"أدركت في وقت ما أن مشاهدة المواد الإباحية ليست جنسًا، بل نوع من السيطرة. عندما كنت مرتبطًا بعلاقة طويلة الأمد مع شابة ما منعني ذلك الأمر من الوصول معها إلى أي علاقة حميمية، بل إن ذلك أخذني مباشرة إلى الرغبة بالاستغلال والقوة. لذا أقلعت عن ذلك، لم أعد أرغب بمشاهدة المواد الإباحية، وأعتقد أن ذلك غير طريقة تفكيري. وهذا شيء نحن معتادون عليه من سن صغيرة، بحيث لا ندرك أبدًا كيف يغيّرنا ذلك الأمر ويفسد أدمغتنا". هذا ما قاله؛ منذ زمن، باحث إسرائيلي فيما يتعلق بتأثير صناعة الجنس والمواد الإباحية على أدمغة الكثير من الرجال حول العالم.

إن كان الخطاب الموجه ضدّ استهلاك الجنس هو خطاب اقتصر على المتزمتين المتدينين، الحركات النسوية الغاضبة والأمهات المذعورات، يبدو أن الرجال العلمانيين انضموا مؤخرًا إلى هذا الخطاب. غالبيتهم من مواليد الثمانينات والتسعينات، أولئك الذين وُلدوا داخل ذلك العالم الإباحي وتكونت لديهم بالطبع تلك الحقيقة بأن النساء هن كائنات جنسية يجب الدوس عليها وإذلالها لتحقيق النشوة.

لا نتحدث هنا عن أولئك الرجال الذين يصنّفون على أنهم يعانون مرضًا جنسيًا ما، بل مستهلكي الجنس العاديين، مشاهدين متحمسين، متبلدي الضمير والمشاعر، مستعبدين لتلك الصناعة الاستغلالية التي تجني أكثر من 13 مليار دولار سنويًا وكانت قد تجاوزت هوليود بجولة كاملة، أيضًا من ناحية الأرباح التي تجنيها وهناك من يقولون أنه أيضًا من ناحية جودة الأفلام التي تنتجها.

يلتقي أولئك الرجال أساسًا في زوايا شبكة الإنترنت المظلمة، هناك يمكنهم تبادل القصص ومشاركة تجاربهم الحياتية. واحدة من جماعات الدعم الكبيرة موجودة على الموقع الإعلامي الاجتماعي المعروف Reddit واسمها NoFap

وحتى الآن يضم موقع NOFAP أكثر من 112 ألف مستخدم، بينما الهدف الذي تضعه المجموعة أمامها وكذلك المستخدمين الجدد هو هدف بسيط - التخلي عن مشاهدة المواد الإباحية، وعن الاستمناء عمومًا، لمدة 90 يومًا. أبلغ المستخدمون عن حدوث أعراض جانبية مصاحبة مختلفة، بداية من الثقة الزائدة بالنفس واهتمام أكبر بكثير بالجنس الآخر وحتى الشعور بالتيقظ أكثر والنشاط.

يفقد الأشخاص المدمنون على مشاهدة المواد الإباحية، وفق استطلاع أُجري على مجموعة NoFap، الاهتمام بالزوج أو الزوجة. يشاهد 59% منهم 4 – 15 ساعة من المواد الإباحية خلال الأسبوع. لم يمارس 50% منهم تقريبًا الجنس خارج العالم الافتراضي. قال 64 % منهم بأن اهتمامهم بالجنس يصبح مع الوقت متطرفًا أو منحرفًا.

لا تنقص في إسرائيل أيضًا مجموعات الدعم على شبكة الإنترنت، إنما بمستوى أقل وحسب. ناقشت مؤخرًا الكثير من المجلات والمواقع، بما فيها مجلة نيويورك تايمز، هذه الظاهرة الجديدة التي تكتسب زخمًا أكثر فأكثر وحتى أن بعض تلك المجلات صنفت ظاهرة الترفع عن الإباحية على أنها الموضة العالمية القادمة.

