بين ضفتي الحدود السورية الاسرائيلية، يمتد سياج العداوة بين الدولتين على طول "هدنة ضمنية"، سادها الهدوء الحذر والمتقطع، منذ اندلاع الثورة السورية ودخول بلاد الشام آتون حرب ما لبثت أن تحولت إلى " أقسى الأزمات الإنسانية".

بين سندان المعارضة، التي ما لبثت ان تحولت الى "معارضات" يتأرجح سلوكها بين الاعتدال والتطرف، ومطرقة النظام، الذي استخدم أعلى درجات العنف والتزلف... يئن الشعب السوري تحت وطأة القتل والدمار والتشريد، نتيجة حرب عبثية أحرقت وطنه وأشبعت ترابه دماً، وحولته الى أبشع ينابيع المجازر في التاريخ الإنساني الحديث.

علاقة العداوة السياسية بين القدس ودمشق، لم تحل دون تقديم المساعدة الإنسانية من قبل جيش الدفاع، الذي انشأ مستشفى ميدانياً، شرّع أبوابه، ووضع كافة إمكانياته أمام ضحايا الحرب السورية، لتتحوّل المشافي في مدينتي صفد ونهاريا املاً في الحياة بالنسبة الى مئات المصابين السوريين الذين أبدوا امتنانهم العميق لتصرف الدولة الاسرائيلية.

الحفاظ على حياة هؤلاء، بعد شفائهم، وضمان امنهم وعودتهم إلى ديارهم السورية، أبعدهم عن الوسائل الإعلامية، وأحاط هويتهم بالسرية.

أطباء إسرائيل لبوا الواجب الإنساني لا سيما أن العدد الاكبر من الجرحى الذي تخطى عددهم السبعمائة، هم من الأطفال الذين أصيبوا بانفجارات استهدفت بلداتهم.

هؤلاء الجرحى وصلوا الدولة وهم في حالة غيبوبة ليتفاجؤوا بوجودهم في إسرائيل، أغلبيتهم اعترفوا أن ما سمعوه ويسمعوه عن هذه الدولة جاء معاكساً تماماً للواقع الذي عاشوه أثناء تلقيهم العلاج.

ولا شك في أن زيارة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ومصافحاته لهم، كانت من المشاهد التي شدت أنظار العالم ليس لما حملته من أهمية وحسب وإنما لما تضمنته من رسائل تخطت أبعاد السياسة، ما يحمل البعض على طرح السؤال التالي: ماذا تهدف إسرائيل من وراء علاج الجرحى السوريين؟

كثرت التكهنات والتحليلات السياسية التي اعتبرت أن الأمر يدخل ضمن إطار دعم المعارضة السورية، ليأتي البعض بتحليل آخر مفاده أن إسرائيل تهدف إلى تحسين صورتها أمام العالم، ليطالعنا البعض الآخر الى اعتبار هذه المحاولات تأتي في إطار تسجيل "مكاسب سياسية تبدأ من خلال الحصول على معلومات كبيرة من هؤلاء الجرحى، تلعب دوراً في تحقيق أهدافها السياسية، بحسب البعض، رغم أن الصورة التي تبقى في الواجهة هي انسانية".

تبقى التحاليل فقاعات لا يمكن الاعتماد على فحواها، لا سيما إذا كان الهدف انقاذ الأطفال والنسوة الابرياء، ليؤكد لنا مصدر أمني اسرائيلي أن "بين المعارضة والنظام نقف محايدين، لكننا لا يمكننا أن نقف متفرجين على دماء إنسان تسيل امام اعيننا وبالقرب من حدودنا، واجبنا الإنساني يدفعنا غلى تضميد جرح من ينزف، دون التفكير بهويته وعرقه وانتمائه، لا سيما إذا كانوا من النسوة والأطفال. السياسيون يبقوا في السياسة والنداء الإنساني لا بد من تلبيته، كيف يمكن لنا أن نصطاد الجرحى لتحقيق المكاسب السياسية، ماذا يمكن لطفل بعمر الثالثة افادتنا".

في المحصلة، فإن ما يقوم به الإسرائيليون من معالجة للجرحى السوريين، له بُعداً إنسانياً، مهما حملت سطوره، غير المرئية، من دوافع سياسية، لتغدو الرسالة مصاغة بحقيقة واحدة مفادها؛ أن حدود (الاشقاء) أقفلت في وجه السوريين لتشرع (العدوة) أبوابها وتعطي املاً في الحياة للضحايا المصابين.