فاجأ دغان الذي التزم الصمت خلال توليه منصب رئيس الموساد، المستوى السياسي في إسرائيل قبل حوالي عامين، عندما تحدث علنيًا ضد ضربة عسكرية إسرائيلية في إيران، حتى أنه وصف خطة نتنياهو وباراك في هذا التوجه بالخطة "الغبية". وبعد أن أشعل نقاشًا حادًا حول هجوم عسكري محتمل على إيران، وسلط الضوء على الانقسام العميق بين رجال الاستخبارات السابقين، وعلى رأسهم هو ويوفال ديسكين، وبين السياسييْن من خريجي الوحدات المختارة في الجيش، نتنياهو وإيهود باراك، كان قد أصيب دغان بمرض شديد، وتراجعت أصوات النقاش حول الموضوع.

من هو رجل الظل، الذي قال ذات مرة: "في مرحلة معينة لم أعتقد أنني سأتجاوز سن الـ 30"؟

لم أكن أحسب عدد القتلى

ولد دغان في العام 1945 في منطقة "خارسون" في أوكرانيا، وكان والداه من الناجين من المحرقة. وخلال سنوات توليه رئاسة الموساد، كان يحتفظ في مكتبه بصورة شهيرة لجده راكعًا قبل وقت قصير من إطلاق النار عليه من جانب عناصر في الجيش النازي. وأكد دغان في إحدى المناسبات أن هذه الصورة كان لها تأثير كبير على القيم التي يؤمن بها

هاجر دغان إلى إسرائيل في عام 1950، ومكث في مسكن انتقالي في "محانيه يسرائيل" بالقرب من اللد. وقررت عائلته الانتقال إلى بات يام، وهناك أدار والداه مغسلة. وفي العام 1963، التحق بجيش الدفاع الإسرائيلي وتحديدًا بلواء المظليين. وفي حرب حزيران، كان يقود سرية في العمليات القتالية في سيناء.

وفي العام 1970، أقام دغان وتحت قيادة قائد المنطقة الجنوبية آنذاك، أريئيل شارون، سرية "ريمون". والتي كانت تنشط في منطقة قطاع غزة وتلاحق المخربين وتقوم بعمليات الاعتقال والتصفية. وكان لنشاط هذه الوحدة تأثير كبير في قمع موجة الإرهاب في بداية سنوات السبعينات في غزة. وأثار نشاط هذه السرية الكثير من الانقسام، وقال دغان سابقًا إن هدف السرية المذكورة ليس القيام بتصفية المخربين، ولكن "في حال كان المخرب المطلوب مسلحًا وكان هناك اشتباك معه ولم يستسلم، فإن الهدف بالتأكيد هو قتله". وقال دغان ذات مرة، إنه لم يعدّ عدد المخربين الذين قام بقتلهم، ولكن وصل تعدادهم إلى العشرات.

وفي شهر شباط من العام 1970، أصيب دغان في ساقيه بعد أن صعدت سيارة الجيب العسكرية التي كان فيها على لغم في قطاع غزة، ومكث في المستشفى ستة أشهر قبل عودته مجددًا إلى الوحدة العسكرية التي يخدم فيها.

ميئر دغان يبدل إفرايم هليفي رئيسا للموساد بعد أن عيّنه أريئيل شارون عام 2002 (Flash90)

ميئر دغان يبدل إفرايم هليفي رئيسا للموساد بعد أن عيّنه أريئيل شارون عام 2002 (Flash90)

لا يؤكد ولا ينفي

انسحب دغان من الخدمة العسكرية في العام 1995 وكان برتبة لواء. وفي العام 2002 اختاره رئيس الوزراء آنذاك، أريئيل شارون، لرئاسة "الموساد" وهي مؤسسة الاستخبارات والعمليات الخاصة في إسرائيل. وكان هذا التعيين غريبًا بعض الشيء، إذ انتقل دغان من الجيش إلى الموساد، وكان معروفًا في الجيش بأنه ضابط عدواني. وخلال توليه رئاسة الموساد عمل على تعزيز الأنشطة الميدانية للجهاز، ولكنه في نفس الوقت، لم يهمل النشاط الدبلوماسي والاستخباري.

