في يوم المرأة العالمي تحديدًا، حلّت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، كاثرين أشتون، ضيفة على طهران لدفع الحوار بين إيران والغرب في الشأن النووي الإيرانيّ. لكنّ أشتون، وهي امرأة قويّة ومستقلّة دون أدنى شكّ، تظهر ورأسها مغطى بحجاب، دون اختيارها طبعًا. ببساطة، لم يترك لها الإيرانيون خيارًا.

طبعًا، يهبّ الإسلاميون فورَا ليقولوا إنّ كلّ ما في الأمر أنه يُطلب منها "احترام قوانين المكان"، فأين الخطأ في ذلك؟ لن أدخل الآن في النقاش، الجوهري بحدّ ذاته، حول شرعيّة إكراه المواطنين أن يلبسوا بطريقة ما، لكنّ أشتون ليست مواطنة إيرانية، وهي ليست مسلمة، كما أنها لا تزور مكانًا دينيًّا، حيث قد يُبرَّر احترام مشاعر المؤمنين. إنها زيارة دبلوماسيّة، علمانيّة، سياسية، دون أية صلة بالدين.

هل يمكن أن يُطلَب طلب معاكس في الدول الغربية، باحترام الطابع "المسيحي" أو العلماني للمكان، وعدم التحول مع سمات دينية إسلاميّة؟ طبعًا، لا يمكن قبول طلبٍ كهذا، إذ كان سيثير فورًا تحريضًا شديدًا، وبحقّ.

وسبب ذلك بسيط. فالقانون في الغرب يحترم حقّ الإنسان في الاختيار، لكونه إنسانًا. إنّ إلزام امرأة غير مسلمة بارتداء حجاب، ولو تحت ذريعة "الحشمة"، لا يحترم تلك المرأة، وحقّها في الاختيار الحرّ. هل يمكن لامرأة كبيرة في السن ذات شعر قصير كأشتون أن تثير أفكارًا غير لائقة لدى الشعب الإيراني أو قادته؟ إذا كان الأمر كذلك، فيبدو أنّ المشكلة ليست لدى أشتون.

صحيح أنّ إيران جمهورية إسلاميّة (ومجددًا، لن أتوسع في رأيي حول الآثار الخطيرة لعدم فصل الدين عن الدولة)، لكنّ المملكة العربية السعودية هي كذلك أيضًا، وهي تُلزم مواطناتها المسلمات بارتداء الحجاب، لكنها تحترم خيار النساء الأجنبيات اللواتي يزرنَ المملكة، كما أمكننا أن نرى في زيارة وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة، هيلاري كلينتون، التي يصعب القول إنها كانت أقلّ احتشامًا أو أقلّ احترامًا من زيارة أشتون إلى إيران. على النقيض من ذلك.

هيلاري كلينتون في السعودية (AFP)

هيلاري كلينتون في السعودية (AFP)

لكن ليس أقلّ خطورةً من الطلب ذاته التعاون والخضوع التلقائي لإملاءات الإيرانيين. فلماذا لا يتمسّك قادة الغرب بحقوق النساء في حرية الاختيار والتحكم التام في أجسادهنّ ولباسهنّ؟

بالطبع، أرادت أشتون تجنّب أزمة دبلوماسيّة، وإظهار الاحترام للوصول بشكل لطيف إلى محادثات التهدئة. لكنّ هذه ليست الحالَ دائمًا. فإحدى الحالات الشهيرة هي حالة وزيرة الخارجية الإيطاليّة، إيما بونينو، التي كانت الأولى بين زملائها الـ 27 في الاتحاد الأوروبي التي قامت بزيارة سياسية إلى طهران في كانون الأول الماضي، إثر التوقيع على الاتّفاق المرحليّ بين إيران والدول العظمى الست حول البرنامج النووي.

