إذا حلّ السلام فجأةً في الشرق الأوسط، فإن جون كيري سيضمن بالتأكيد مكانًا له في قاعة الشرف في وزارة الخارجية الأمريكية.‎ ‎متحديًّا جوقة من الرافضين في الداخل والخارج، أطلق كيري بجرأة جولةً جديدة من المحادثات الدبلوماسيّة الفلسطينيّة - الإسرائيلية في 29 تموز 2013، وهو يعتقد أنّ بإمكانه التوصّل إلى صفقة نهائيّة بين الجانبَين بحلول نهاية تموز 2014.

لكنّه وجد عمله يتعرض لصعوبات توقفه.‎ ‎فمسائل شديدة الصعوبة، تُقارب الاستحالة، تبقى دون حلول، مثل وضع القدس، قضية اللاجئين الفلسطينيّين، والحدود النهائية.

لكنّ عقبة واحدةً لا تُناقَش تقريبًا في العلن قادرةٌ على جعل أنجح المفاوضات تنتهي بأكبر فشل دراماتيكيّ.‎ ‎إنّ الجهود الحالية لخلق دولة فلسطينية مبنيّة كاملًا على نظام سياسيّ فلسطيني عانى طويلًا من الفساد المزمِن، إساءة استخدام السلطة، محاباة الأقارب، والتبذير.‎ ‎

رجل فلسطيني توظفه فتح يعرض نقوده بعد سحبها من ماكينة الصرف الآلي في رفح، جنوبي قطاع غزة  (Flash90/Abed el Rahim Khatib)

رجل فلسطيني توظفه فتح يعرض نقوده بعد سحبها من ماكينة الصرف الآلي في رفح، جنوبي قطاع غزة (Flash90/Abed el Rahim Khatib)

طاردت هذه المشكلةُ الفلسطينيّين على الأقلّ منذ تأسيس السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة عام 1994، مقوّضةً أبسط المقوّمات المطلوبة للحُكم الناجح، بما في ذلك ثقة الفلسطينيّين بقادتهم.‎ ‎يُعيق هذا القدرة على إدارة المساعدات الدولية، تشجيع الاستثمار، أو بناء المؤسسات الفاعلة.

ببساطة، إنّ النظام الفلسطينيّ الحاليّ، الذي قاده أوّلًا الرئيس الراحل ياسر عرفات، ثم الرئيس الحاليّ محمود عبّاس هو متحجّر، هشّ، ومُريب في نظر الشارع الفلسطينيّ.‎ ‎إنّ الفشل في مواجهة هذه المشكلة سيقود على الأرجح إلى ميلاد دولة فاشلة تقوِّض حرية الفلسطينيّين ونموّهم الاقتصاديّ، تشكّل خطرًا على إسرائيل، وتُنشئ الراديكاليّة.

وقد كان لفشل واشنطن في مواجهة الفساد الفلسطينيّ نتائج كارثيّة حتّى الآن.‎ ‎فقد كان له تأثير حاسِم في الانتخابات الفلسطينيّة في كانون الثاني 2006، التي هزمت فيها حماس وحلفاؤها خصمهم العلماني، حركة فتح، مُحرزين 76 من أصل 132 مقعدًا في المجلس التشريعي الفلسطينيّ وحاصدين الحقّ الشرعيّ في تأليف حكومة.

نتيجةً لذلك، منع الكونغرس الأمريكي تشريعيًّا‎ ‎استخدام أية من أموال دافعي الضرائب لدعم حكومة فلسطينية يساهم فيها الإرهابيّون.‎ ‎وفيما لا شكّ أنّ سجلّ حماس المروّع من الهجمات الانتحارية والهجمات الأخرى ضدّ أهداف إسرائيلية، مدنيّة وعسكرية، قد أقنع عددًا من الفلسطينيّين، فقد كان هناك تفسير آخر لانتصارها يفضّل الغرب عدم الاعتراف به: كان الفلسطينيّون يبحثون عن قادة جُدد بعد سنوات من العيش تحت سلطة نظام فاسِد.‎ ‎خاضت حماس الانتخابات تحت شعار "التغيير والإصلاح"، وكان لرسالتها أبلغ الصّدى.

لا ريبَ أنّ هزيمة فتح كانت بالمقدار نفسه انتصارًا لحماس. ‎ ‎وكما أشار زكي شهاب في كتابه الصادر عام 2007 داخل حماس، كان الفلسطينيّون ينظرون بشكل متزايد إلى الحركة، ليس كتنظيم عنيف ملتزم بمواجهة إسرائيل فحسب، بل أيضًا كحركة مستقلّة وأقلّ فسادًا رفضت المشاركة في نظام غنائم لا يقوم بواجباته.‎ ‎كانت حماس تدرك ذلك جيّدًا، وعملت بجدّ لتعرض صورة تنظيم منيع ضدّ الفساد، الذي ابتلى زعماء فتح الأثرياء الذين عادوا إلى الأراضي الفلسطينيّة بعد سنوات في المنفى في الأردن، لبنان، وتونس.

