ظهرت، خلال مكالماتي مع صنّاع الرأي العام في مواقع التواصل الاجتماعية في غزة ومصر، صورة مركّبة، والتي تخالف؛ بأغلبيتها، التقديرات الشائعة في إسرائيل وحتى أنها تعرض تفسيرًا ورأيًا مختلفًا حول طريقة إدارة حماس للأزمة ولموقف الناس في غزة وأداء مصر كوسيطة بين إسرائيل وحماس.

الأسئلة الأربعة التي طرحتها على صنّاع الرأي العام في مواقع التواصل الاجتماعية في غزة ومصر هي:

أ. لماذا الجمهور الغزي، الذي الغالبية فيه تعارض نظام حماس، لا يخرج إلى الشوارع ويثور على حركة حماس، أو لا يوجه انتقادات لقادته؟

ب. هل عباس هو بديل لحماس؟ هل سيتقبل المواطنون في غزة ثانية عودة السلطة الفلسطينية وعباس، إذا انهار حكم حماس؟

ج. كيف ينظر الجمهور المصري إلى موقف الرئيس السيسي وما رأي "الشارع" بخصوص العملية العسكرية في غزة؟ لماذا لا تتعجل مصر بإنهاء الصراع الدائر بأسرع وقت ممكن؟ لماذا لا يضغط "الشارع المصري" على الرئيس؟

د. هل إسرائيل ستفوز وحماس ستخسر؟ لماذا لا تتعجل حماس بإنهاء الجولة الحالية؟ ما الذي تتمنى الحركة الحصول عليه؟

إن كان مواطنو غزة يعارضون حكم حماس، لماذا لا يثورون؟

تشير الانطباعات، التي تظهر على مواقع التواصل الاجتماعية في غزة خلال العام المنصرم، إلى أن التأييد لحكم حماس آخذ بالتراجع (وذلك أيضًا حسب الاستطلاع الذي أجراه معهد واشنطن الذي أشار إلى النتيجة ذاتها). على الرغم من ذلك، لا نرى "ثورة شعبية" في غزة أو نقد حاد من قبل مواطني غزة. هنالك رأيان سائدان بخصوص هذا: الأول – "السلاح موجود بحوزة حماس ولهذا عندما نرى نحن (مواطنو غزة) ما يحدث في سوريا، في العراق، في إيران وتركيا، ندرك أن حماس لن تفكر مرتين وستطلق النار علينا". والناس في غزة متعبون ومنهكون بعد سبع سنوات من الحصار، ولا يؤمنون بأنهم قادرون على إسقاط حكم حماس وإيجاد بديل أفضل. كذلك قيل إنه "إن فشلنا، علينا أن نواجههم ونتعايش معهم في اليوم التالي للعملية. لن تتجند إسرائيل ولا أبو مازن ولا مصر لمساعدتنا". الرأي السائد الثاني – طالما أنه لا يوجد بديل معقول لحركة حماس، فانتشار الفوضى ودخول عناصر جهادية متطرفة تخيف الشارع في غزة أكثر من سلطة حماس.

هل حقًا بديل حكم حماس هو حكم عباس؟

محمود عباس يلتقي بخالد مشعل في قطر لبحث امكانيات وقف اطلاق النار (AFP)

محمود عباس يلتقي بخالد مشعل في قطر لبحث امكانيات وقف اطلاق النار (AFP)

طرحت، خلال المحادثات المتعلقة بوقف إطلاق النار في القطاع، فكرة إمكانية إعادة الحكم إلى السلطة الفلسطينية برئاسة عباس. السؤال الذي طُرح: إن تم إشراك السلطة الفلسطينية باتفاقية وقف إطلاق النار والترتيبات المستقبلية بين إسرائيل وحماس، هل سيدعم ذلك أهلية عباس والسلطة الفلسطينية كبديل لسلطة حماس؟

يتضح من النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعية أن الجمهور الغزي لا يتوق بأن تأخذ السلطة الفلسطينية وعباس مكان حماس، على أساس "هذا سيء وذلك أسوأ"، ورأينا مؤخرًا أدلة على ذلك. عندما اختار عباس وزير الصحة لإرساله إلى غزة لاستيضاح كيف يمكن مساعدة أهل غزة، تم رشق الوزير بالحجارة والبيض، كما وتم تحطيم واجهة سيارته وامتلأت شوارع غزة بشعارات غرافيتية تنعت عباس بأنه خائن ويستحق الموت.

الجانب المصري: مشاعر الكراهية ضدّ حماس تفوق مشاعر التضامن مع الشعب الفلسطيني

خلال الحوار مع صنّاع الرأي على مواقع التواصل الاجتماعية في مصر يتضح أن:

أ. "لا تشكل غزة تهديدًا استراتيجيًا على استقرار مصر، بخلاف ليبيا". "غزة هي تهديد إنساني وليس استراتيجي". يشغل نظام السيسي تهديد الميليشيات المسلحة، الموالية للقذافي والحركات الجهادية في بنغازي وفي طرابلس والخوف من تفكك ليبيا الجارة وتسلل الإرهاب إلى مصر، والشعب المصري أكثر مما تشغلهم أحداث غزة. يعتبر تفكك العراق أيضًا وتعاظم قوة داعش تهديدًا على مصر وهو الأمر الذي يجب وضعه في سلم الأولويات قبل ما تشكله غزة من تهديد.

