تعاني حركة حماس من خضّات كثيرة منذ انتصارها في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006. وجدت الحركة نفسها تحت التزام ومسؤولية لم تكن جاهزة لتحملّهما. لم يكن الانتقال من حركة معارَضة إلى عنصر سلطويّ عليه تحمّل العبء بسيطًا.

فازت حماس بشكل شرعيّ وبطريقة ديمقراطية في انتخابات 2006، وكُلّفت بتأليف حكومة وجدت نفسها في تبايُن مصالح مع رئيس السلطة الفلسطينية أبي مازن، الذي جمع بين يدَيه قوى سياسيّة غير محدودة تقريبًا، إذ عدا كونه رئيس السلطة، يشغل أيضًا منصبَي رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية ورئاسة حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح). فضلًا عن ذلك، يجدر التذكّر أنّ الحكومة ليست العامِل الأقوى والأهم في البنيان السياسي الفلسطيني.

أبو مازن وخالد مشعل في القاهرة يعلنان انطلاق مساعي المصالحة الفلسطينية عام 2012 ( Flash 90)

أبو مازن وخالد مشعل في القاهرة يعلنان انطلاق مساعي المصالحة الفلسطينية عام 2012 ( Flash 90)

بهدف تحدّي الحُكم المركزي للسلطة، شرعت حماس فور انتخابها بإقامة أجهزة عسكريّة تكون خاضعةً لسيادة الحكومة الإسلاميّة، لا للرئيس عبّاس. شكّلت تلك الخطوات، التي رأت فيها قيادة منظمة التحرير في رام الله مخالفةً للدستور، الطلقة الأولى في المواجهة العسكرية بين فتح وحماس في قطاع غزة. وانتهت تلك المعركة بتفوّق حركة حماس.

لم يكن تحمُّل أعباء الحُكم سهلًا على حماس، إذ كبّدها أثمانًا اجتماعيّة وسياسيّة باهظة. فبعدَ أن وطّدت حُكمها، استهلّت حماس حملة تهدف إلى ترسيخ قِيَم الإسلام السياسي في قطاع غزة. حماس، كحركة دينيّة، مُلتزمة بتطبيق نمط الحياة الإسلاميّ، ولكن في سلوكها السياسي، كثيرًا ما يحدُث تضارُب بين اليوطوبيا الدينية والبراغماتيّة التي تتطلبها الحياة اليوميّة.

تحت سيطرة حماس، أعلنت دولة إسرائيل قطاع غزة منطقةُ مُعاديةً، وبدأت بُناها التحتيّة السياسية والعسكرية تمرّ بقمع ممنهَج من قِبل السلطة الوطنيّة الفلسطينية. تطلّبت السيادة التي أحرزتها الحركة على قطاع غزة حَشد موارد أيضًا. لم يكُن إقصاء حماس من الإطار الاقتصادي والسياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية في صالحها. تحوّلت حركة حماس إلى تنظيم يعيش على أموال الدفعات المُحوَّلة من عناصر خارجيّة، ما يُنشئ علاقات تبعيّة. منذ سيطرة حماس على القطاع حتّى اندلاع الثورات العربية عام 2011، لعبت إيران دورًا مركزيًّا في تمويل حماس وزيادة قوّة جناحها العسكري. كان لهذا التمويل ثمَن، إذ طلبت إيران في المقابل أن يُتاح لها تعزيز قوّة حركة الجهاد الإسلاميّ، حليفتها الرئيسية، والتي أرادت استخدامها كسوطٍ ضدّ حماس، في حال بدأت بالعمل خلافًا للمصالح الإيرانيّة.

أدّت الحرب الأهلية السورية والهزّات التي عصفت بمصر إلى تغييرات في منظومة العلاقات بين حماس ومنظمة التحرير وأنتجت هزّة جيوسياسيّة أثرت أيضًا في العلاقات الداخلية في حماس بين القيادة في الخارج، التي سيطرت على قنوات تدفُّق الأموال، والقيادة الداخلية، التي كان عليها التحلّي بالمسؤولية تجاه المواطنين في قطاع غزة.