فاسدة من البداية؟

في الواقع، بدأت الادّعاءات بالفساد تُوجَّه ضدّ السلطة الفلسطينيّة منذ إنشائها.‎ ‎فعام 1997، على سبيل المثال، نقلت أسوشياتيد بريس (AP) أنّ تقريرًا حُكوميًّا فلسطينيًّا وجد أنّ "326 مليون دولار من موازنة حكومة الحكم الذاتي الفلسطينيّة السنويّة البالغة 800 مليون دولار بُدّدت نتيجة الفساد أو سوء الإدارة".‎ ‎وكما لاحظ العالِم ناثان براون في كتابه السياسة الفلسطينيّة بعد اتّفاقات أوسلو، فإنّ ممارسات السلطة الفلسطينيّة الفاسدة شملت "استخدامًا شخصيًّا لبطاقات الوزارة، محادثات دولية طويلة لا مبرّر لها، [و]سجلّات نفقات محشوّة.‎ ‎وكان بعض الأمور أكثر بروزًا، مثل استخدام مراقِبي الحدود لتمرير صفقات لأقارب كبار المسؤولين".

أين المصالحة الفلسطينية (Flash90/Mohammed Othman)

أين المصالحة الفلسطينية (Flash90/Mohammed Othman)

ورغم ظهور هذه التقارير الإشكالية على الملأ، لم يتحسّن الوضع. في الواقع، خلال العقد الذي ميّزته عملية السلام الإسرائيلي – الفلسطيني، أصبحت المشاكل التي يواجهها المجتمع المدني الفلسطيني أسوأ، فيما نظر الدبلوماسيّون إلى الجانب الآخر. وفق أخبار بلومبرغ، فإنّ رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات "حوّل 900 مليون دولار من دخل السلطة من الضرائب والتجارة إلى حسابات مصرفيّة شخصية" بين 1995 و2000. وكشف تقرير آخر من بلومبرغ أنه بين 1997 و2000، نقلت القيادة الفلسطينية 328 مليون دولار إلى سويسرا دون إشعار المانحين.

في أيلول 2000، انهارت محادثات السلام، وبعد أشهر من تخطيط ياسر عرفات، أطلقت السلطة الفلسطينية الانتفاضةَ الثانية، مدمرةً أية تطلّعات للسلام بقيت إثر رفض يد إسرائيل الممدودة وعروضها التاريخية. مع ذلك، ورغم العُنف، اجتاز الفلسطينيون يقظة داخلية ملحوظة. فاستفتاء تلو الآخر كشف أنّ أكثرية ساحقة ثبّطها فساد السلطة، لترتفع الأرقام حتى بلغت نسبة 83 في المئة المُربِكة. مدرِكين أنه لم يكن لديهم شيء ليظهروه في سبع سنوات من بناء الدولة وضخّ هائل لأموال التبرعات، بدأ الكثيرون يُطالبون بالإصلاح.

عصر سلام فيّاض، هل من أمل؟

بعد وفاة عرفات في تشرين الثاني 2004، انتخب الفلسطينيون محمود عباس رئيسًا جديدًا لهم. رأى الغرب عباس نقيضًا لعرفات، وحُيّي وزير المالية الجديد، سلام فيّاض، لالتزامه بالإصلاح وبناء المؤسسات. وسرعان ما حظي بثقة الغرب بشكل متزايد.

‎رئيس الحكومة‎ الفلسطينيّ السابق سلام فيّاض (Catholic Church of England and Wales / flickr)

‎رئيس الحكومة‎ الفلسطينيّ السابق سلام فيّاض (Catholic Church of England and Wales / flickr)

مع ذلك، لم يتمكن نظام عبّاس في النهاية من تغيير الصورة السلبية التي انطبعت لدى شعبه. عرفت حماس أنّ الفساد كان ورقة رابحة، وخاضت الانتخابات بصفتها حزب الحُكم النظيف. وأخبرت "أسوشياتيد بريس" أنّ الحركة كانت تنشر إعلانات تتهم فتح بالفساد، المحسوبية، الرشوة، والاختلاس. أقام أعضاء في الحركة ولائم ومناسبات أخرى تعهدوا فيها بمعالجة هذه المسائل. وقام كبار قادتهم، أمثال إسماعيل هنية والشيخ سعيد صيام، بالأمر نفسه.

نجحت الاستراتيجية إلى حدٍّ بعيد. حين ظهرت النتائج، تبيّن أنّ فتح، التي هيمنت على الحركة الوطنية الفلسطينية لعقود، لم تنجح في كسب أكثر من 45 مقعدًا من أصل 132، حيث لم يكن في صالحها النظام الانتخابي المركّب الذي تضمّن التمثيل المباشر والنسبي على حدٍّ سواء.

حماس تسيطر؛ الغرب يُصاب بالذُّعر

ما تلا كان مأزقًا. فإسرائيل والولايات المتحدة كلتاهما تعتبران حماس جماعة إرهابية؛ نتيجةً لذلك، أوقفتا التعاون الاقتصادي مع الحكومة الفلسطينية التي تسيطر عليها حماس. ازدادت بشكل مستمرّ التوترات بين داعمي فتح وحماس في البيروقراطية الفلسطينية.