ويقول دغان إن الرجل الغامض الذي يقوم بمهام سرية، هو الرجل الذي يتصرف على عكس طبيعته. ويعطي مثالا على ذلك: "في حال تم اعتقال رفيقك في المهمة فيجب عليك أن تتصرف وكأنك لا تعرفه". ويرى دغان أن رجل الموساد لا يحمل سوى ورقة ثبوتية تدعى جواز سفر، ليس لديه سلاح وليس هناك من يمكن أن يقدم له التغطية والحماية، باستثناء ذكائه الذي يعتبر سلاحه الوحيد إلى جانب قصة جيدة للتغطية على المهمة الحقيقية التي يقوم بها.

ويقول دغان في العديد من المقابلات التي أجريت معه من جانب وسائل إعلام إسرائيلية بعد انتهاء مهامه كرئيس لجهاز الموساد، أنه أكد لأكثر من عميل في الجهاز أنه في حال تورط هذا العميل فإنه سيكون من الصعب جدًا إنقاذه.

في شهر شباط من العام 2008، وحسب ما نُشر في وسائل إعلام أجنبية، قام جهاز الموساد باغتيال عماد مغنية، الذي كان يشغل منصب رئيس الأركان لحزب الله. حيث تم تفجير سيارة مغنية وهي من نوع "باجيرو" في العاصمة السورية دمشق. لم يؤكد الموساد الإسرائيلي ولم ينف تورطه في الحادث. قال دغان في تعليقه على العملية إنه لا يعرف تفاصيل ما حدث، وعندما سُئل إذا ما كان يعرف الرجل الذي تم اغتياله، قال إنه شاهده مرة واحدة فقط في العام 1978 خلال "حملة الليطاني".

وحسب ما جاء في كتاب ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، فإن دغان وضع على طاولة المسؤولين الأمريكيين صورًا للمفاعل النووي السوري الذي كانت تتم إقامته في دير الزور. وقد كشفت وسائل إعلام أجنبية عن أن إسرائيل كانت مسؤولة عن عملية استهداف وتدمير المفاعل النووي الذي كان قيد الإنشاء في سوريا. وعندما سُئل دغان عن سبب مهاجمة مفاعل نووي في سوريا وعدم مهاجمة مفاعل نووي في إيران، قال دغان إن المسألتين مختلفتين.

وثمة عملية أخرى قد ساهمت في زيادة "الهالة" المحيطة بالموساد في إسرائيل والعالم، وهي عملية اغتيال محمود المبحوح، والذي تم اغتياله في أحد فنادق دبي. وتحدثت بعض الأصوات في إسرائيل عن أن الأخطاء التي وقعت خلال عملية الاغتيال قد تؤدي إلى إلزام دغان بتقديم استقالته، خاصة وأن كاميرات المراقبة في الفندق نجحت في تصوير العملية، كما أن وسائل الإعلام العالمية قامت بنشر صور عناصر الموساد. دغان الذي كان يتولى رئاسة الموساد خلال عملية اغتيال المبحوح، قال إن هناك حالة "دراما مفرطة" حول هذا الموضوع، وإنه لا يعرف عن ماذا يتحدثون.

الفصل النووي

وصلت الحرب السرية بين إسرائيل وإيران إلى أقصى درجاتها ومستوياتها، عندما تحدثت وسائل إعلام أجنبية، عن أن إسرائيل نجحت في اغتيال علماء ذرة إيرانيين، وقامت بتخريب البرنامج النووي الإيراني من خلال إدخال فيروسات في أجهزة الحاسوب الخاصة بالبرنامج النووي. بالإضافة إلى انفجارات غامضة كانت تقع في مواقع مرتبطة بمشروع إيران النووي. وقال دغان إن هذه الحوادث ساهمت في تعطيل التقدم الإيراني في المشروع النووي، وإنه على ثقة بأن إيران لن تنجح في تصنيع قنبلة نووية قبل العام 2015.

