من مُسَلّمات أنماط التصويت لدى الأقلية العربية للبرلمان الإسرائيلي، أن معظم أصوات هذه الأقلية تذهب إلى الأحزاب العربية، تحديدا منذ عام 1996، وفي الانتخابات الراهنة يتوقع أن تكون القائمة العربية المشتركة هي الخيار الأنسب للصوت العربي. لكن الانتخابات الأخيرة شهدت أمرا لافتا، وهو ارتفاع ملحوظ في نسبة المصوتين العرب للأحزاب غير العربية أو الصهيونية، خاصة أحزاب اليمين، مما يدل على أن هذه الأحزاب تقدر على استقطاب صوت الناخب العربي. فما تفسير ذلك وهل ستشهد الانتخابات القريبة نمطا مماثلا؟

اعتمادا على المعطيات الرسمية الإسرائيلية، فقد بلغت نسبة أصوات العرب، أصحاب حق الاقتراع، التي حازت عليها الأحزاب غير العربية في انتخابات 2013، 23%، في حين بغلت في انتخابات 2009، 18%، أي حققت ارتفاعا لا بأس به.

نشير بداية إلى أن نسبة المشاركة العامة للناخبين العرب في الانتخابات العامة في حالة انخفاض مستمر، وقد بلغت هذه النسبة في الانتخابات الأخيرة 57%. وذلك خلافا لنسب المشاركة في الانتخابات المحلية والتي تتجاوز عادة نسبة 90%. والسبب البارز لهذا الانخفاض هو شعور عدم الثقة السائد لدى كثيرين من هذه الأقلية حيال الانتخابات البرلمانية، من أنها لا تمكنهم حقيقة من التأثير في البرلمان الإسرائيلي.

إذن لماذا يصوّت ناخبون من الأقلية العربية لأحزاب يمينية؟

أبرز الأسباب لذلك هو النشاط السياسي الذي تبذله هذه الأحزاب في البلدات العربية، والذي يشمل زيارة البلدات العربية، ونشر الوعود ذات الطابع "الاقتصادي" للأقلية العربية في الحصول على الميزانيات، التي تسيطر عليها في السنوات الأخيرة أحزاب اليمين الإسرائيلي، وكذلك عبر وعود تتعلق بزيادة "فرص" العرب في الاندماج في المؤسسات الإسرائيلية.

ويتصف هذا السلوك من جانب الناخب العربي بالبراغماتية أو بإرادته للتعايش مع الواقع الإسرائيلي، فالناخب العربي في هذه الحالة يفكر كيف بإمكانه تغيير واقعه الاقتصادي والحياتي مع العلم أن أكثر الأحزاب تأثيرا في إسرائيل، وهي اليمينية في الراهن، تحصل على الحقائب الوزارية المؤثرة في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية في الحكومة، وذلك تبعا لنظام الحكم في إسرائيل الذي يرتكز على نسب تمثيل الأحزاب في الكنيست الإسرائيلي.

يذكر أن انتخابات 2013 شهدت استمرارا في زيادة قوة كتلة اليمين في إسرائيل المتمثلة في حزب "ليكود"، و"إسرائيل بيتنا"، و"البيت اليهودي"، والتي فاقت من حيث نسبة التمثيل أحزاب المركز واليسار في إسرائيل والمتمثلة في حزب "هناك مستقبل" وحزب "العمل".

سبب آخر لتصويت العرب لليمين هو إدراج مرشحين عرب في صفوف الأحزاب الصهيونية، إذ يحمل أولئك معهم رسالة للناخب العربي مفادها أن التصويت لحزب يهودي يعزز اندماج العرب في إسرائيل ويسهل عليهم الدخول إلى المؤسسات الإسرائيلية، ارتقاءً في الحياة اقتصادية والاجتماعية في إسرائيل.

ومن أبرز هؤلاء النواب في السنوات الأخيرة، النائب حمد عمار عن حزب "إسرائيل بيتنا"، والنائب عيساوي فريج عن حزب "ميرتس". ومرشح بارز آخر في الانتخابات الراهنة هو الإعلامي العربي في السابق، زهير بهلول، عن حزب "العمل". وعدا عن هؤلاء هناك الناشطون العرب الذي يعملون لصالح الأحزاب الصهيونية.

أنيت خاسكية (Facebook)

أنيت خاسكية (Facebook)

وتقول الناشطة العربية، أنيت خاسكية، التي تعمل لصالح حزب "البيت اليهودي"، متحدثة عن أسباب انضمامها إلى الحزب : "أنا أعيش في دولة اليهود وإن لم أندمج معهم، فمع من أندمج؟ هناك الكثير من العرب الذين يريدون أن يشعروا أنّهم إسرائيليّون ويريدون أن يكونوا منتمين، ولكن لا تتوفّر لهم الإمكانية. لماذا؟ لأنّ لدينا أعضاء كنيست عرب يمثّلون شعبًا آخر".

ويشير كثيرون في إسرائيل إلى أن السبب الأخير الذي تحدثت عنه خاسكية له وزن كبير في قرار كثيرين من العرب التصويت لأحزاب غير عربية، وإن كانت يمينية. فإن تركيز الأحزاب العربية ونوابها على القضايا الوطنية، وتحديدا تفضيل القضية الفلسطينية على حساب القضايا الداخلية التي تخص العرب في إسرائيل، جعلت كثيرين يلجؤون إلى الأحزاب اليمينية التي تهتم أكثر لقضاياهم المحلية، خصوصا أنها تملك تأثيرا أكبر في البرلمان.

أما بالنسبة لتعدد الأحزاب العربية وانقسامها لثلاث كتل وهي: القائمة العربية الموحدة برئاسة أحمد الطيبي، والجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة برئاسة محمد بركة، والتجمع الوطني الديموقراطي جمال زحالقة - فلن يكون له دور في اعتبارات الناخب العربي كما في السابق، حيث خاب ظن كثيرين من أن الأقلية العربية ليست موحدة، مما يجعل كثيرون يبحثون عن بدائل لدى الأحزاب غير العربية.

وأخيرا، يشار إلى أن تصويت الأقلية العربية للأحزاب الصهيونية ليس ظاهرة حديثة، ففي الفترة ما بين عام 1981 وعام 1992، حصلت الأحزاب الصهيونية على قرابة نصف أصوات العرب في إسرائيل، وأغلب هذه الأصوات كانت من نصيب حزب "العمل". ويوضح باحثون أكاديميون أن السبب يتعلق برغبة العرب، آنذاك، في الاندماج في المؤسسات الإسرائيلية، قبل نشوء الأحزاب العربية المستقلة في نهاية ثمانينيات القرن الماضي.