بعد عقدَين من عملية سلام متثاقلة الخطى، آثر الفلسطينون التوجه إلى المجتمع الدولي لنيل اعتراف منه بدولتهم. ولا يُتوقع أن يتخلى الفلسطينيون عن هذا الجهد بسهولة، رغم التزامهم لجون كيري بتجميد العملية تسعة أشهر.

ويحلل غرانت روملي (Grant Rumley) في دراسة جديدة للمعهد الإسرائيلي للسياسة الخارجية الإقليمية، متفيم، تشكّل الحملة الفلسطينية في الأمم المتحدة: كيف تشكّلت، من كان اللاعبون الأساسيون في دفعها قُدُمًا، وكيف يقيّمون نتائجها في رام الله حتى الآن.

عبْرَ عدد من اللقاءات مع مصادر فلسطينية، إسرائيلية، أمريكية، وأوروبية رسمية، يشير روملي إلى تطوّر طريقة تدويل الصراع في التفكير السياسي الفلسطيني خلال نحو أربعين سنة، ويستخلص أنّ الفلسطينيين لا يعتزمون حاليّا هجر هذه الطريقة كليًّا. ففي حالة فشل محادثات السلام مع إسرائيل، لدى الفلسطينيين خطة واقية جاهزة - استئناف المساعي في الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

ماذا سيحدث إن فشلت مساعي كيري؟

يدّعي روملي أنّ "أحد شروط استئناف المحادثات كان وقف حملة التدويل الفلسطينية فيما المفاوضات جارية.‎ فهذه المعركة على الرأي العام العالمي هي إحدى نقاط القوة الدبلوماسية الفلسطينية القليلة، وهي تشكّل مصدر قلق كبير للإسرائيليين.‎ وما يُرجَّح حدوثه أكثر هو حملة دبلوماسية فلسطينية متجدِّدة على مستوى عالمي، حملة تبدأ بطلب الفلسطينيين التوقيع على بعض المعاهدات الدولية القليلة الخطورة مثل معاهدة حقوق الطفل التابعة لليونيسيف.‎ ويشير القادة الفلسطينيون إلى هذه المعاهدات والمواثيق بصفتها "العناقيد الأولى"؛ منظمات ومعاهدات قليلة الأهمية نسبيا تزداد فيما تستمر الحملة".

غرانت روملي، معهد متفيم

غرانت روملي، معهد متفيم

ويدّعي روملي أيضاً أنّ عملية الانضمام إلى منظمات ومعاهدات أقل أهمية في الأمم المتحدة تهدف إلى تحقيق هدفَين: "الأول، أنها تتيح المجال للشعب الفلسطيني للمشاركة بشكل فاعل على المستوى الدولي. والثاني، أنها لا تسهم كثيرًا في إظهار العداء للولايات المتحدة وإسرائيل".

ويضيف روملي الى ذلك التحليل أنّ رئيس السلطة الفلسطينية لم يكن أمامه الكثير من الخيارات السياسية عام 2009: "فقد واجهت عبّاس بشكل قاسٍ ثلاثة خيارات أساسية: محاولة إنهاء الانقسام بين فتح وحماس، التغاضي عن الانتفاضة جوهريًّا، أو التدويل والتوجه إلى الأمم المتحدة.‎ بما أنّ عباس لم يملك حماسة زائدة للمصالحة، وكان لديه ازدراء مماثل لفكرة الانتفاضة، فقد كان أمامه في الواقع حل واقعي واحد: التدويل".

فلسطينية أمام مقر ال-UNRWA  في غزة (Flash90/Wissam Nassar)

فلسطينية أمام مقر ال-UNRWA في غزة (Flash90/Wissam Nassar)

