فاز قائد الجيش السابق عبد الفتاح السيسي بالانتخابات الرئاسية التي أجريت في مصر هذا الأسبوع بعد حوالي عام من استعادة الجيش المصري سيطرته الرسمية على الأوضاع عقب تمرد واسع على محمد مرسي.

ورغم أن انتفاضة شعبية سبقت تدخل الجيش في يونيو حزيران الماضي.. فإن الحملة الصارمة المضادة للثورة التي أعقبتها خلال الأشهر التسعة الماضية قلبت كثيرا من المصريين على النظام الحالي. فلماذا إذن سيصبح السيسي رئيس مصر القادم وما الذي يجعل المصريين الذين أطاحوا بحسني مبارك هم أنفسهم الذين يطالبون بصخب الآن برجل عسكري يطبق نظام حكم الفرد الواحد بدلا من أن يؤيدوا عملية ديمقراطية أكثر شمولا؟ هل تجري إعادة عقارب الساعة إلى الوراء؟

لا يفهم كثير من المراقبين خارج مصر سبب شعبية السيسي التي تستند بدرجة كبيرة إلى الرغبة في الأمان. فكثير من المصريين يشعرون أن البلد أصبح فوضويا: فإن هم اضطروا للاختيار بين الإخوان المسلمين والجيش فسيفضلون الجيش. وفي حين أن كليهما تنظيمان شموليان.. يتمتع الجيش بخبرة أكبر وبولاء وطني واحترام لمصر كبلد لا كجزء من منطقة إسلامية أوسع. ورؤيته للإسلام أميل للاتجاه السائد بين الغالبية.

ويرى كثير من المصريين أيضا أن الجيش لديه مؤهلات أفضل لتحسين اقتصاد البلد المتعثر. فهو يسيطر على ما يصل إلى 40 في المئة من الاقتصاد المصري من خلال مصانع يديرها الجيش ومصانع لإنتاج السلع الغذائية وأراض يملكها. ويعتمد البلد حاليا على المعونات القادمة من دول الخليج في حين تعاني قطاعات حيوية مثل السياحة. أما الاحتياطي فينضب سريعا. إلا أن المشكلة -وفقا لبعض المراقبين- هي أن هذا التصور لقوة الجيش الاقتصادية ما هو إلا وهم.. فالجيش له بالفعل تاريخ طويل من سوء الإدارة الاقتصادية.

إجراءات أمنية شديدة في مراكز الاقتراع (MOHAMED EL-SHAHED / AFP)

إجراءات أمنية شديدة في مراكز الاقتراع (MOHAMED EL-SHAHED / AFP)

وكان أيضا للعنف في الجارتين سوريا وليبيا الذي تحول إلى تمرد إسلامي مسلح تأثير على الناخبين. ولأن هذه الدول عانت من ثورات مسلحة على أنظمة عسكرية يرى كثير من المصريين أن النظام الحالي أفضل كثيرا من الأحداث التي وقعت على مقربة منهم. وهم يفضلون أن توفر لهم الدولة قدرا من الشبه بالنظام والوحدة - حتى وإن كان وهما.

وجماعة الإخوان المسلمين التي كان ينظر إليها بعد الإطاحة بمبارك على أنها بديل مرغوب فيه أصبحت خيارا أقل جذبا لعدة أسباب. فقد مثلت خطرا على رؤية معتدلة للإسلام يقدرها المصريون. وحين تولت الجماعة السلطة في يونيو حزيران 2012 عجزت عن علاج المشاكل الهيكلية العميقة في مصر -من فساد مسشتر وبطالة مزمنة وانقسامات دينية عميقة- واختارت بدلا من ذلك أن تملأ مؤسسات البلد بأعضائها وأن تعقد صفقات مع الجيش. وفي الوقت ذاته وضعت "الدولة العميقة" متمثلة في نظام مبارك القديم وحلفائه في قطاع الأعمال ووسائل الإعلام والجيش الإخوان المسلمين في وضع حرج عند كل منعطف.

والمصريون الذين يعانون من الممارسات الوحشية التي تنتهجها أجهزة الأمن الداخلي في البلاد والذين يلقى عليهم القبض باستمرار للاحتجاج أو نقل الأخبار أو تأييد معارضين سياسيين للسيسي أو الذين يظهر عليهم ما قد يدل على أنهم "إسلاميون" لا يؤيدون هذا الطرف أو ذاك. بالنسبة لهؤلاء المواطنين -ومن بينهم صحفيون مسجونون وضحايا تعذيب في مراكز الاحتجاز التابعة للشرطة- فإن الحياة تشبه أيام مبارك إن لم يكن أسوأ. ومعظمهم قاطع الانتخابات ووصفها بأنها مسرحية هزلية.

أما بالنسبة للمصريين المؤيدين للسيسي فإن التصويت لمرشحهم تصويت ضد الفوضى إلى أن تقدم الجماعات الثورية المتطلعة للمستقبل والحلفاء في المجتمع المدني بديلا كما هو مأمول.