مظاهرة في غزة لتأييد المصالحة (AFP)

مظاهرة في غزة لتأييد المصالحة (AFP)

أثّرت التحوّلات الإقليمية التي أتى بها الربيع العربيّ أيضًا في الفلسطينيين الشبّان، الذين رأوا المطالب الإقليمية لتقاسُم القوّة بين المواطنين والسلطة، إذ خرجوا إلى الشارع مع مطالب خاصّة بهم. ‏‎ ‎كان الطلب الأوّل والأهمّ للجيل الشابّ إنهاء الانقسام السياسي بين فتح وحماس والدعوة إلى بدء عمليّة مصالحة حقيقيّة.

أدركت حماس، التي تتّبعت الأصوات الصادرة من الشارع، أنّ ثمة حاجة إلى الحوار مع فتح من أجل تهدئة الأوضاع. في العالم العربي، كان الشعار الأبرز الذي ميّز "الربيع العربيّ" هو "الشعب يريد إسقاط النظام"، أمّا في الحالة الفلسطينية، فقد خرج الشبّان إلى الشوارع داعين إلى إنهاء الانقسام.

شرعت حماس في التحاوُر مع فتح، حين شعرت بضائقة. وكان هذا أسلوبًا دائمًا تبنّته الحركة.شكّل تبادُل السلطة في مصر فرصةً بالنسبة لحماس.‎ ‎‏ وكان أحد الأهداف التي وضعتها الحركة على رأس سلّم أولوياتها السعي إلى اعتراف يؤدي إلى حصول الحركة على شرعيّة في الساحة الدولية. من أجل تحقيق هذا الهدف، كان على حماس أن تُحرز أولًا شرعيّةً على المُستوى العربيّ. وكانت الطريق نحو ذاك الهدف تمرّ في توثيق العلاقات مع مصر. أدّى الانقلاب المضادّ، الذي قاده الجيش المصري ضدّ الإخوان المسلمين في تموز 2013، إلى إبعاد حركة حماس أيديولوجيًّا عن السلطة في مصر، ووضع الجيش في موضع صاحب الكلمة الفصل سياسيًّا.

وجد الجيش المصري، الذي أصبح فجأةً في موضع صراع مع مراكز قوّة سياسية وطُلب منه أن يتشاطر قوّته مع الشعب، أنه مُطالَب بأن يبرهن للعالم أنه لا يزال المسيطِر في البلاد، وأنّ ثمة مَن يُعتمَد عليه.‎ ‎حدث ذلك رغم الطريقة التي تعامَل بها الغرب مع مبارك، الذي أصبح تحت رحمة المحكمة.‎ ‎‏ ميّز قادة الاستخبارات، الذين كانوا مكلَّفين بإدارة العلاقة مع حماس، ضائقتها واستهلّوا معها حوارًا، كان من بين نتائجه التوقيع على صفقة شاليط، وكذلك التوقيع على مذكّرة تفاهُم بين فتح وحماس، استهلّت مسارًا من الحوار بين الجانبَين بهدف تحقيق مُصالحة. شعرت حماس بالتفوّق إبان عهد مرسي، فجمّدت تنفيذ الاتّفاقات الموقّعة مع حركة فتح. أراد قادة حماس تحويل الحركة إلى لاعب سياسيّ شرعيّ، وبدا أنهم في الطريق الصحيح لتحقيق ذلك. بعد عملية "الرصاص المصبوب"، رُفع الحصار الدبلوماسي عن قطاع غزة. وفجأةً، أصبحت غزة قبلةً للزوّار. فقد حجّ إليها أمير قطر، وزير الخارجية التركي، ووزراء خارجية جميع الدول الأعضاء في الجامعة العربية مع انتهاء العمليّة العسكرية الإسرائيلية ضدّ البنى التحتية لحماس في القطاع.