ومن شهادات ومقابلات أجراها روملي مع مسؤولين فلسطينيين، يستنتج أنّ تبرير عملية تدويل الصراع، والتوجه الطبيعي للفلسطينيين إلى مؤسسات الأمم المتحدة، تعود جذورهما إلى سبعينات القرن الماضي "يعود تبرير هذا الخيار إلى تاريخ الحركة السياسية الفلسطينية.‎ ففي مقابلات أجريت السنة الماضية في رام الله، سارع المسؤولون الفلسطينيون إلى ربط حملة التدويل الحديثة بالخطوات التاريخية للفلسطينيين في الأمم المتحدة.‎ بدأت هذه العملية، حسب رأيهم، عام 1974، مع إطلاق منظمة التحرير الفلسطينية خطةً من عشر نقاط، وثيقة تطلب الاعتراف بالمقاومة المسلّحة، مع ترك الباب مفتوحًا أمام المناورات السياسية.‎ استمر هذا التطوّر عام 1982، حين بدأ أعضاء منظمة التحرير يدعون بصراحة إلى قبول القرار 242، قرار الأمم المتحدة الذي يدعو إسرائيل إلى الانسحاب من "الأراضي المحتلة في النزاع الأخير. بحلول عام 1988، بلغ هذا التطوّر ذروته حين أصدر الفلسطينيون وثيقة إعلان الاستقلال، التي رافقتها وثائق داعمة تقبل بالقرار 242 وبمسار الدولتَين.‎ بعيد ذلك، دُعي عرفات لمخاطبة الأمم المتحدة، ورُفع التمثيل الفلسطيني إلى "كيان بصفة مراقب". توقف تطوّر التفكير الفلسطيني الذي أثمر حملة دولية كليا بعد ذلك، حين ابتدأت الولايات المتحدة ومنظمة التحرير ببناء علاقة لطيفة، إن لم تكن مثمِرة، أدت لاحقًا إلى مؤتمر مدريد، ثمّ إلى اتفاق أوسلو.‎ ولم يكن إلا بعد انهيار هذه العملية في الأعوام التي تلت أنابوليس أنّ الفلسطينيين عادوا مجددا إلى حملة التدويل.‎ وكما أخبرني مسؤول رسمي في السلطة الفلسطينية: "إنه كما لو أنّ المؤقت قد بدأ عام 1974، أوقف عام 1988، وأعيد تشغيله عام 2009".

احتفالات في رام الله بقبول فلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة (Flash90/Issam Rimawi)

احتفالات في رام الله بقبول فلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة (Flash90/Issam Rimawi)

ويدّعي روملي أنّ الجمال الكامن في خطة تدويل الصراع هو قدرتها على توحيد الصفوف في الداخل الفلسطيني، بشكل تعجز عنه أية خطة أخرى "جمال الحملة في الأمم المتحدة كان مرونتَها.‎ ليس فقط أنّها إحدى أعظم نقاط القوة لدى القيادة الفلسطينية، لكنها كانت قادرة على مصالحة المعسكرات السياسية الفلسطينية في الداخل. وهذا أمر لا تستطيع تحقيقه سوى أجندات سياسية معدودة في الضفة الغربية وغزة.‎ بلنسبة للذين يناصرون استخدام القوة، للخطة ميزة الظهور بمظهر العداء لإسرائيل والولايات المتحدة.‎ وللذين يرهنون أنفسهم للمفاوضات الثنائية، فإنّ للخطة ميزة تحسين الشروط الفلسطينية".

في نهاية تحليله يشدّد روملي على أنّ طريقة إضافية يجري تطويرها في السلطة الفلسطينية، تدمج بين المساعي "إذا وصف المسؤولون الإسرائيليون الحملة في الأمم المتحدة بأنها أحادية الجانب لأنها مضادة لروح أوسلو، ووصف الفلسطينيون الحملة بأنها متعددة الجوانب لأنها تشمل المجتمع الدولي، فإنّ الحقيقة هي في مكانٍ ما في الوسط.‎ بالنسبة للقيادة الفلسطينية، ثمة مجموعة ناشئة من الرسميين وصانعي القرار تدعو إلى إستراتيجية متكاملة، تشمل استخدام تكتيكات مثل "المقاومة الحكيمة"، تشكيل مجموعات ضغط في دول العالم، والدخول إلى "تكتّلات" المجتمع الدولي.‎ لا تعارض هذه المجموعة المفاوضات المتجددة مع إسرائيل - بل تدعمها في الواقع - لكنها تضع الأساس لخطة بديلة للمفاوضات الفاشلة منذ سنوات".

غرانت روملي هو زميل زائر في متفيم. قبل انضمامه لمتفيم، كان غرانت مستشارًا في مقاطعة واشنطن دي سي حول قضايا الشرق الأوسط والأمن القومي الأمريكي. وهو مؤسس ومحرر مشارك في موقع "نشرة القدس لشؤون الشرق الأدنى"، موقع مخصَّص لتقديم تحليلات رفيعة المستوى حول العملية السياسة والأمن الإقليميَّين.