قد يكون أصل المشكلة أنه ابن مؤرّخ، لكن لا يخفى على أحد أنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية يميل إلى النظر إلى نفسه كشخصيّة تاريخيّة.

إحدى الشخصيات التي يقارن نتنياهو نفسه بها دونما تردد، هي رئيس حكومة بريطانيا إبّان الحرب العالمية الثانية، ونستون تشرتشل. كما كان تشرتشل الوحيدَ تقريبًا الذي رأى الخطر المحدق من ألمانيا النازية في الوقت الذي فضّلت فيه الدول الغربية الأخرى انتهاج اقتراب مُسالم أكثر، هكذا هو نتنياهو، في رأيه. فهو الوحيد الذي يرى إيران على حقيقتها - ككيان دكتاتوري ومتشدد، يطمح إلى السيطرة على الشرق الأوسط، ولذلك وضع نصب عينَيه إحراز السلاح النووي، الذي يعطيه أفضلية على الدول العربية، ويضعه في توازن استراتيجي مع إسرائيل.

هذه المقارنة، غير الجديدة، تتكرر في أقوال نتنياهو، لا سيّما منذ انتُخب حسن روحاني رئيسًا لإيران. فروحاني، حسب رأيه، هو الذئب في ثياب الحمل، الرجل الذي وضعه المرشد الأعلى لإيران، آية الله خامنئي، في واجهة العرض الدبلوماسي، ليعرض للعالم وجهًا معتدلًا لإيران، ليؤدي إلى تخفيف العقوبات، وليواصل التقدم دون إزعاج نحو القنبلة النووية.

وينجم معظم إحباط نتنياهو في الشهور الماضية من أنّ العالم يبدو أنه يرفض قبول هذه الفرضيات. أيضًا، و بشكل خاصّ، الإعلام الليبرالي في الولايات المتحدة وأوروبا، الذي تمثّله بكُلّ وضوح صحيفة نيويورك تايمز.

فبعد أن أتى على ذكر الصحيفة في سياق سلبي خلال خطابه الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حاولت مصادر في مكتبه تلطيف العلاقات مع الصحيفة الشديدة التأثير، ورتّبوا له لقاءً بمراسلة الصحيفة في القدس، جودي رودورن. وكانت نتيجة اللقاء تقريرًا عن نتنياهو لم يُطرِ عليه إطلاقًا، على أقلّ تقدير. فقد ذُكرت في التقرير زوجته المتحكّمة ومحبته للسجائر الفاخرة، واقتُبس عن مساعده السابق، ميتشل باراك، قوله: "نتنياهو يشعر بأكبر ارتياح حين يتنبأ بكوارث، ويخيف الناس ليدفعهم إلى فعل ما يريد هو. المشكلة الآن هو أنه فقد نفوذه. رسالته ظلّت واضحة، وهي لم تتغيّر. كذلك بقي الوضع كما كان. لكن وجهة نظر جميع الأطراف تغيّرت. يشبه ذلك كونك الرجل الوحيد الذي لديه مصباح في غرفة مظلمة".

وهاجمت الصحيفة الإسرائيلية المُقرَّبة من نتنياهو، "إسرائيل اليوم"، بشدّةٍ صحيفةَ نيويورك تايمز. فقد كتب مراسل الصحيفة درود إيدر: "على خلفية ابتداء المحادثات بين الدول العظمى وإيران، يبدو نتنياهو بالنسبة لـ "نيويورك تايمز" عالقًا في الماضي إثر تغيّر الصورة الجيوسياسيّة. الواقع مقلوب؛ فخلافًا لليسار الأمريكي، نتنياهو موجود بقوة في الحاضر ويعمل "رقيبًا لبيت إسرائيل" وللعالم. مع اندلاع الشتاء العربي، وقف توماس فريدمان في ميدان التحرير وبكى فرحًا لرؤية أعلام الحرية ترفرف هناك، وتفوّه بالإهانات ضدّ نتنياهو وحكومته لوقوفهما جانبًا. حينها أيضًا، بدا نتنياهو خارج السياق. هل سمعتم من فريدمان توبته على الحماقات التي نشرها؟

إنّ دعم "نيويورك تايمز" لكلّ ذرّة احتمال تسوية مع طغاة وحشيين يعود إلى دهر بعيد. فثمة خطّ يصل بين المتشددين العالميين والليبراليين المتشددين - في الحالتَين، هم مؤمنون لا تغيّرهم الوقائع. هكذا، أثنت الصحيفة عام 1938 على اتفاقية الاستسلام ("معاهدة السلام"...) بين رئيس الحكومة البريطانية تشيمبرلين وهتلر في ميونيخ، لأنه في اللحظة الأخيرة، كما تعلمون، جرى منع الحرب. وذكر نتنياهو دعم الصحيفة عام 2005 للاتفاق مع كوريا الشمالية حول تفكيك منشآتها النووية - "يبدو أنّ الدبلوماسية تنجح" - وهو اتّفاق انتُهك بعد عام من توقيعه، تمامًا كاتّفاق ميونيخ".

من هذه المعركة على أوراق الصحف، يمكن أن نستنتج أمرًا واحدًا: اليسار الليبرالي في الولايات المتحدة مصمّم على منح المحادثات مع إيران فرصة، كجزء من مذهب منع حرب أخرى في الشرق الأوسط، مهما كان الثمن تقريبًا. أمّا نتنياهو فيُصرّ على إفساد الاحتفال، وخلافًا لآخرين ليسوا أقل منه ارتيابًا (كالسعوديين مثلًا)، يفعل ذلك بصوت عالٍ، ويدفع الثمن.