لماذا يقوم شاب في مقتبل العمر، مستقبله ما زال أمامه، بأخذ سكين في يده، فيخرج إلى الشارع لكي يغرزها في أول إسرائيلي يقابله؟ ليس من السهل الإشارة إلى دافع واضح، ورغم أن هنالك قناعة بأن الدافع هو الفقر والنقص اللذان يعيشهما في ظل أجواء السيطرة الإسرائيلية على القدس والمناطق الفلسطينية، يكشف البحث في "بروفايلات" منفذي العمليات حقيقة معقدة أكثر، تتضارب مع الفرضية الأساسية القائلة إن الفقر والنقص هما السبب. فكيف يمكن لهذين العاملين أن يفسرا ما قام به شاب فلسطيني يعيش برخاء ويتنقل بحرية ويتعلم الحقوق، وحياته بعيدة عن الفقر، بطعن إسرائيلي؟ الإجابة تكمن في الكراهية والتحريض.

يمكّن البحث الذي قام به الباحث الفلسطيني، بسام طويل، من معهد "جايتستون"، أن يوضح الصورة أكثر، فهو لم يكتفِ بالقصة الشائعة حول دوافع هذه الشباب، إنما زار العائلات ونظر إلى البيئة التي عاشوا فيها، واكتشف أن الدافع لأعمالهم بعيد عن الفقر والنقص أو التضييق.

من طالب جامعي إلى منفذ عملية

تبين للباحث أن الشبان والشابات الذين قرروا سلك درب العنف بعيدون عن الصورة التي يروجها كثيرون عنهم، أي أنهم يعيشون في بؤس وفقر، وليس بإمكانهم الوصول إلى التعليم أو العمل، على العكس، كان هؤلاء، حسبما يكتب بسام، يعيشون حياة رخاء أكثر من غيرهم، إذ كانت ظروف حياتهم مريحة، ولم يكن هنالك ما يمنعهم من الدراسة والتطور.

فمثلا لو تطرقنا إلى منفذ عملية الطعن مهند حلبي، فنرى أنه ينتمي إلى عائلة حالتها الاقتصادية جيدة، ووالده رجل أعمال في مجال المكيفات، وكان يعيش في بيت يشبه القصور، في قرية سردا على مشارف رام الله. وقد وصفه أقاربه، حسبما كتب بسام، أنه كان طفلا مدللا، يحصل على كل ما يريد. وقد درس الحقوق في جامعة القدس، وكان يتنقل من بيته إلى الجامعة دون أي عائق.

لكن هذه الحياة المريحة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، لم تمنع مهند من الانضمام إلى الجهاد الإسلامي، ومن ثم الإقدام على طعن الإسرائيليين.

لا تختلف قصة الفتاة، شروق دويات، من صور باهر في القدس، عن قصة مهند، فهي أيضا كانت تدرس التاريخ والجغرافيا في جامعة بيت لحم. وتكشف الصور الموجودة في صفحة "فيسبوك" الخاصة بها، أنها كانت فتاة ابتسامتها لا تفارقها. وهي أيضا كانت تنعم بحالة اقتصادية جيدة، وتعيش حياة مريحة، وأقدمت يوما على طعن الإسرائيليين رغم كل هذا.

مهند الحلبي طالب جامعي درس الحقوق في جامعة القدس (فيسبوك)

مهند الحلبي طالب جامعي درس الحقوق في جامعة القدس (فيسبوك)

ويلخص بسام كاتبا أن مهندا وشروق مرّا بما سماه "غسل الدماغ"، وتشبعوا من التحريض الذي تقوم به القيادة الفلسطينية ووسائل الإعلام الفلسطينية، والتي تدفع الشباب إلى كره الإسرائيليين واليهود.

فادي أحب التسوق في المجمعات الإسرائيلية

كان فادي علون، ابن ال19 عاما، من أجمل شباب القدس كما يقول أقرباؤه وأقرانه. وكما تشهد بيئته، فكان علون يحب التسوق في المجمعات التجارية الكثيرة في القدس الشرقية والغربية، وكان يتردد كثيرا على الشبكات الكبرى مثل: "زارا" و "كاسترو" و "رنوار"، حيث اقتنى المبلاس الجميلة، وبدا بها عارض أزياء إيطاليا.

ويقول بسام إن حياة فادي كانت أفضل من حياة فلسطينيين كثيرين في الضفة وغزة، وأن الحالة الاقتصادية لعائلته كانت جيدة جدا. لكن الظروف الجيدة التي عاشها فادي لم تمنعه من الإقدام على طعن الإسرائيليين.