وبناء على تقديراته وفهمه للمشهد الإيراني، قام دغان بما لم يفعله أي رئيس موساد سابقًا، عندما أعلن علنيًا عن معارضته لأي هجوم إسرائيلي ضد إيران، وقام بشن هجوم ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وضد وزير الدفاع آنذاك إيهود باراك. وقال بصوت عال، وعلنيًا، أن التقديرات التي يمتلكها حول الجدول الزمني للمشروع النووي الإيراني تختلف عن التقديرات التي يتحدث عنها المستوى السياسي. وأشار دغان إلى أن إيران هي دولة عقلانية، وأنها لا تتقدم بشكل مجنون نحو قنبلة نووية كما يصفونها. وأكد أن الخيار العسكري، يجب أن يتم اللجوء إليه فقط في حال استنفاذ جميع الخيارات والوسائل الأخرى تجاه إيران.

أعتبر أعضاء كنيست ووزراء في إسرائيل تصريحات دغان مساسًا بالخطط الميدانية الإسرائيلية، وأنه كان عليه أن لا يطلق مثل هذه التصريحات وأن يصمت. وعكس هذا الموقف آراء شريحة واسعة. إلا أن دغان صرح في أكثر من مناسبة أنه لن يصمت وأن أي رئيس وزراء لن يستطيع إسكاته، وأنه يعيش في ظل دولة ديمقراطية.

دغان بعد العملية الجراجية، في مؤتمر الدبلوماسيين التابع لصحيفة "جيروزاليم بوست"، أكتوبر (تشرين الأول) 2013 (Flash90)

دغان بعد العملية الجراجية، في مؤتمر الدبلوماسيين التابع لصحيفة "جيروزاليم بوست"، أكتوبر (تشرين الأول) 2013 (Flash90)

يقاتل من أجل حياته

استمر دغان في منصبه رئيسًا للموساد حتى نهاية العام 2010. وتعتبر فترة ولاية دغان في رئاسة هذا الجهاز، فترة ولاية ناجحة للغاية، كما حظيت فترة ولايته بتقييم إيجابي من جانب مسؤولين إسرائيليين وجهات دولية من بينها جهات عربية.

وفي شهر شباط من العام 2011، تم تعيين دغان رئيسًا لموانئ إسرائيل والمسؤول عن تعزيز مشاريع النقل الإقليمية والاستراتيجية.

وفي العام 2012 تم تشخيص إصابته بمرض سرطان الكبد، وبمساعدة من رئيس الدولة، ورئيس الوزراء وشخصيات أخرى بدأ دغان رحلة البحث عن دولة يمكنه أن يخضع فيها إلى عملية زرع كبد. وفي شهر تشرين الأول من العام 2012، وبعد أن رفضت العديد من المشافي في إسرائيل، والولايات المتحدة، والهند والصين أن يخضع لعملية زرع الكبد، خضع دغان في النهاية لعملية زرع الكبد في بلاروس بعد تدخل رئيس بلاروس "الكسندر لوكشنكو".

ومنذ خضوعه لعملية زرع الكبد، بدأ دغان في العودة تدريجيًا إلى الساحة العامة وبدأ يُسمع مواقفه من قضايا مختلفة وبشكل خاص المسألة الإيرانية. وقد تطرق دغان مؤخرًا إلى البرنامج النووي الإيراني وإلى المفاوضات الدائرة بين إيران والدول الغربية. وذلك خلال مشاركته في مؤتمر لمركز أبحاث الأمن القومي.

وقال إن "تنفيذ هجوم ضد إيران خلال فترة المفاوضات سيُفسر على أنه غير مشروع، ولكن يجب الحفاظ على الخيار العسكري". وحول نوايا خامنئي، قال دغان إن "الهدف والغرض من وراء السياسة المتبعة داخليًا وخارجيًا في إيران، بما فيه المشروع النووي الإيراني والحرس الثوري، هو ضمان استمرار "إرث" الخميني، الذي نجح في توحيد الوظائف الدينية والسياسية".