يمكن القول وبكل ثقة إن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو صراع عنيف وقبيح. فهو مستمر منذ عشرات السنين وما زال يحصد أرواح الكثيرين ولا تبدو نهايته في الأفق. يعتقد الكثير من الإسرائيليين والفلسطينيين أن مُعظم الصراعات في العالم هامشية مقارنة بصراعهم، ولكن إضافة إلى كون هذا الاعتقاد نرجسيًّا فهو خاطئ أيضًا. صحيح أن الصراعات في العالم ليست شبيهة تمامًا لبعضها البعض، ولكن الأمور ليست وردية أيضًا في دول خارج الشرق الأوسط.

فمثلا، الصراع الدائر في كولومبيا، الذي ربما لم تسمعوا عنه كثيرًا ولكن عُرِف مؤخرًا أنه يصل الى نهايته، وقد تم توقيع اتفاقية سلام بين الحكومة الكولومبية وبين الثوار من حركة FARC.

لقد بدأ عدم الاستقرار في كولومبيا عام 1948 (غني عن الإشارة إلى ما حدث في العام ذاته في الشرق الأوسط أيضًا)، وحصد الصراع الكولومبي المستمر منذ أكثر من نصف قرن أرواح أكثر من ربع مليون نسمة. وإضافة إلى ضحايا الحرب الكولومبية، قد أصبح الملايين لاجئين ومُشردين ويُقدّر عددهم بسبعة ملايين شخص تقريبًا. ويمكنكم أن تقرروا بأنفسكم الجوانب المُشتركة بين هذا الصراع والصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

علم القوات المسلحة الثورية الكولومبية (wikipedia)

علم القوات المسلحة الثورية الكولومبية (wikipedia)

ولعل هذه المقارنة المطلوبة بين الصراعين تُظهر أيضًا جوانب ليست متشابهة تمامًا. مثلا، يُهيّمن في المقاومة الكولومبية نهج ماركسي، بينما يُهيّمن في أوساط فصائل المقاومة الفلسطينية أكثر البُعد الديني والقومي. وبينما يختبئ الثوار الكولومبيون في الأحراش الكولومبية الشاسعة، إذ تمتد مساحة هذه الدولة على أكثر من مليون كيلومتر مربع، فإن مساحة كل الأراضي الإسرائيلية - الفلسطينية أقل من 30,000 كم2، والمسافة بين تل أبيب ورام الله هي 40 كيلومترا فقط.

ولم يتم التوصل إلى اتفاق السلام الكولومبي فجأة حين شعرت الجهات المتنازعة أنها سئمت الصراع، بل دامت المفاوضات أربع سنوات مكثّفة ومضنية. ولكن في الطرف الآخر من المعادلة، لا شك أن في هذين الصراعين (وربما في أي صراع على خلفية قومية في العالم)، من يدفع ثمنهما الباهظ ليس من يخوضونهما فعليًا بل المجتمع المدني.

وضع السلاح جانبًا لا يعني التنازل عن النضال

شباب حركة FARC - القوات المسلحة الثورية الكولومبية، يحتفلون باتفاق السلام (Luis Acosta / AFP)

شباب حركة FARC - القوات المسلحة الثورية الكولومبية، يحتفلون باتفاق السلام (Luis Acosta / AFP)

بدأت القوات الكولومبية المسلحة الثورية (FARC) حرب العصابات ضد الحكومة الكولومبية عام 1964، بعد انتفاضة الفلاحين التي قضى عليها الجيش. لا زال أعضاء التنظيم الثوري يؤمنون بعدالة الطريق الذي انتهجوه. ففكرة المقاومة لم تمت. رأى أعضاء التنظيم، إلى جانب ذلك، حجم الدمار وعدم النجاح في تحقيق أية منفعة من القتال الذي دام سنوات. "الحكومة لم تهزمنا، ونحن لم ننتصر"، هذا ما قاله أحد مقاتلي حركة FARC لوكالة الأنباء AFP.

وأضاف المقاتل، الذي مات رفاقه في الحركة أمام عينيه: "لم تذهب سنوات قتالنا الـ 52 سُدىً، ونُدرك تمامًا أن علينا التقدُّم معًا إلى الأمام بينما نكون موحّدين لمحاربة الجيش الكولومبي، لكي نُحقق النصر في النهاية ونمنح الشعب أخيرًا قوة من خلال الأدوات السياسية".

وقال الرئيس الكولومبي سانتوس بمناسبة توقيع اتفاق السلام: "قرار استبدال الرصاص بالانتخابات والأسلحة بالأفكار قرار جريء وحكيم، وهو أفضل ما يمكن أن تتوصل إليه أي مجموعة ثوار".

هناك معارضون لهذا الاتفاق أيضًا. صرّح الرئيس السابق ألفارو أوريبي خلال مشاركته في مظاهرة احتجاجا على الاتفاق قائلا: "لم يمنح الأمريكيون عفوا للزعيم أسامة بن لادن. ولم يمنح الفرنسيون حصانة لمسلحي داعش. إذًا، لماذا علينا نحن الكولومبيون أن نمنح عفوا تاما للإرهابيين؟". وأظهرت الاستطلاعات، من جهة أخرى، التي أُجريت قبيل الاستفتاء العام الذي سيتم في بداية شهر تشرين الأول أن معظم الشعب مستعد لإعطاء فرصة لاتفاق السلام ودعمه.

وكان الرئيس الكولومبي الحالي، والذي سبق له أن شن واحدة من أعنف الحملات ضد المقاومة الكولومبية قد قال: "أُفضّل اتفاقًا غير متكامل يُنقذ حياة إنسان على حرب لا تعرف إلا زرع المزيد من الألم والموت".