80% من المصوتين لحزب الليكود، الحزب اليميني الحاكم، من الشرقيين. الكثير منهم يتمسك بآراء يمينية معارضة لإقامة دولة فلسطينية، وتُظهر استطلاعات الرأي أن كثيرًا من الشرقيين، الذي يعانون كثيًرا من الأفكار المقولبة، يتمسكون بآراء مسبقة ضد العرب.

من يُدعون في إسرائيل "بالشرقيين" هم يهود أصولهم من الدول العربية، مثل العراق، الشام، مصر، اليمن أو دول شمال أفريقيا. ثقافتهم وعاداتهم متعلقة بتلك التي للعرب المسلمين في الدول مسقط رأسهم، ويتكلم الكثير منهم العربية أو نشأ في بيت يتحدث العربية، بل وهم شبيهين في لون بشرتهم القمحية وملامح الوجوه الشرق أوسطية.

إذًا كيف أصبح "اليهود العرب"، بالذات، معروفًا عنهم أنهم يكرهون العرب أكثر من غيرهم. ولماذا يتشكل "معسكر السلام" الإسرائيلي في أغلبه بالأساس من اليهود "الأشكناز"، والذين أصلهم من أوروبا وأمريكا الشمالية؟

عائلة يهودية مغربية لدى وصولها الى  إسرائيل (Wikipedia)

عائلة يهودية مغربية لدى وصولها الى إسرائيل (Wikipedia)

"نحن لسنا العدوّ"

أسباب كثيرة للآراء السلبية التي يتبناها الشرقيون عن العرب مترسخة في السنوات الأولى لإقامة دولة إسرائيل بل وفي السنوات التي سبقتها. في هذه السنوات تصارع اليهود على أرض إسرائيل مع مواطنيها العرب، وعانى سكان البلاد من الأعمال الهمجية، وفي حرب 1948 انضمت الجيوش العربية من مصر، العراق، سوريا لبنان والأردن،  إلى جانب العرب في إسرائيل فورًا مع الإعلان عن قيام دولة إسرائيل.

تحولت الكلمة "عربي" في هذه السنين إلى كلمة تقابل كلمة "عدوّ". بالموازاة، في هذه السنوات بدأ قدوم يهود بلاد الشرق إلى إسرائيل (أحد الأسباب هي الأعمال الهمجية، ولكن سنصل إلى هذا فيما بعد). بالنسبة للمواطنين "القدامى" الذين أصلهم من أوروبا، والذين رأوا بأنفسهم كمن أقام البلاد من خلال الصراع مع العرب، بدا القادمون الجدد بسطاء، بربريين ويشبهون كثيرًا أعداءهم العرب.

خلال سنوات عديدة عانى اليهود الشرقيون من تمييز فظيع، نقص في الميزانيات الحكومية، التمييز في القبول للوظائف والمؤسسات الرسمية ومعاملة استهتار. أصبح الفقر، البطالة، وانعدام التعلم من نصيبهم، وفي قسط من الحالات يمكن أن نرى الفجوات الاجتماعية حتى اليوم.

تنامت لدى اليهود الشرقيين حاجة ورغبة في الاندماج في المجتمع الإسرائيلي الجديد الذي تكوّن مع إقامة الدولة الجديدة. بواسطة التعبير عن الكراهية للعرب، سعى الشرقيون، بلا وعي منهم، إلى أن يظهروا أنفسهم كمختلفين، وأن يحولوا أنفسهم إلى جزء لا يتجزأ ولا ينفصل عن المجتمع اليهودي، الذي كان، في نفس السنوات، أشكنازيا في أغلبه، وذا سمات أوروبية، مع احتقار استعلائي  للثقافة العربية.

عبد القادر الحسيني والقوات العربية عام 1948

عبد القادر الحسيني والقوات العربية عام 1948

في السنوات الأخيرة، عندما تحول قسم كبير من العرب المسلمين والمسيحيين سكان الدولة لمواطنين إسرائيليين، وإلى جزء من المجتمع الإسرائيلي، كانت الغطرسة تجاههم والتمييز ضدهم (أيضًا، لا شعوريًّا)، أداة جعلت يهود الشرق يرتفعون درجة في سلم المجتمع.

الآن لم يعد الشرقيون في أسفل السلم، والعداوة للسكان العرب جعلت الانسجام أقوى ما بينهم وبين المجتمع الإسرائيلي اليهودي. على نفس الخلفية، بالمناسبة، ألغي التعبير "يهود-عرب" الذي اعتبر مهينًا، وحتى اليوم لم يجر له استعمال إلا وكان مثيرًا للجدل.

