من المهم أن نقف على طبيعة هذه الاتجاهات الجديدة ونطاقها، وأن ندرس الخيارات المتاحة لمن يدعم الانتقال إلى نظام أكثر ديموقراطية واعتدالا بالنسبة إلى سوريا، فضلا عن أولئك المهتمين أولا وقبل كل شيء بتحقيق الاستقرار في بلادهم والمنطقة.

مثّل انتصار النظام في القُصَير في حزيران 2013 انتقالا إلى مرحلة جديدة في الحرب الأهلية السورية. ضمنت الجهود الكبيرة من قبل إيران وذراعها التنفيذية حزب الله السيطرة على تلك النقطة الاستراتيجية، وتلاها تقدم بطيء ومتدرج في مناطق أخرى كذلك. ما زالت المعارك مستمرة، وما زالت تنظيمات المعارضة تسجّل بعض الإنجازات، ولكن الصورة العامة هي أن النظام السوري يتقدم في طريقه للسيطرة على المحور المركزي في سوريا والذي يمرّ من دمشق إلى حلب، مع توسعات غربًا في جهة المناطق العلوية والساحل، وجنوبا باتجاه درعا. ويبرز الانتصار في القلمون، القريبة من الحدود اللبنانية، بين إنجازات النظام الأخيرة.

بشار الأسد في زيارة للجيش السوري في داريا بضواحي دمشق (AFP PHOTO / HO / SANA)

بشار الأسد في زيارة للجيش السوري في داريا بضواحي دمشق (AFP PHOTO / HO / SANA)

واشتدّ هذا الاتجاه الذي بدأ في حزيران 2013 في أعقاب أزمة السلاح الكيميائي في آب من نفس العام. ومن المفارقات أنّ الحادث الذي كاد يؤدي إلى ضربة جوية قوية كإجراء عقابي أمريكي، انتهى بنوع من الإنجاز لصالح النظام الذي استخدم أكثر من مرة الأسلحة الكيميائية ضدّ أبناء شعبه. صحيح أنّ الأسد سوف يخسر معظم مخزونه من السلاح الكيميائي الذي يملكه، إن لم يكن جميعه، ولكن رغم ذلك فإن هذا الأمر جعله يتنفس الصعداء من جديد، لأنه أصبح شريكا حيويا في تنفيذ الاتفاق الأمريكي – الروسي. علاوة على ذلك، فقد بنت روسيا، وهي الداعم الدولي الأكبر له، مكانة هامة لها كعامل مؤثر سواء فيما يتعلق بالأزمة السورية، أو في الشرق الأوسط بشكل عام. وفي العالم العربي المرتاب أكثر من أيّ وقتٍ مضى، فإن الافتراض الشائع هو أن ما بدأ كتفاهُم مقتصر على قضية الأسلحة الكيميائية، هو مجرد خطوة أولى في طريق اتفاق واسع النطاق، يشمل حلا دبلوماسيا – سياسيا للأزمة السورية، من شأنه أن يميل لصالح الأسد ونظامه.

تزايدت هذه المخاوف في الشهر الأخير، وذلك في أعقاب التوقيع على اتفاقية جنيف بين إيران ودُول 5+1 (الدول الخمس العظمى + ألمانيا) والكشف عن المفاوضات السرية السابقة بين الأمريكيين والإيرانيين. يتخوف أعداء سوريا في الخليج وسوريا ولبنان من أن تؤدي الاتفاقية إلى تقارب جديد بين إيران والولايات المتحدة، وإلى تهدئة المنافسة في الشرق الأوسط، من المحتمل أن يتضمن تفاهما بشكل حل دبلوماسي – سياسي في سوريا. حتى هذا السيناريو يبدو في عيون أعداء الأسد إمكانية لتعزيز موقفه. وبشكل ملموس أكثر، فمن الصعب أن نتصور كيف يمكن لمؤتمر جنيف 2 في موضوع سوريا، والذي سيعقد في 22 كانون الثاني عام 2014 (إن لم يتم تأجيله)، الذي سوف تضم روسيا وإيران على طاولة المفاوضات، من الصعب التصور كيف يمكن لهذه المؤتمر أن ينتهي باستبعاد الأسد عن عرشه. وعبّر وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، عن تأييده لمشاركة إيران في المؤتمر، وقد رحب بالأمر كذلك وزير الخارجية البريطاني، وليام هيج، وأرسل كما يبدو دبلوماسيا بريطانيا إلى طهران من أجل مناقضة القضية.

