في الماضي، كانت المملكة العربية السعودية من أول من يدين إسرائيل كلما بدأت جولة جديدة من الصراع مع الفلسطينيين. وجدت المملكة في ذلك واجبا سياسيا عربيا، وأكثر من كل شيء، واجبا دينيا لدولة هناك في أراضيها الأماكن الأكثر قداسة في الإسلام - مكة والمدينة. بل اعتاد السعوديون على مساعدة الفلسطينيين في تضخيم حوادث هامشية من خلال سيطرتهم على العديد من وسائل الإعلام في العالم العربية والإسلامي. وذلك، بطبيعة الحال، غير تزويد الصراع العربي - الإسرائيلي "بالوقود" من قبل السعودية على مدى السنين، من خلال الدعم الكبير لتسليح الجيوش العربية ومختلف التنظيمات الإرهابية.

ولكن السعودية تصمت الآن في ظلّ موجة العُنف الجديدة في إسرائيل - فلسطين. نُشر في الصفحة الأولى لصحيفة "الشرق الأوسط"، وهي الصحيفة اليومية الأهم في العالم العربي والتي تملكها السعودية، بتاريخ 11 تشرين الأول 2015، أنّ ما يهمّ النظام السعودي هو اليمن، سوريا والتدخّل الروسي في سوريا. لم يظهر ما يحدث في الأراضي وفي القدس في الصفحة الأولى من الصحيفة، ولا في الصفحة الرئيسية من الموقع الإخباري السعودي "العربية" وفي الصفحة الأولى من صحيفة ‏Gulf News‏، وهي إحدى صحف الخليج الأكثر أهمية. إنّ الصمت السعودي يدوّي في ظلّ التغطية الواسعة (والمنحازة كالعادة) التي تمنحها الجزيرة للصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

لماذا يتجاهل السعوديون، على الأقل حتّى الآن، اضطرابات يرى العديد من "الخبراء" من كلا الطرفين بأنّها قد تشعل المنطقة (المشتعلة منذ عشرات السنين)؟ هل هذا هو نوع من الموافقة من خلال الصمت على شائعات عن تحالف سرّي تشكّل بين الدول السنية في المنطقة وبين إسرائيل بهدف إيقاف الطموح الإيراني بهيمنة إقليمية شيعية؟ هل هناك لدى السعودية مصالح في منع التغطية الإعلامية في الشأن الفلسطيني بسبب المنافسة بين الطرفين على المسؤولية عن الأقصى، أم من باب رغبة التركيز على اهتمام العالم العربي في محاربة "الأخطبوط" الإيراني في لبنان، سوريا، العراق واليمن؟

هناك خلافات سياسية ودينية شديدة بين رجال الدين الوهابيين - السعوديين وبين خصومهم من الإخوان المسلمين. أحد أهم هذه الخلافات هو معارضة الوهابية لمركزية، أو حتى لقداسة الأقصى. في المقابل، يقدّس الإخوان المسلمون القدس، من بين أسباب أخرى، لأنّهم لم يستطيعوا ادعاء قداسة القاهرة. وتعتبر حماس فعلا، بل حتى جبهة النصرة في سوريا (والتي هي فرع من الإخوان المسلمين أكثر من كونها من إنشاء مدرسة القاعدة) المسجد الأقصى المركز الديني والعبادي الأكثر أهمية خارج الحجاز. تسوّق هذه الفروع وغيرها التابعة للإخوان المسلمين في جميع أنحاء العالم العربي بين الجمهور منذ سنوات الشعار الجذاب "الأقصى في خطر".

يعارض علماء دين سنّة آخرون، وبشكل أساسي من الوهابيين السعوديين، قداسة المساجد، القبور والأماكن التي تقع خارج مكة والمدينة بل وحتى قداسة العديد منها داخل المدينتين المقدّستين. تم تدمير مئات الأماكن المقدّسة، بما في ذلك في مكة والمدينة، خلال العقود الأخيرة من قبل السعوديين، بادعاء أنه باستثناء الكعبة ليس هناك في القرآن أي ذكر لعبادة الأماكن المقدّسة. هناك مساجد وأضرحة لرجال دين مسلمين وغيرهم يتم تدميرها من أساسها في أفغانستان، العراق وسوريا من قبل تنظيمات وهابية حديثة مثل الطالبان وداعش بناء على نفس الادعاء تماما.

الأمير محمد بن نايف (يمين) والأمير محمد بن سلمان قبيل اجتماع مع ضباط عسكريين لمناقشة العمليات ضد الحوثيين في اليمن (AFP)

الأمير محمد بن نايف (يمين) والأمير محمد بن سلمان قبيل اجتماع مع ضباط عسكريين لمناقشة العمليات ضد الحوثيين في اليمن (AFP)

ويشكك الوهابيون في قداسة الأقصى أيضا. لو كانت القدس مقدّسة، يتساءلون، لماذا لم يتشجّع النبي وخليفته الأول للقيام بفتحها؟ لماذا تفرّع الخليفة الثاني، عمر، لفتح القدس فقط بعد فتوحات أخرى عديدة؟ بكلمات أخرى، هناك صعوبة دينية-سياسية لدى القيادة السعودية بأن تعتبر الاضطرابات حول الأقصى سببا كافيا لتحويل انتباه الرأي العام عن الكفاح من أجل كبح الإمبراطورية الفارسية - الشيعية في الشرق الأوسط.

السبب الرئيسي للصمت السعودي كما يبدو، في الواقع، هو رغبة التركيز على انتباه الرأي العام العربي نحو الصراع ضدّ إيران. تقف الحرب ضد الشيعة، والتي تمتدّ في دول عربية عديدة وتهدّد تكاليفها بانهيار الاقتصاد السعودي وتشكل خطرا على استقرار النظام، في قمة سلم الأولوية أمام أعين جيل القيادة الحالي في النظام السعودي. في هذا السياق يعتبر السعوديون أنفسهم الورثة المعاصرين لصلاح الدين الأيوبي منذ القرن الثاني عشر، والذي كرّس جهود جيشه العسكرية لكبح الشيعة الفاطميين قبل فترة طويلة من توجّهه للقضاء على المملكة الصليبية وفتح القدس مجددا.

هناك شكّ حتى متى يمكن للسعودية أن تصمت في ظلّ العنف المتجدّد بين إسرائيل والفلسطينيين. العالم العربي بحاجة كبيرة إلى صرف انتباهه عن المجزرة الداخلية - الإسلامية في أنحاء الشرق الأوسط، وفي اضطرابات الأقصى هناك، مع الأسف الشديد، جميع مكوّنات الدراما اللازمة لحشد الاهتمام الإقليمي. إذا استمرّ العنف، فلن يكون بعيدا ذلك اليوم الذي يتخلى فيه السعوديون عن صمتهم مطالبين كلا الطرفين بالعودة إلى طاولة المفاوضات، وليس فقط كي تستطيع السعودية التفرّغ من جديد للدراما الإقليمية الحقيقية.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع "Canthink" الإسرائيلي