متظاهرون فلسطينيون من شتى الفصائل يريدون تحقيق المصالحة (Flash90Mohammad Othman)

متظاهرون فلسطينيون من شتى الفصائل يريدون تحقيق المصالحة (Flash90Mohammad Othman)

نبع دخول فتح وحماس في عمليّة مصالحة من ضعف حماس السياسي قبل اندلاع الربيع العربيّ. وبعد سقوط نظام مرسي، وجدت حماس نفسها من جديد عاجزة لا حولَ لها ولا قوّة. في الواقع، لم تكن هناك تغييرات في مذكّرة التفاهُم التي أحرزتها الاستخبارات المصرية مع قيادة حماس عن اقتراح سابق قُدّم للحركة في تشرين الأول 2010. يطرح توقيع اتّفاق المصالحة الفلسطينية الداخلية أسئلة عديدة، لا سيّما حول التوقيت الحسّاس حاليًّا. هل حركة فتح معنيّة حقًّا بانخراط حماس والجهاد الإسلاميّ داخل أجهزة منظمة التحرير الفلسطينية، هل حماس والجهاد مستعدّان حقًّا لحلّ جناحَيهما العسكريَّين لإنشاء جيش أو هيئة أمنية واحدة كما في كلّ دولة ذات سيادة؟

فضلًا عن ذلك، يجدُر تذكُّر الحقيقة الأساسيّة أنّ بين الحركات الإسلاميّة ومنظمة التحرير هوّة سحيقة أيديولوجيًّا في الشؤون الاجتماعيّة. فلحماس والجهاد الإسلاميّ رؤيا واضحة تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية - إسلاميّة تُحكَم وفق قوانين الشريعة. صحيح أنّ منظمة التحرير الفلسطينية تقودها حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وهي حركة وطنيّة مُحافِظة ترى في الإسلام جزءًا من التاريخ والحضارة الفلسطينيَّين وتضمّ بين أعضائها الكثير من المؤمنين، لكنّ ثمة إلى جانبها في منظمة التحرير تنظيمات علمانية ذات طابع ماركسيّ - شيوعيّ مثل الجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية.

فكيف يُنشَأ إطار سياسيّ واحد يحوي جميع الخلافات الاجتماعيّة والسياسيّة؟ ماذا سيكون طابع الإطار السياسي الفلسطيني العتيد من حيث العلاقات بين الدين والدولة؟ هل يمكن لحماس حقًّا أن تقوم بالتغيير الفكريّ، وتعترف لا بقيام دولة إسرائيل فقط، بل أيضًا بحقّها في الوجود ضمن حدود العام 1967، ووفق قرار مجلس الأمن رقم 242؟

هل تعترف يوما ما حركة حماس بإسرائيل ؟ (Flash90\Emad Nassar)

هل تعترف يوما ما حركة حماس بإسرائيل ؟ (Flash90\Emad Nassar)

إضافةً إلى المسارات الداخلية، يجب التذكُّر أنّ عملية المصالحة الداخلية الفلسطينية ستتأثر بالمحادثات السياسية التي ستجري بين إسرائيل ومنظمة التحرير. الأصوات السياسية الصادرة من إسرائيل حاليًّا غير راضية عن مسار المصالحة، وهي ترى في الأمر تقارُبًا بين حماس وفتح، وبالتالي تخليًا عن المسار التفاوضي.

الإجابات عن جميع هذه الأسئلة مجهولة، ووحده الزمن يمكن أن يقدِّم الإجابة عنها. وإلى جانب جميع علامات الاستفهام، ثمّة فرص تلوح في الأفق أمام جميع القادة الإقليميين. نجح أبو مازن في أن يثبت أنه هو القائد الفلسطيني الشرعي حتّى الانتخابات على الأقل، وأنه مقبول مِن جميع الشعب الفلسطيني، ما يضع تحديًّا سياسيًّا كبيرًا أمام إسرائيل. أمّا حماس، فنجحت في أن توضح أنه لا يمكن إخراجها من معادلة المسار السياسي الواسع بين إسرائيل والفلسطينيين.