عن التمييز والسياسية

ألقت سمات التمييز ضدّ الشرقيين بتداعياتها على المجتمع الإسرائيلي. في سنوات الخمسين والستين كان الحزب الحاكم، "مباي" (في أيامنا حزب العمل) المسيطر الذي لا يشق له غبار على السياسة الإسرائيلية. كانت السيطرة "البيضاء" جليّة، وازداد اليأس عند الباقين. المجتمع، والحكومة، قدسا شخصية الرجل الأشكنازي الاشتراكي العريق، الذي يعد من أقام وبنى الدولة، ولذلك حظي بتسهيلات مُرْضية، على حساب من لم يعدّ كذلك، وخاصة الشرقيون.

حين أقيم حزب الليكود في سنوات السبعين وحمل على عاتقه صراع الطبقات الضعيفة والعمال الشرقيين مع المشاكل اليومية، قام بسهولة بجرف أصوات الشرقيين، الذين أحسوا لأول مرة أن هنالك أذنا صاغية لأمانيّهم، وتمثيلا ملائمًا لهم في الكنيست. كان التصويت لليكود قبل أي شيء اعتراضًا على كل سنوات السيطرة الأشكنازية وإقصائها. كل ما عدا الحزب الحاكم كان في نظرهم أفضل بالتأكيد.

"تجاهل حزب العمل ونكّل واستهتر طوال سنوات كثيرة بالشرائح الضعيفة وأبناء الجاليات الشرقية"، يقول تشارلي بيطون، عضو كنيست سابقًا وناشط اجتماعي شرقي معروف. يُذكر مناحم بيجن كمن نجح، لأول مرة في تاريخ إسرائيل، في إحداث تغيير حين فاز برئاسة الحكومة وهزم حزب اليسار الأشكنازي، طبعًا، بفضل دعم الشرقيين.

مناحم بيجن يخطب في الكنيست. "الشرقيين أحسوا لأول مرة أن هنالك أذنا صاغية لأمانيّهم"

مناحم بيجن يخطب في الكنيست. "الشرقيين أحسوا لأول مرة أن هنالك أذنا صاغية لأمانيّهم"

مع السنوات تحول دعم الليكود إلى تقاليد حقيقية في دوائر شرقية واسعة، على الرغم من أن زعماءه بقَوا أشكنازيين، وتغير مذهبه الاقتصادي حتى أنه بات من المفارقات السخيفة الوضع اليوم والذي يستمر فيه الشرقيون وذوو الطبقة المتدنية في التصويت لحزب أراؤه السياسية هي أكثر الآراء رأسمالية والتي تضر بالطبقة الوسطى والدنيا أكثر من أي حزب آخر.

لكن إلى جانب السياسة الاقتصادية، فالمميز الأكبر في برنامج الليكود هو الجانب السياسي، الذي عارض طوال السنوات التنازل عن مناطق وإقامة دولة فلسطينية، عارض اتفاقيات أوسلو، وتم توجيهه تحت مفهوم "أرض إسرائيل الكاملة" الذي يرى في الضفة وغزة جزءًا لا يتجزأ من إسرائيل.

خلال السنوات، تسربت قيم الحزب، التي أثارت إعجابًا كبيرًا بين الشرقيين،  وتحوّلت إلى رؤيا عالمية شائعة في أوساط هذا الجمهور.  اليوم، ما زال أغلب الشرقيين مستمرين في التصويت لليكود بالأساس بسبب برنامجه السياسي، على الرغم من برنامجه الاجتماعي.

يهود ومحافظون

وجد أخصائي علم الاجتماع سامي سموحة، الذي فحص الفروق بين فئات الشريحة اليهودية في الآراء عن الأقلية العربية، أن أصحاب الآراء الانتقادية والسلبية هم اليهود الحاريديون والمتديّنون، أبناء 18-24، معدومي التعلم الكامل، الذين انتماؤهم الأهم هو الدين اليهودي أو الشعب اليهودي (وليست الهوية الإسرائيلية)، وينتمون لليمين المعتدل ولليمين (وكذلك من لا يقضي وقتًا بين العرب).

في هذا البحث صحيح أنه لم تفحص العلاقة المباشرة، بين الشرقية وبين معاملة العرب، لكن الكثيرين من بين الجمهور الشرقي يعرّفون أنفسهم "محافظين"، أي أنهم لا متديّنون ولا علمانيون، ويواظبون على اتخاذ نمط حياة يهودية بارز.

