحركة ستدرج اسم البرغوثي عاليا في قائمة الأسرى التي ستطالب الحركة بالإفراج عنهم مقابل رفات الجنود التي تحتجزهم حماس، علما أن احد القيادات الفتحاوية الذي شارك في هذه اللقاءات قال ل "المصدر" إن هذه التأكيدات كانت أيضا عبارة عن تلميحات أن حماس تحتجز جنود أحياء وليس فقط رفات جنود. الانطباع أن حماس جادة في نيتها المطالبة بالإفراج عن البرغوثي في أي صفقة تبادل قادمة، لكن لا نستطيع ان نجزم هل سيترجم هذا التعهد وهذه العلاقة بين مروان وحماس إلى تأييد من قبلها لمروان في انتخابات رئاسية قادمة، لأن مثل هذا التأييد يعني بالنسبة للمجتمع الدولي أن الشعب الفلسطيني يمنح البرغوثي دعما يصل إلى حد الاجماع، وبالتالي على هذا المجتمع التحرك للإفراج عنه إذا ما أراد رؤية شخصية فلسطينية قادرة على توحيد الفلسطينيين من ناحية، وملتزمة بمبادئ منظمة التحرير من ناحية أخرى".