عالم الأفلام الإباحية هو نوع من الزنا (Thinkstock)

عالم الأفلام الإباحية هو نوع من الزنا (Thinkstock)

نُشر؛ في بداية شهر أيلول؛ على صفحات المجلة البريطانية Esquire ، مقالة تحت عنوان "لماذا يتخلى آلاف الرجال عن مشاهدة المواد الإباحية في عام 2014"، والتي تحدثت بإسهاب عن المرحلة الجديدة بما يتعلق بعلاقة البشر بالاستمناء - بعد مئات وآلاف السنوات من الكبت على يد المؤسسة الدينية، التي كانت تنظر إلى مسألة قذف المني على أنها خطيئة، وبعد أن حوّلت ثورة الستينات الجنسية المتعة الشخصية إلى أمر متفق عليه، ها نحن الآن ندخل عصرًا جديدًا فيه "حركة جديدة تنتشر في أرجاء أوروبا والولايات المتحدة، فيها آلاف الرجال والشبان الذين يؤمنون أن الاستمناء يضر بهم وأنهم يعملون على التخلص من هذه العادة. ليس لأنهم يعتبرون ذلك السلوك سلوكًا غير أخلاقي وليس لأنهم يخافون أن يفقدوا عقلهم، بل لأنهم يتمنون أن يؤدي بهم ذلك الأمر إلى ممارسة الجنس بشكل أفضل وبتواتر أعلى".

على غرار الصيحات العالمية الأخرى مثل النباتية والخضرية، هكذا أيضًا يتحدث المفطومون عن المواد الإباحية عن صناعة فيها جمالية السلعة النهائية تخفي الظلم الذي يحدث خلال الإنتاج، وأيضًا عن الضرر الشخصي الذي يصيبهم نتيجة استهلاكه. على غرار تدخين السجائر، الحديث هنا أيضًا عن مخدر لا نعرف أضراره إلا بعد فوات الأوان، صناعة جنسية تستغل النساء، تهينهن ومن ثم يتم التخلي عنهن ليذهبن لتعاطي المخدرات والعيش في حالة صعبة من الفقر والمرض.

كاهن المترفعين عن مشاهدة المواد الإباحية

تعرفوا على ران غابريئيلي، الإسرائيلي الذي يقف خلف مسألة الترفع عن مشاهدة المواد الإباحية. يشرح غابريئيلي، في واحدة من أكثر المحاضرات متابعة على اليوتيوب (حظيت بأكثر من 6 ملايين مشاهدة)، عن تجربته وعن الفرصة التي أتيحت له للفطام من المشاهدة المكثفة للأفلام الإباحية.

يقول غابرئيلي في بداية المحاضرة: "تخليت عن مشاهدة الأفلام الإباحية لأنها كانت تسبب لي الكثير من الغضب والعنف خلال ممارساتي الجنسية، الأمر الذي لم يكن لدي سابقًا"، وغابرئيلي هو مدير الموقع الإسرائيلي "محاربة المخدر الجديد" وهو الموقع الذي يعرض 12 خطوة للفطام من مشاهدة المواد الإباحية وهي الطريقة التي تشبه إلى حد كبير طريقة مدمني الكحول المجهولين. "ما تعرضه لنا الأفلام الإباحية طوال 80 - 90 % من الوقت هو جنس دون يدين. دون لمس، دون ملاطفات، دون تبادلٍ للقبل. لا تهتم كاميرات تصوير الأفلام الإباحية بأي نشاط يعبّر عن مشاعر. ما يهم تلك الكاميرات هو فقط الإيلاج. ليست هذه الطريقة التي تعمل وفقها الرغبة الأصلية لدينا".

يتابع بالقول: "قبل الإدمان على المواد الإباحية، كنت أتخيل حين ألتقي بشابة ما وأفكر بما كنت سأقوله لها وما كانت ستقوله لي". "ولكن مشاهدة المواد الإباحية سيطرت على عقلي. فقدت السيطرة على التخيّل. وجدت نفسي أُغمض عيني وأحاول أن أستمني بينما كنت أحاول أن أفكر بشيء إنساني ولكنني لم أكن أنجح بذلك لأن عقلي كانت تملأه صور نساء يتم تدنيسهن".

الحقائق واضحة للجميع: مشاهدة المواد الإباحية "هو نوع من الزنا"، موافقة وإباحة لممارسة الاستغلال والتعذيب الجنسي ضدّ الرجال وتحديدًا النساء، وتأكيد ذلك التمييز السافر بين النساء والرجال في المجتمع البشري، إفساد الرغبة، الحب والاحترام لأجساد النساء وأجساد الرجال، اذًا لماذا نترك ذلك يحدث؟