لكن رغم الحماس الذي رافق زيارة بونينو التاريخية، بعد سنوات من انقطاع زيارات وزراء الخارجية الأوروبيين إلى إيران، كادت الزيارة تتسبب بأزمة دبلوماسيّة. فوفق تقرير الموقع الإخباري الإيراني "جهان نيوز"، حين هبطت طائرة بونينو في طهران، صعد إليها رئيس قسم المراسم في وزارة الخارجية الإيرانية، عرض على وزيرة الخارجية الإيطاليّة ثلاثة حُجُب ملوّنة، وطلب منها ارتداء أحدها قبل مغادرتها الطائرة.

رفضت بونينو المصعوقة قبول الحُجُب أو التغطي بها، وأصرّت على النزول من الطائرة دون أيّ غطاء للرأس، رغم الإيضاحات بأنّه وفق البروتوكول الدبلوماسي المتّفَق عليه بين إيران ودول العالم، يتوجب على الدبلوماسيات وحتّى المسؤولات السياسيات اللواتي يزرنَ البلد أن يغطين رؤوسهنّ احتشامًا.

وزيرة الخارجية الإيطاليّة، إيما بونينو، في إيران (AFP)

وزيرة الخارجية الإيطاليّة، إيما بونينو، في إيران (AFP)

تغيّر الوضع فقط بعد أن طلب وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، إبلاغ بونينو بأنها إن لم توافق على تغطية رأسها خلال زيارتها إلى إيران، فلن تستطيع دخول البلاد، ستُلغى كافة لقاءاتها، وستُضطرّ إلى العودة إلى إيطاليا. فهمت وزيرة الخارجية الإيطالية أنّ زيارتها التي تحظى بتغطية إعلامية في خَطَر. قد تكون فعلت ذلك وفق رأيها الخاصّ، أو استشارت دبلوماسيين أو سياسيين بارزين في بلادها، لكنّها تغطّت في نهاية المطاف بحجاب وخرجت من الطائرة، ليس قبل تدخين بعض السجائر لتهدأ.

تجسّد هذه القصّة إلى أيّ حدّ يمسّ الإكراه الديني الإيراني بكرامة النساء، حتّى المسؤولات والمحترَمات بينهنّ. من المحزن أنه في يوم المرأة العالمي تحديدًا، تختار وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي دعم هذا الاضطهاد، لا سيّما حين يُفترَض بها تمثيل ملايين النساء في أرجاء القارّة، اللواتي لا يتماثلنَ مع اختيارها.

لكن ما لا يقلّ إغضابًا، بل يزيد، هو استخدام تهكميّ آخر لجسم المرأة، وهنا أيضًا في سياقٍ إسلاميّ، هذه المرة من أجل إعلان تجاريّ. فقد اختارت شركة الأزياء في كاليفورنيا، أمريكان إبريل، عرض صورة لإحدى عاملات الشركة دون ثياب علوية، مغطاة فقط بالكتابة Made In Bangladesh (صُنع في بنغلادش).

(علاقات عامة AmericanAppearel)

(علاقات عامة AmericanAppearel)

من المعروف أنّ بنغلادش دولة مسلمة. وحتّى لو اختارت الشركة مواصلة انتهاج سياسة الإثارة لترويج منتجاتها باستخدام التعري الأنثويّ- تكتيك مثير للجدل على أقلّ تقدير - فإنّ اختيار دمج السياسة الدينية في هذه الحالة يثير السخط بشكل خاصّ.

ثمة مَن رأى في ذلك عملًا نسويّا، لتحرّر المرأة، يهدف تحديدًا إلى الاحتجاج على اضطهاد المرأة في العالم الإسلاميّ، لكن حسب رأيي، هذا عمل تهكميّ ومستفزّ، يهدف إلى التحدي، والظفر بالإعلان على حساب مشاعر الآخرين، وليس أقلّ قمعًا واستغلالًا للمرأة وجسدها من طلب تغطية جزء من الجسد.

جسد المرأة لها. فدعوها تقرّر ماذا تفعل به. لا تُجبروها على ستره، ولا تستخدموه كسلعة. بكلّ بساطة، امنحوه كرامة.