ألم ودمار كثير في غزة (Flash90/Abed Rahim Khatib)

ألم ودمار كثير في غزة (Flash90/Abed Rahim Khatib)

ب. بعد أن صرح الرئيس المصري، السيسي، أنه خلال حكمه لن تكون هناك مفاوضات مع الإخوان المسلمين، في مصر، لذا فأن المفاوضات مع حماس ستشكل أزمة سياسية كبيرة له. لن يتعجل السيسي، دون وجود ضغط داخلي، إلى أن يدفع أقل ثمن ممكن وهو فتح معبر رفح بشكل دائم. وأيضًا، يشاع بأن كره الإخوان المسلمين وحركة حماس يفوق الرغبة الموجودة بمساعدة سكان غزة. توجد في مصر مجموعة، آخذة بالتزايد، تتمنى انهيار حماس، لذا، ومع كل الألم الذي يعتصرهم بسبب معاناة سكان غزة، يمكن سماع الكثير من الأصوات في مصر سعيدة باستمرار إسرائيل بشن هجماتها ضدّ حماس ولا يتعجلون أبدًا بشجبها.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (EBRAHIM HAMID / AFP)

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (EBRAHIM HAMID / AFP)

ج. تهتم غالبية الشعب المصري بالقرارات الاقتصادية الجديدة – رفع أسعار الغاز، الوقود والسجائر. اكتفى "الشارع المصري" من المظاهرات، ولا يتعجل الشعب المصري بسبب الخوف من نظام الحكم إلى الخروج للشوارع وبالطبع ليس من أجل الفلسطينيين. "يجب أن تتألم مصر لكي تكون مصر مستعدة لدفع الثمن، حاليًا نحن لسنا هناك".

هل حقًا إسرائيل ستفوز وحماس ستخسر؟

المدفعية الإسرائيلية تطلق القذائف صوب مواقع حماس (Yonatan-Sindel-Flash90)

المدفعية الإسرائيلية تطلق القذائف صوب مواقع حماس (Yonatan-Sindel-Flash90)

تشير التقديرات في إسرائيل إلى أن حركة حماس تعيش أسوأ فتراتها ولهذا هي في حالة صراع بقاء، منذ سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر. فقدت حماس ثقة الشارع في غزة ولا تنجح بخلق "ثورة شعبية" (انتفاضة ثالثة). يدور صراع - غير متكافئ بين "أقوى جيش في الشرق الأوسط" وبين منظمة إرهابية مترهلة. إلا أن، عملية "الجرف الصامد" أضافت ضعفًا آخر لحركة حماس، وتم توجيه ضربة قوية للبنى التحتية وإضافة إلى ذلك، توفر منظومة "القبة الحديدية" الحماية للجبهة الداخلية الإسرائيلية وتحبط قدرات سلاح الصواريخ التابع لحركة حماس، مقابل الأضرار التي تلحق بالجبهة الداخلية المكشوفة في غزة.

يتضح من تحليل ردود الفعل وجود صورة معقّدة لا تلائم أبدًا الفرضيات الأساسية التي قدمتها لصناع الرأي العام على مواقع التواصل الاجتماعية.

المعادلة الأولى: "إما حماس أو الفوضى"

من وجهة نظر حماس، كما يصرّحون على الشبكة، تضع الحركة نفسها في معادلة "إما نحن أو الفوضى" ربما إسرائيل ومصر - الدولتان اللتان تريدان رؤية انهيار حكم حماس - ليستا معنيتين بانهيار الحركة، وهذه نقطة القوة لدى الحركة. يعطي خوف أقوى دولتين في المنطقة من البديل عن وجود حركة حماس "بوليصة تأمين حياة".

المعادلة الثانية: صواريخ مقابل إطلاق سراح سجناء ومعابر

تحاول حماس، مقابل المعادلة الإسرائيلية المتعلقة "بالتهدئة مقابل التهدئة"، خلق معادلة إشكالية أمام إسرائيل: صواريخ مقابل إطلاق سراح سجناء ومعابر. تستخدم حماس التصعيد من خلال إطلاق الصواريخ إلى داخل العمق الإسرائيلي، ولا تنوي الحركة أن تستسلم وستستمر بإطلاق الصواريخ إلى أن توافق إسرائيل ومصر على وقف لإطلاق النار والذي تحصل حماس بموجبه على فتح للمعابر، إطلاق سراح السجناء ونقل الأموال من قطر وتركيا.

بالإضافة إلى ذلك، فشعار رواد صناع الرأي العام على مواقع التواصل الاجتماعية هو "في الشرق الأوسط لا يوجد منتصرين بشكل تام ولا خاسرين بشكل تام، وتحوّلت الشعوب إلى شعوب أسيرة في قبضة قادة ضعفاء".

نُشر هذا المقال لأول مرة في مركز أبحاث الأمن القومي INSS