مقاتلو المعارضة السورية (AFP)

مقاتلو المعارضة السورية (AFP)

زادت هذه التطورات وحدها من حدة المشاكل التي أزعجت المعارضة وأقلقت مؤيديها منذ بدء الحرب الأهلية خلال الشهرين الأخيرين: ضعف دور المجلس الوطني السوري، فهو منقسم قليل التأثير على الساحة. وقد فشل الجيش السوري الحر بقيادة اللواء سليم إدريس في أن يتحول إلى تنظيم عسكري مهيمن، وبالتأكيد لم يستطع في أن يكون تنظيما عسكريا موحدا كما كان يُفترض به. ويبدو أن التنظيمات الجهادية وعلى وجه الخصوص جبهة النصرة وتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) هي المركب الأكثر تأثيرا في المعارضة، ولكن رؤيتها، برنامجها، وطريقة تعاطيها في المناطق الخاضعة لسيطرتها تثير اشمئزاز وقرف السوريين والمجتمع الدولي. وقد نجح النظام في الآونة الأخيرة، بأن يروج لنفسه كمعقل للعلمانية وضمانةٍ للاستقرار، عبر تصدّيه لموجة الإرهاب الإسلامي في سوريا.

وقد فشل أنصار المعارضة "أصدقاء سوريا" في الماضي والحاضر بالعمل متوائمين. بعض نشاطاتهم منسّق، ولكنهم في كثير من الأحيان يقومون بالسعي في أهداف متضادة. ترفض المملكة العربية السعودية "الإخوان المسلمين"، ولكنهم يتلقون دعم قطر، ويضاف إلى هذه الفوضى العامة الداعمون المستقلون في دول الخليج، الذين يقدمون دعمهم لتنظيمات مختلفة. وقد تبين في الآونة الأخيرة أيضا في أوساط بعض "أصدقاء سوريا" في أوروبا، أن هناك مخاوف متزايدة بشكل أساسي من احتمالية أن يعود مواطنوهم من عملهم كمجاهدين في سوريا حيث تم تدريبهم وتجهيزهم، فيقومون بعمليات إرهابية في بلادهم. تؤدي هذه المخاوف إلى استعداد هذه الدول إلى التخلي عن التزامها الأساسي بتغيير النظام في سوريا.

لاجئون سوريون (AFP)

لاجئون سوريون (AFP)

وإذا أمعنّا النظر في مسار الحرب الأهلية السورية، فسرعان ما سيظهر لنا عدم وجود معارضة واحدة، وأن هذا المصطلح يشير إلى عدد كبير من التنظيمات المحلية، والتي تشترك في القتال دون الخضوع لأية جهة ولا حتى التنسيق مع سلطة مركزية أيّا كانت. ويبدو أن للسعوديين استنتاجاتهم الخاصة حول الأوضاع، حيث أضحَوا القوة الرئيسية خلف إقامة "الجبهة الإسلامية" الجديدة - وهي جبهة جامعة تضمّ عدة تنظيمات إسلامية لا تعتبر متطرفة وليست متقاربين مع "الإخوان المسلمين". ويبدو أن هذا التنظيم هو الذي داهم إحدى قواعد الجيش السوري وسيطر على مخزون الأسلحة الذي كان هناك. وقد كانت الحجة التي استخدمها هو وأنصاره لتبرير هذا الإجراء بأن ما فعلوه هو استباق لعملية من التنظيمات الجهادية. على أية حال، أدى هذا الأمر بأمريكا وبريطانيا إلى إيقاف توريد الأسلحة غير الفتاكة للجيش السوري الحر. وقد أدى ذلك إلى إلحاق ضرر كبير بالجيش السوري الحر وبجميع حركات المعارضة المناوئة للنظام السوري. وقد كانت هناك تصريحات أقل تدميرا، وإن كانت لا تزال مضرة بالمعارضة، تم إصدارها من قبل الدبلوماسي الأمريكي السابق، ريان كروكر، رئيس الاستخبارات المركزية الأمريكية سابقًا، الجنرال مايكل هايدن، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق، دان حالوتس. وعبّر جميهم أو أشاروا بوضوح إلى أن الأسد هو "الشيطان الذي نعرفه"، فهو رغم كل شيء البديل الأفضل لسيطرة الجهاد على سوريا.