جندي يرتدي شال الصلاة في ساحة المعركة (Falsh90Mendy Hechtman)

جندي يرتدي شال الصلاة في ساحة المعركة (Falsh90Mendy Hechtman)

المفهوم اليهودي لحق شعب إسرائيل كوعد إلهي انسجم جيدًا مع مفهوم "أرض إسرائيل الكاملة" لليكود وأدى إلى تذويت القيمة بين الشرقيين. حينما يسلبون حق الفلسطينيين في دولة في المناطق التي يعدونها "إسرائيل" لا مفر من أن الصراع، تضارب المصالح وانقسام الآراء بينهم وبين الفلسطينيين، ومنهم عرب إسرائيل أيضًا، أعلى من المعتاد.

ذكرى الملاحقة

فوق كل هذا تضاف الذاكرة الجماعية الشرقية للعرب المسلمين الذين طاردوهم في أرض مولدهم. كره اليهود في الدول العربية ليس بالجديد، وعانى الكثير من اليهود الذين عاشوا فيها من الملاحقات على طول السنوات، وتعلموا أن يخافوا العرب. بعد إقامة الدولة، تحوّلت المضايقات إلى أعمال همجية حقيقة، وطُرد الكثير منهم وفرّوا إلى إسرائيل، وقد تركوا أملاكهم خلفهم. بقي ذكر الهمجية والملاحقة محفورًا في ذاكرتهم، وصورة العربي كعنيف، كاره لليهود، وعدو لهم لم تزدد إلا ترسخًا.

في وسط المجتمع اليهودي الذي حاول أن يشفى من صدمة الهولوكوست الفظيعة، بدا أن معاناة اليهود الشرقيين قد اعتبرت هامشية مقارنة بمعاناة يهود أوروبا الذي عانوا من الهمجية اللاسامية والهولوكوست الكبير. ربما لهذا السبب كان من المهم التأكيد على معاناتهم، وتخليد ذكرى الخوف والكراهية بين العرب واليهود. بالتوازي مع ذكر الهولوكوست والكينونة الإسرائيلية "المطارَدة"، تحولت المقاتلة والحاجة الدائمة للدفاع عن النفس، حتى على حساب الآخرين، إلى قيمة رائدة لدى المجتمع الإسرائيل عامة، وفي الجمهور  الشرقي خاصة.

بالإضافة، على خلفية نفس الملاحقات، أخذ قسم من زعماء الجمهور الشرقي الحق في التصريح أنهم هم بالذات من يعرفهم جيدًا، وأن يستعملوا الوصمات التعميمية مثل "هم يفهمون فقط بالقوة" أو "لا يمكن الثقة بالعرب"، والتي رٌسخت عبر السنوات إلى جانب التعبير عن الكراهية.

مقاطعة معسكر السلام

فيما يعرّف بـ"معسكر السلام"، المؤلف من أحزاب، جمعيات، ومنظمات تهدف إلى تقديم السلام، التعايش المشترك وإقامة دولة فلسطينية، من الصعب إيجاد ناشطين شرقيين بارزين. عبر السنوات، وحتى في السنوات الأخيرة التي تحوّلت بقايا التمييز ضد الشرقيين إلى ضئيلة (وإن لم تختف تمامًا)، كان زعماء اليسار الإسرائيلي يهودًا من أصل أشكنازي، وفي السنوات الأخيرة ينشط فيه غير قليل من الفلسطينيين أصحاب جنسية إسرائيلية.

معسكر السلام: ينقسه ناشطين شرقيين (Michal Fattal/Flash90)

معسكر السلام: ينقسه ناشطين شرقيين (Michal Fattal/Flash90)

في أحزاب مثل ميرتس، التي ترفع علم السلام والعيش المشترك، التي تخصص أماكن للنساء والعرب، لا يتطرقون إلى التمييز العرقي ضد الشرقيين، لا يخصصون لهم أماكن ولا يتطرقون إليهم في البرنامج. يؤدي الأمر بكثير من الناشطين الشرقيين الذي يعرّفون أنفسهم كشرقيين إلى مقاطعة هذه الأحزاب، وفي بعض الحالات يفضلون أحزابًا عربية على أحزاب يهودية التي تقصي الشرقيين.

نفس التمييز على طول السنين ضدّ الشرقيين هو أحد الأسباب لموجة ما بعد الصهيونية وتيار ليقظة يسارية متطرفة بين شباب شرقيين، يطالبون بالمساواة دون تمييز بين كل الأقليات أيًّا كانوا، ومنهم الشرقيون، عرب إسرائيل، القادمون الأفارقة وطالبو اللجوء، النساء، المعوّقون وغيرهم.

يبدو، إذا كان الأمر كذلك، أن التقارب الثقافي بين اليهود الشرقيين وبين المواطنين العرب في الشرق الأوسط لم يُفهم فقط على أنه خيار لتقريب القلوب وحل النزاع، بل كان عبر السنوات حجر عثرة رئيسيًّا، وقد عمّق الكراهية بين الشعبين.