مرت المواجهات التي اندلعت في الشهر الماضي، بين الحرس الثوري الإيراني وبين القوى الكردية الإيرانية، من تحت رادار الصحافة. سقطت "فقط" دزينة من المقاتلين الأكراد وبضع جنود من قوات الحرس الثوري الإيراني. على ما يبدو، كانت مواجهات لا تُذكر مقارنة بالحروب الدائرة في المنطقة. ولكن، بما أن الهدوء خيم طوال 20 عامًا على العلاقة بين الأكراد في إيران وبين النظام الحاكم - يُطرح السؤال إذا كانت تُشير هذه الواقعة إلى أن الثمانية ملايين الأكراد الذين يعيشون في إيران باتوا يتوقون فجأة إلى الحصول على حكم ذاتي مثل أكراد العراق. هل ينوون الانضمام إلى بقية القوات الكردية؟ هل هذا التحرك هو جزء من خطة دولية لتشكيل قوة كردية معادية لإيران، أم هي مسألة كردية داخلية؟

يُدير الحزب الكردي الديمقراطي الإيراني (KDPI)، منذ 20 عامًا، نشاطاته من منطقة كردستان العراق. يضم الحزب نحو 2000 مُقاتل، يُقيمون في معسكرات لاجئين ولا يندمجون في مُجتمع أكراد العراق وتتمثل رؤياه بإنشاء منطقة حكم ذاتي. هذا هو أقدم حزب كردي في إيران وتأسس عام 1945. إلى جانبه، والأصح، مُقابله، يعمل "حزب الحياة الحرة الكردستاني"، الذي يُعتبر الذراع العسكري الإيراني لحزب العمال الكردستاني PKK المُعتبر في تُركيا مُنظمة إرهابية. يدعي كلا الحزبين أنهما يُمثلان الأكراد في إيران، ولكن، ليس هناك إثبات يُشير إلى أن أكراد إيران يدعمون أي من الحزبين. وهذا فقط هو الخلاف "البسيط". الخلاف الأهم فعلاً هو ذاك الخلاف بين الـ KDPI - وبين حكومة إقليم كردستان العراق، الذي يُعارض أعمال العنف لحزب KDPI - ضد النظام الإيراني.

جنود الحرس الثوري في إيران (Facebook)

جنود الحرس الثوري في إيران (Facebook)

بخلاف الرأي السائد الذي يقول إن جميع الأكراد تجمعهم أيديولوجيا واحدة مُشتركة نابعة عن رغبتهم في إقامة دولة كردية مُستقلة - فإن الخلافات السياسية الكبيرة والمصالح الاقتصادية هي التي تُحدد الأمور والاستراتيجية التي تتبعها كل جماعة كردية. أجل، تعمل مثلاً، حكومة إقليم كردستان العراق على تعزيز العلاقات مع تركيا، لكي يتمكن الإقليم من الاستمرار في تسويق النفط إلى تركيا من دون مواجهة مشاكل من خلال ميناء جيهان التركي إلى زبائنه حول العالم. وفي الوقت ذاته، نسجت علاقات قوية مع إيران، ومن المتوقع أن توقع هذا الأسبوع مذكرة تفاهمات حول بناء أنبوب نفط، تتيح لها تسويق 600 ألف برميل نفط يوميًا، عن طريق إيران، إلى الخليج الفارسي وإلى بقية العالم. سيكون أنبوب النفط هذا لبنى أخرى في بناء العلاقات بين إقليم كردستان العراق وبين إيران، الأمر الذي يهدف إلى تقليل تعلقها بتركيا، في حال قررت الأخيرة عدم الموافقة على تسويق النفط من خلالها. قد تتضرر العلاقة بين أكراد العراق وأكراد إيران في حال استمر الحزب الكردي الإيراني في محاربة النظام الإيراني.

وصرّح نائب الأمين العام لحزب KDPI، حسن شرفي، في الأسبوع الماضي أنه: "لا يُمكننا الوقوف مكتوفي الأيدي من أجل مصالح إقليم كردستان العراق. ليس من المنطقي أبدًا أن يُضحي جزء واحد من كردستان بمصالحه من أجل أجزاء أخرى".

كرديات ايرانيات يتظاهرن في طهران (AFP)

كرديات ايرانيات يتظاهرن في طهران (AFP)

ولكن، تقف المصلحة الاقتصادية والسياسية الخاصة بإقليم كردستان العراق في صلب تفكير قيادة الإقليم، وحتى أن قيادة الإقليم طالبت مؤخرًا الحزب الكردي الإيراني بالتوقف عن مواجهة الحرس الثوري، خوفًا من أن تجتاح إيران إقليم كردستان العراق لمهاجمة قواعد الحزب الموجودة شمال الإقليم. وكان مصدر مسؤول في حكومة إقليم كردستان العراق قد صرّح لصحيفة "هآرتس"، أنه إذا لم يستجب مقاتلو حزب KDPI لهذا الطلب، "ربما لن يكون هناك خيار آخر غير طردهم من الإقليم. إذا أرادوا أن يخوضوا حروبًا، فليفعلوا ذلك في إيران وليس من خلال منطقتنا". وأضاف قائلاً إنه "لا يفهم ما الذي أصابهم الآن... وهم يعرفون أساسًا أنه ليست أمامهم فرصة النجاح في مواجهة القوات الإيرانية. إذا أرادوا تذكير العالم أنهم موجودون، هنالك طرق أخرى لفعل ذلك من دون تعريض مصالح الشعب الكردي إلى الخطر".

شاعت حاليًا، وكما هي العادة، نظريات تقول إن الولايات المتحدة، السعودية، وإسرائيل هي التي تقف وراء المواجهات الكردية الإيرانية، من أجل فرض "كتلة كردية" تُشغل إيران وتُجبرها على سحب قواتها من سوريا. هذه النظرية مُبالغ بها، كون التحدي العسكري الذي يُمكن للحزب الكردي الإيراني أن يُشكله أمام إيران هو واهٍ جدًا. بدأ الحزب في هذا الشهر ربما بإرسال مبعوثين إلى البلدات الكردية في إيران لتجنيد الدعم ولكن، دون تحقيق نجاح كبير حتى الآن. التقدير الأكثر منطقيًّا هو الذي يقول إنه بسبب الأهمية الاستراتيجية التي توليها الولايات المُتحدة الأمريكية للأكراد في سوريا، في إطار الحرب ضد داعش، وعلى خلفية الحرب التي تخوضها تركيا ضد الأكراد، يُريد الحزب الكردي الإيراني أن يضع نفسه كجزء من الكتلة الكردية الموالية للغرب والمعادية لإيران، وأن يحظى ربما بحصة من الدعم المالي الذي تُقدمه الولايات المُتحدة للأكراد في سوريا والعراق.

تم نشر هذا المقال التحليلي لأول مرة في صحيفة هآرتس