إذن ما الذي دفع علون إلى طعن الإسرائيليين؟ مرة أخرى يكتب الباحث الفلسطيني أن الدافع كان الكراهية التي غرزت في عقل الشاب الفلسطيني منذ الطفولة، والتي تشبعها من القيادة الفلسطينية ووسائل الإعلام التي ما زالت تبث دعاية محرضة ضد اليهود، مليئة بالكراهية، حيث ترسم الإسرائيليين جميعا على أنهم مستوطنون، وأن إسرائيل هي مستوطنة كبرى لا مكان لها في الشرق الأوسط.

ويشدد بسام على أن الشبان القدسيين الذين نفذوا عمليات الطعن معهم هوية إسرائيلية تمنحهم التنقل كيفما يشاؤون، ودون عوائق، وهم يحصلون على ميزات اجتماعية كأي إسرائيلي آخر، كما ولديهم تأمين صحي مجاني مثلهم مثل الإسرائيليين، ودوافعهم ليس لها علاقة الفقر أو النقص أو حرية التحرك.

ويضيف أن معظم الفلسطينيين موصولون بالإنترنت، وبإمكانهم أن يشاركوا آراءهم مع أقرانهم على "فيسبوك" أو "تويتر"، لكن، للأسف، هذه الوسائل في الحالة الفلسطينية حافلة بالتحريض ضد الإسرائيليين، ومليئة بالقصص التي تزعم أن الأقصى في خطر، وأن إسرائيل تخطط لهدمه، ولا أحد يتحمل مسؤولية هذه الادعاءات غير المدروسة، والتي تدفع الشبان إلى التضحية بحياتهم وهم ما زالوا في مقتبل العمر.

حملة تحريض داعش ضد اليهود على تويتر (Twitter)

حملة تحريض داعش ضد اليهود على تويتر (Twitter)

ويواصل الفلسطينيون الادعاء أن قوات الأمن الإسرائيلية تقوم بإعدام الشبان الفلسطينيين، وبأنها "تضع" السكين بجانبهم، لكن الحقيقة مغايرة، لأن شرائط الفيديو التي توثّق العمليات تظهر أن الفلسطينيين الذين تعرضت لهم قوات الأمن أو إسرائيليين مسلحين في المكان، في كل الحالات، كان بحوزتهم سكين، وفي أغلب الحالات كانوا مصمّمين على طعن الإسرائيليين، عدا حالة واحدة، وهي عملية الطعن في العفولة، والتي قامت قوات الأمن بالتحقيق فيها، والكشف أن إسراء عابد عانت من ضائقة نفسية، وأرادت أن تنتحر وليس أن تقتل أحد.

من عامل في شركة الاتصالات الإسرائيلية إلى منفذ عملية

بين عشية وضحاها تحول المقدسي علاء أبو جمل (33 عاما)، من عامل في شركة الاتصالات الإسرائيلية، بيزك، التي يتمنى إسرائيليون كثيرون أن يعملوا بها، والتي أمنت له رزقا جيدا، إلى منفذ عملية طعن، مستخدما سيارة العمل التي كان يتنقل بها بحرية، ليدعس فيها حاخام إسرائيلي دون رحمة. وكما في القصص السابقة، لم يكن الفقر أو النقص محفزا حقيقيا لكي يجعل علاء يطعن ويدعس الإسرائيليين. إن الدافع مرتبط بشيء آخر، وهو الكراهية.

ويخلص الكاتب الفلسطيني، في مقاله الذي تناول الدوافع وراء منفذي عمليات الطعن، إلى القول إن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ولا سيما الموجة الحالية من العنف، ليست حول الأماكن المقدسة أو القدس، بل هي حول قتل اليهود أينما كانوا، تماشيا مع الاعتقاد الفلسطيني السائد بأن اليهود لا يحق لهم بأن يعيشوا على هذه الأرض، وفي هذا المكان من العالم.

ويكتب "قتل الأبرياء ليس له علاقة بالقدس أو بالاحتلال، إنه ينبع من الكراهية وليس أكثر، فكيف نفسر إقدام الشبان الفلسطينيين على طعن الإسرائيليين أيا كانوا، أكانوا من مستوطنة في الضفة الغربية، أو من جنوب إسرائيل، أو من شمالها؟ لا تمييز حتى بين المستوطن وغير المستوطن".

ومن ناحية الكاتب، لا يمكن إطلاق اسم "انتفاضة" على هذه الموجة من العنف، فهذه ليست انتفاضة ضد الفقر والنقص والحواجز والجدار الفاصل، إنما هي ضد اليهود، وضد حقهم في الحياة، هنا، في الشرق الأوسط.