يكمن خلف الانشغال الحكومي المفرِط بمسألة "التحريض الفلسطيني" افتراض أساسيّ مفاده أنه لا يمكن التوقيع على معاهدة سلام مع مَن يكرهنا حقًّا. لكنّ معاهدتَي السلام بين إسرائيل من جهة ومصر والأردن من جهة أخرى تُثبتان أنّ الكراهية لا تناقض الالتزام بوضع وقف الحرب، حتّى إنّها يمكن أن تخفّ نتيجة اتّفاق سياسيّ.

خصّصت الحكومةً الإسرائيليّة قسمًا كبيرًا من جلستها الأسبوعية لموضوع التحريض الفلسطينيّ - موضوع في جذر الصّراع مع الفلسطينيين، على حدّ تعبير رئيس الحكومة نتنياهو.

غداة جلسة المجلس الوزاريّ المصغّر، عرض وزير شؤون الاستخبارات يوفال شتاينيتس والمدير العامّ لوزارته يوسي كوبرفاسر، القرائن التي تدين السلطة الفلسطينية، على صحفيين أجانب في القدس. وشملت شرائح البوير بوينت اللامعة كلمات عداوة واتّهام من صفحات فيس بوك فلسطينية رسميّة وغير رسميّة، من محطات تلفزيونية، ومن مجلات أطفال.

مؤشّر التحريض في السلطة الفلسطينية هو محاولة لوزارة الشؤون الاستراتيجية والاستخبارات لتحديد درجة التحريض الفلسطيني على دولة اليهود بشكل علميّ قدر الإمكان. ويتجاوز مؤشّر التحريض الحاليّ 40 من 100 بقليل، كما أخبرني أحد العامِلين في الوزارة.

منذ تشرين الأول 2009، ينشغل أربعة أشخاص ناطقين بالعربية في مكتب رئيس الحكومة بمراقبة التلفزيون الفلسطيني والإعلام الاجتماعي، بحثًا عن تحريض فلسطيني. ويتأسس جزء كبير من مؤشّر التحريض على موادّ جمعتها منظّمات غير حكومية مثل "نظرة إلى الإعلام الفلسطيني" ومعهد بحوث إعلام الشرق الأوسط. هذا الأسبوع فقط، نشرت المنظّمة الأولى فيلمًا من تشرين الأول تجري فيه مقارنة اليهود الحاريدييين وجنود الجيش الإسرائيلي بالغِربان والجرذان، على التوالي.

لكنّ العرض المرتبِك للصحفيين في القدس مثّل، أكثر من أيّ شيء آخر، مدى زئبقيّة المصطلح "تحريض" ومدى مرونته وقابلية المناورة فيه.

إذا كان التّحريض يأتي من الأعلى ويؤثّر في الأسفل، فلماذا شمل مسح شتاينيتس حادثة رفع علَم الصليب المعقوف فوق القرية الفلسطينية بيت أمر في أيار؟ قاطع شتاينيتس نفسه أقوال كوبرفاسر ليعترف، بشكل عابر، بأنّ السلطة الفلسطينية ليست راضية عن تزايُد ظهور شعارات نازيّة في المجتمَع الفلسطيني مؤخرًا.

على مستوى المؤسّسات، هل "التّحريض" هو القضيّة حقًّا؟ حرص عرض الشرائح على ذكر الميثاق الوطني الفلسطيني الذي ينصّ على أنّ "فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة إقليمية لا تتجزأ" (وثيقة لا تزال موجودة على موقع دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية). هل هذا تحريض أم مجرّد رواية فلسطينية لا يروقنا سماعها؟

بدل أن تثبت وجود "تحريض فلسطيني"، نجحت وزارة شتاينيتس بشكلٍ مقنعٍ إلى حدّ كبير في إظهار وجود كراهية فلسطينية واسعة النطاق للإسرائيليين واليهود؛ كراهية تستمرّ في الانتشار - ما يزيد من خوفنا الحقيقي أو المصطنَع - وقت المفاوضات أيضًا. ما تدّعيه الحكومة في الواقع هو أنه لا يمكن التوقيع على اتّفاق مع شعب يكرهنا.

من الصعب وصفُ الكراهية الفلسطينية بأنها نتاج مؤامرة سياسية لتسميم أدمغة أطفال أبرياء. هذا النقاش هو تعبير أصيل عن مشاعر عميقة مضادّة لإسرائيل ومضادّة لليهود، ذات مميّزات دينيّة وحضاريّة. إنها موجودة لدى الشبّان والمسنّين، المتزمّتين والقوميين؛ إنه نقاش تفاقَم (لا نتج) إثر الصراع القومي الطويل الأمد مع الصهيونية.