سرعان ما انفجر العنف بين الجانبَين، ليؤدي إلى فترة من الفوضى في الضفة الغربية التي تسيطر عليها فتح، وقطاع غزة، معقل حماس، على السواء.

في 7 حزيران 2007، قامت حماس بانقلاب عسكري دموي لانتزاع قطاع غزة من بين يدَي السلطة الفلسطينية، التي احتفظت بالسلطة على القوى الأمنية الرسمية في المنطقتَين، وفق اتفاقيات تقاسم السلطة. لم تستمرّ المعركة طويلًا. فبحلول 13 حزيران، أحكمت قوات حماس السيطرة على الشوارع والمباني الحكومية، بما فيها مجمعات عبّاس الرئاسية والأمنية. بحلول اليوم التالي، كانت غزة بأسرها تحت سيطرة حماس.

أصابت الغربَ، لا سيّما الولايات المتحدة، حالةٌ من الهلع بعد الانقلاب، إذ خشي أن تكون سيطرة مماثلة على الضفة الغربية وشيكة. سارعت الولايات المتحدة إلى دعم عباس بالسلاح، المال، والاستخبارات. كانت الرسالة إلى الرئيس الفلسطيني بسيطة: لا تفقد السيطرة في الضفّة الغربية.

مماطلة في دفع الرواتب، وموجات إضرابات واحتجاجات في المدن الفلسطينية (Issam Rimawi)

مماطلة في دفع الرواتب، وموجات إضرابات واحتجاجات في المدن الفلسطينية (Issam Rimawi)

كانت هذه هي النقطة التي أدرك فيها عباس على الأرجح أنّ احتمال تحدي الغرب حكمَه في الضفة الغربية ضئيل، إن لم يكن مستحيلًا، وأن قوته تكمن في ضعفه. بفضل سجلّ حماس من التفجيرات الانتحارية والهجمات الصاروخية، بدا سوء إدارة فتح للموارد بلا قيمة كبيرة.

وهذا بالضبط ما حصل. ففيما بقي رعاة عباس صامتين، تابع الفساد في السلطة طريقه دون عائق. في آب 2007، بعد مجرد أسابيع من الانقلاب في غزّة، أوردت وكالة أنباء فلسطينية تقريرًا عن "الفساد المالي والإداري في شركة الطاقة الفلسطينية في غزة". في العام التالي، دوّنت جيروزاليم بوست تقارير إضافية عن تعاملات ماليّة إشكاليّة. وجرى انتقاد السلطة الفلسطينية أيضًا لكبتها حرية الصحافة في المناطق التي تُسيطر عليها. بحلول أيلول 2008، اقتبست جيروزاليم بوست عن حسام خضر، قائد فتحاوي شاب، تحذيره من أنّ الموالين السابقين كانوا يتركون الحركة "بسبب الفساد والعقليّة التقليدية لقادة فتح، وبسبب تجاهلهم الأوجه الديموقراطية والحاجات الديموقراطية لتتعافى فتح كما نرغب".

مذّاك، لم يطرأ سوى تحسّن قليل على الوضع، هذا إذا تحسَّن. أقال عبّاس سلام فيّاض من منصبه رئيسًا للحكومة في أوائل 2013، مستبعِدًا الرجل الذي يحظى بثقة الغرب ومؤديًا بجهود فياض لبناء مؤسسات تؤدي حسابًا وتأسيس دولة فلسطينية مستقبلية إلى نهاية في غير أوانها.

حاليًّا، تواصل القيادة الفلسطينية قمع المعارضة الداخلية بمنع انتقاد عباس على الفيس بوك، على سبيل المِثال. في الوقت نفسه، واصلت وفق التقارير تبذير المعونات الدولية. استخلص تدقيق حسابات للاتحاد الأوروبي في تشرين الأول 2013 أنّ السلطة قد تكون "أساءت إنفاق" 3.13 بلايين دولار من المساعدة المالية في السنوات الأربع الماضية وحدها. وفيما شكّك البعضُ في صحة التقرير، اعترفت السلطة الوطنية الفلسطينية نفسها بأنّ شكاوى الفساد في الضفة الغربية تضاعفت أربع مرات خلال 2013.

يبدو جليًّا أنه، رغم هزيمته في صندوق الاقتراع وبالسلاح على السواء، فشل عباس في تعلُّم الدرس. لقد فشل في إصلاح السلطة الوطنية الفلسطينية ذات القصور في الأداء، ولا يُظهر أية إشارات على محاولة فعل ذلك في المستقبل القريب. والغرب، المهتم بصُنع السلام، الذي يشهد تقلبات، يظهر القليل من الاهتمام في مساعدة الشعب الفلسطيني بصدق على الحصول على حكومة ملتزمة بالتعايش مع إسرائيل، حكومة مبنية على المجتمع المدني المنفتح، العادل، والشفاف وعلى النظام القانوني المطلوب لبناء دولة ناجحة.

نُشرت المقالة للمرة الأولى في موقع The Tower Magazine