تسارع إسرائيل في اتهام عباس بفشل المفاوضات في أعقاب الخطوة الأخيرة من طرف واحد حيث توجه إلى الأمم المتحدة، والتي ألغى بعدها كيري زيارته المرتقبة غدًا إلى رام الله. في حين أنّ نتنياهو قضى يوم أمس في ماراثون من الاجتماعات بين الوزراء وأعضاء الكنيست في محاولة لتحقيق أغلبية تدعم صفقة إطلاق سراح الأسرى وتجميد البناء مقابل إطلاق سراح بولارد، فإن عباس "يقوّض عمدًا" جهود كيري، كما يقولون.

و"الصفقة" المقصودة والتي وافق عليها كيري ونتنياهو هي عبارة عن تمديد المفاوضات حتى كانون الثاني 2015، حيث أنه مقابل إطلاق سراح الأمريكيين لبولارد توافق إسرائيل على إطلاق سراح 26 إرهابيًّا قتلوا إسرائيليين، من بينهم 14 مواطنًا إسرائيليًّا، بالإضافة إلى 400 أسير فلسطيني آخر ليسوا متّهمين بالقتل. بالمقابل، يوافق الفلسطينيون  على استمرار المشاركة في المفاوضات وعدم التوجّه للأمم المتحدة.

من أجل أن تنجح هذه الصفقة، يجب أن تتحقّق ثلاثة أمور: أن يوافق الأمريكيون على إطلاق سراح بولارد، أن يوافق الإسرائيليون على الصفقة، وأن يوافق الفلسطينيون على تمديد المفاوضات. رغم ذلك، وقّع عباس أمس على توجّه لخمس عشرة مؤسسة تابعة للأمم المتحدة، ممّا أدى إلى إلغاء زيارة كيري للمنطقة. لم يستحسن الإسرائيليون والأمريكيون هذه الخطوة، ولكنهم لا يسارعون في الإعلان عن انفجار المفاوضات.

إذًا، هل هناك مجال للتفاؤل؟ من الصعب أن نصدّق. يسود انعدام الثقة وخلاف أساسي بين عباس ونتنياهو. ويقدّر الخبراء والمسؤولون في إسرائيل أنّ المشاكل الأساسية لعباس الآن هي داخلية بشكل أكبر، وفي مقدّمتها القلق من زيادة قوة دحلان. بالنسبة لعباس، يطرح الأمريكيون صفقة زائدة عن اللازم بالنسبة له، ولذلك فهو يفضّل المواجهة الدبلوماسية مع إسرائيل بل ومع الولايات المتحدة لصرف الانتباه عن الصراعات الداخلية.

مع ذلك، من المهم أن نذكر بأنّ إطلاق سراح الأسرى، في حال تمّ تنفيذه، سيساهم في تقوية إضافية لموقفه. علاوة على ذلك، فهو يعلم أنّه في جميع توجّهاته للأمم المتحدة، في حال قرّر تفجير المفاوضات، ستستخدم أمريكا حقّ النقض ضدّ أيّ قرار.

استمرار المفاوضات مهمّ جدّا بالنسبة لإسرائيل أمام الضغط الدولي، وخصوصًا أمام المقاطعة الأوروبية. ولكن يمكننا الآن أن نقول بثقة كبيرة، بأنّ مشكلة المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية اليوم ليست نتنياهو. فحاليًا ينظر كيري إلى نتنياهو باعتباره الطرف الأكثر مرونة في الصراع. فيما لو استمرّ عباس في خطواته بالتوجّه للأمم المتحدة، فسيُتّهم في نهاية المطاف باعتباره من أدّى إلى فشل المحادثات وإلى تأجيل آخر لإقامة الدولة الفلسطينية. جنبًا إلى جنب مع الوضع الاقتصادي الصعب في السلطة، يبدو أنّ الغضب المتراكم سيكون موجّهًا إلى عباس تحديدًا، وهذا أمر لا يمكنه أن يسمح بحدوثه الآن.

لا يبدو مستبعدًا أنّه منذ الأمس هناك ضغط أمريكي كبير يُمارس على عباس، ويحاول كيري التأثير على الفلسطينيين من وراء الكواليس عبر قنوات سرّية، ليست عامّة ولم يتمّ الإعلان عنها.  ومع ذلك، نُشر اليوم من قبل مسؤولين أمريكيين أنّ "كيري قد استنفد جهوده. فليجد الإسرائيليّون والفلسطينيّون حلّا". من المحتمل جدّا أن تكون هذه هي النهاية المطلقة لجولة الجهود الحالية بغية الوصول لتسوية ما في الصراع الأبدي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.