التمييز الذي أقوم به هنا بين التّحريض والكراهية ليس تافهًا؛ إنه يتعلق بفهمنا للصّراع نفسه. التّحريض هو أداة، تقنيّة يستغلّها ذوو النفوذ أو مَن يؤثّرون في الرأي العامّ، يمكن إيقافها وفق الطلب. أمّا الكراهية فهي شعور مستقلّ وتلقائيّ ينجم عن أعماق القلب، وهو نتاج البيئة، الحضارة، التربية، والدين. إزالة الكراهية تتطلّب أجيالًا، وربّما أكثر. بالنسبة لشتاينيتس، " التحريض" هامّ حين يظهر على التلفزيون الفلسطيني الرسمي. لكنّ البغضَ موجود في كلّ مكان، بما في ذلك الإعلام الرسميّ.

أعتقد أنّ وجود بغض فلسطيني تجاه إسرائيل و/أو اليهود لا يجب أن يمنع التوصّل إلى معاهدة سلام تقسم البلاد إلى دولتَين قوميّتَين.

وقّعت إسرائيل سابقًا على معاهدتَي سلام مع دولتَين عربيّتَين يكره سكّانهما الدولة اليهودية كرهًا شديدًا: مصر والأردن. صمدت معاهدتا السلام سنواتٍ طويلة رغم كلّ التقلّبات السياسية الأخيرة، ليس بسبب قوة الأنظمة فحسب، بل بسبب إرادة الشعوب أيضًا. يبدو أنه يمكن كره إسرائيل، ومع ذلك الرغبة في تنفيذ اتّفاقيات وقف حالة الحرب معها.

بالنسبة للفلسطينيين، القضيّة أكثر تعقيدًا. فالشعب الفلسطيني يعيش بيننا منذ سنواتٍ طويلة. يعمل العرب الفلسطينيون في إسرائيل، يدرسون في إسرائيل، ويتلقون علاجًا طبيًّا فيها. يكرهون إسرائيل، يحسدون إسرائيل، وأحيانًا يحبّون إسرائيل (بصمتٍ بشكل عامّ). وكذلك هو شعورنا نحوهم. قد تقلّل معاهدة سلام من درجة الكراهية بين الشعبَين. حين نتأمل في السابقتَين المصرية والأردنيّة، ثمة شكّ في أنّ معاهدة السلام ستقّلل الكراهية بشكل ملحوظ، فقد يساهم الانفتاح الحضاريّ وتعلّم لغة الآخر في ذلك بشكل أفضل. على أية حال، لا تعني الكراهية بالضرورة استمرار الحلقة المفرغة من القتل وسفك الدماء. كما كتب الصحفي ناحوم برنيع في مقالة ناقدة ساخرة حول "ترسيخ التحريض" لحكومة نتنياهو: "السلام المُلطَّخ" أفضل من العودة إلى حالة الحرب.

الحوار هو بدايَة الطريق. عام 1998، وقّع رئيس الحكومة نتنياهو على مذكّرة واي، التي شملت إنشاء لجان ثلاثية الأطراف إسرائيلية - فلسطينية - أمريكية لدراسة التّحريض وطرق معالجته. بعد سنوات قليلة، تبخّرت اللجان بسبب النوايا السيّئة لكلا الجانبَين. في المؤتمر الصحفي سُئل شتاينيتس لمَ ترفض الحكومة الإسرائيلية استئناف عمل اللجان، خطوة يدعو إليها أبو مازن ليلَ نهار.

"اللجان هي دون لزوم مطلقًا لأنّ الفلسطينيين لم يفعلوا أيّ شيء ذي أهمية. لا حاجة إلى لجنة، يجب ببساطة وقف التحريض. ليست هناك ذرائع"، قال.

نشر المقال على موقع "Canthink/مولاد"،  والمختص في شؤون الشرق الأوسط. ونضيف أن الموقع "Canthink/مولاد" هو مشروع مستقل، لا يمت بصلة إلى أي جهة سياسية أو اقتصادية، ويعمل بموجب نموذج اشتراكي. الكُتاب والعاملون في الصحيفة هم أكاديميون، يقدمون تحليلات موضوعية من منظور بحثي