هل يحدث هذا صدفة أم سوء كبير يلاحق الدولة العربية الأكبر في العالم؟ إذا سألتم أي مصري اليوم في الشارع ما هي أكثر مخاوفه فسيعترف بالتأكيد أن كسب الرزق أصبح مقلقا جدا وأنّ مصر تحتاج إلى كل استثمار أجنبي لفتح المزيد من فرص العمل وتغذية الاقتصاد بعد الركود الطويل بل والنموّ السلبي.

حاول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هذا الأسبوع أن يوضح للمصريين أنّ حقيقة تنازل مصر عن الجزيرتين لصالح شقيقتهم في الشرق، السعودية، ليست تنازلا عن أراض للوطن وإنما استثمار اقتصادي على المدى الطويل. وقد استخدم هو أيضًا، مثل الكثير من السياسيين المصريين، لغرض ما الرقم العجيب 200 مليار.

نعم، يبدو أنّ ليس هناك تقرير اقتصادي حول الاقتصاد المصري (في السنوات الأخيرة) لا يأخذ بالحسبان الرقم 200 مليار العجيب. هل يحدث هذا صدفة؟ نحن لا نستطيع الإجابة عن هذا السؤال، ولكننا جمعنا بعض التذكيرات الاقتصادية، والتي ذكرت جميعها بشكل أو بآخر هذا الرقم.

1. نبدأ بالتقرير الأكثر حداثة: فورا بعد تنفيذ نقل الجزيرتين المصريتين في مضائق تيران، قرب السعودية، أعلن الرئيس السيسي عن إقامة جسر يربط بين السعودية ومصر. وخمّنوا ماذا ستكون الدلالة الاقتصادية لنقل البضائع والناس على هذا الجسر؟ خمّنتم بشكل صحيح: 200 مليار دولار.
صرخ الإعلام المصري والسعودي في اليوم التالي بعناوين طنانة:
"عائدات جسر الملك سلمان تصل 200 مليار دولار سنوياً.. قطار وممرات"

2. خلال شهر كانون الثاني 2016، وعد السيسي بدعم حكومي بقيمة 200 مليار جنيه مصري لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وأكد السيسي، في كلمته خلال احتفالية يوم الشباب، أنه وجه تعليمات للبنك المركزي بتنفيذ برنامج شامل لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وأضاف أن قروض المشروعات الصغيرة والمتوسطة خلال السنوات الأربع المقبلة لن تقل عن 20% من إجمالي القروض المصرفية. هل سيتم حقا؟ ستخبرنا الأيام ...

3.ومن لا يذكر، نريد أن نذكّره: بين 13 حتى 15 آذار عام 2015، أقيم في شرم الشيخ مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري تحت شعار "مصر المستقبل". المؤتمر الاقتصادي الأكبر مما عرفه العالم العربي في العصر الحديث، وقد أقامه تحديدا الملك السعودي الأسبق، الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز.

كان يهدف المؤتمر إلى تسخير كل اقتصاد الدول العربية من أجل الاستثمار في مصر وإنقاذها من الوحل الاقتصادي الذي سقطت فيه. خلال المؤتمر تم إعطاء وعود كبيرة بل ووعد السيسي الشباب بمستقبل وردي واستثمارات بقيمة 200 مليار دولار، على الأقل، والتي ستسرّع الاقتصاد المصري الراكد. ولكن كان يختلف الواقع عن الوعود.

ذكّر الناقد التلفزيوني والمحلل المصري، سيد علي، بعد عام من ذلك المصريين أنّ هذه الوعود كانت تختلف عن الواقع وطالب بمعرفة أين هو مبلغ الـ 200 مليار دولار الذي وُعدت به مصر في الاستثمارات وإيجاد فرص العمل.

4. في آب 2015، كانت مصر تعتزم إطلاق قناة سويس جديدة، وهو مشروع هندسي عملاق استثمرت فيه الحكومة المصرية المليارات وذلك كي تسمح بعملية مرور أفضل للسفن من آسيا إلى أوروبا وزيادة عدد السفن التي تمر في القناة. وماذا وعد الخبراء الاقتصاديون فيما يتعلق بالاقتصاد المصري؟ خمّنتم بشكل صحيح، دخل بقيمة 200 مليار جنيه مصري بل وتخصيص مليوني وظيفة وفرصة عمل. بارك عنوان في إحدى الصحف من تلك الفترة هذه المبادرة وجاء في المقال:

"الخبير الاقتصادي محمد الجوهري، أشار إلى أن القناة الجديدة ستزيد من فرص جذب خطوط الملاحة العالمية إلى مصر، متوقعا زيادة عدد السفن المارة بالقناة سنويا من 18 ألف إلى 37 ألف سفينة، ما يتبعه زيادة إيراداتها من 52 مليار جنيه سنويا إلى 200 مليار جنيه".

5. ليست حكومة السيسي الجديدة فقط هي التي وعدت وعودا اقتصادية بعيدة المدى. فأيضا في السباق الرئاسي عام 2012 وعد الرئيس الإسلامي المعزول، محمد مرسي، وعودا مماثلة.

في نيسان عام 2012 أكّد المرشّح (حينذاك) محمد مرسي أنّ هناك 15 شركة دولية وقعت مع حزبه على مبالغ استثمارية بقيمة تبلغ 200 مليار دولار، شرط أن يتعاملوا مع سلطة تنفيذية معبرة عن المصريين بصدق.

6. وإليكم التذكير الأخير: خلال فترة الانتقال السلطوي، من حكومة مبارك المستبدة حتى إقامة الانتخابات الديمقراطية الأولى في مصر، والتي أوصلت الإخوان المسلمين إلى الحكم، تشاجر الكثير من السياسيين المصريين فيما بينهم حول اختفاء أموال دافعي الضرائب وعائدات الدولة؟ والأهم من كل شيء كم خسرت مصر في تلك الفترة. الإجابة هنا : الدكتور محمد محسوب، الأمين العام للجنة استرداد أموال مصر المنهوبة. في لقاء مع الإعلامية جيهان منصور خلال برنامج "صباحك يا مصر" على قناة "دريم" أن المجتمع المدني يقدر هذه الأموال بـ200 إلى 220 مليار دولار خرجت خلال العقدين الماضيين ، المبلغ الذي قد يساعد على نهضة مصر خلال خمس سنوات دون الاعتماد على القروض الدولية.

ربما تكون هذه النماذج التي أحضرناها لكم صدفة أو لا. على أية حال فمصر بأمسّ الحاجة إلى استثمارات أجنبية وإعادة ثقة النظام المالي العالمي باقتصادها. هل ستنجح؟