على ضوء هذه التطورات، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بطبيعة الحال هو: أية احتمالات واردة بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا والشرق الأوسط، بعد أن قاموا بدعم المعارضة من بداية الطريق وصرّحوا بأن الأسد قد فقد شرعيته، وأن عليه مغادرة كرسيّ الحكم؟

في الوضع الحالي، يبدو أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة، وبالتأكيد فإن الحل العسكري غير مرغوب به. وقد بدا خلال العامين 2012 وبداية 2013 أن المعارضة كانت قادرة على إسقاط النظام، ولكن يبدو اليوم أنها غير قادرة على القيام بذلك. النظام يكتسب زخمًا، ولكنّ هناك احتمالًا ضعيفًا بأن يحوز مكانةَ فعّالة في أنحاء سوريا المختلفة. الحل الدبلوماسي – السياسي هو الاحتمال الأفضل، ولكن في ضوء الحيوية الجديدة للأسد والدعم الروسي والإيراني، فهناك شك في أن يكون مستعدا للتنازل عن كرسيه. على أية حال، إذا كشفت مفاوضات جنيف عن نتائج جديرة بالاهتمام، فسوف يُجبَر أنصار المعارضة على إحراز نفوذ لا يملكونه في الوقت الراهن.

الدمار الذي حل بحلب جراء الحرب الأهلية في سوريا (AFP)

الدمار الذي حل بحلب جراء الحرب الأهلية في سوريا (AFP)

بدايةً، على المعارضة أن تضع في مقدمة مفاوضاتها شخصيات تكون بمثابة قيادات عسكرية وسياسية لها. وإلا فإنهم مجبرون على توحيد الجهود العسكرية والسياسية، جزئيا على الأقل، كي يتم اعتبارهم في الرأي العام السوري، والدول العربية والمجتمع الدولي كقادة للمعارضة وكبديل ذي مصداقية للنظام. وإذا لم ينجحوا في ذلك، فسيكون هناك ضرورة لاعتماد التكتيكات السعودية للعمل الفعال مع تنظيمات محلية وشبكات صغيرة من القوى المحلية، ثم توسيعها لمجالات أكبر.

من الواضح أنّ الحكومات الغربية لا تسيطر على الأمور كما يقول المسؤولون السابقون، ولكن يجب على صناع القرار والدبلوماسيين أن يكونوا حذرين وألّا يعمَلوا على تقويض المعارضة من خلال إجراءات وبيانات تشير إلى أنها ليست بديلا مضمونا للأسد، أو القول إنّ "الشيطان الذي نعرفه" هو البديل الأفضل من الجهاد.

في النهاية، من الجدير التذكُّر أنّ القضايا المركزية التي تقف في جدول الأعمال في الشرق الأوسط مرتبطة ببعضها البعض، وأن هناك تأثيرًا للإجراءات والبيانات في السياق الإيراني على سوريا، وبالعكس. في الشهر الماضي فقط، كرّر وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قوله إنّ الولايات المتحدة "تعتقد أن الأسد قد فقد شرعيته في حكم سوريا، وعليه أن يرحل". ولذلك فإنّ كل إجراء دبلوماسي في جنيف، أو حوار مع روسيا وإيران، يظهر أن هذا لم يعد هو الموقف الأمريكي، سوف ظلالا ثقيلة على مصداقية وزارة الخارجية بل الإدارة كلها، وسوف يجلُب آثارا في ساحات أخرى. فالحكومة التي تسعى بالتوازي إلى حل مشكلة النووي الإيراني، والتفاوض حول اتفاق دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتنظيم الأوضاع في سوريا.. عليها أن تعلم بأن تصرفاتها وبياناتها في أي واحدة من هذه الساحات سيكون لها صدى كبيرٌ في الساحتين الأخريين.

نشر هذا المقال لأول مرة في موقع معهد دراسات الأمن القومي INSS