قبل عدة سنوات، شاركتُ في التخطيط للمؤتمر الأول من نوعه في البلاد، بمشاركة شخصيات جادّة ومرموقة من المعارضة السورية. كان يُفترض أن يكون ذلك بمثابة حدث "الإعلان" عن العلاقات السّرية وإن كانت مكثّفة، والتي تجريها جهات رسمية في إسرائيل مع تلك الجهات التي كانت خلف الحدود لسنوات.

ولن نبالغ بالتفاصيل، ولكن قبل وقت قصير من ذلك الحدث اضطرّ المنظّمون إلى الإعلان عن إلغائه، رغم الأهمية الرمزية الكبيرة لمجرّد حدوثه.

ويعود سبب ذلك، كما يمكن أن نقدّر، إلى التدخّل الروسي العميق في سوريا وعدم الرغبة في الوقوف، تماما في هذا التوقيت وبشكل واضح، إلى جانب أولئك الذين يقاتلون بشار الأسد، حليف الروس.

غنيّ عن البيان أنّ المنظّمين، الذين بذلوا جهودا، دامت سنوات، للعناية اليومية بالمحور الإسرائيلي - السوري، قد عايشوا مشاعر الإحباط العميقة جدّا، والتي يمكن التماهي معها بسهولة. ولكن، في الحقيقة كنت راضية جدّا. فليس هذا هو الوقت المناسب للتورّط مع فلاديمير بوتين. فالمسائل حساسة جدّا. ومن المفضل عدم الصعود إلى شجرة لا يمكن النزول عنها.

فقد نجحت إسرائيل بعد مضي أربع سنوات ونيف منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية، في عدم التورط فيها.

هذا لا يُصدّق تقريبا، بالنظر إلى حقيقة أن هذه الحرب تستقطب إليها تقريبا جميع القوى الكبيرة في العالم، وأنّها تصل أحيانا حتى الحدود، بل وتنزلق قليلا وراءها من حين لآخر، وأنّها الحرب الأكثر أهمية للمحور الأكثر معاداة لإسرائيل في المنطقة، محور إيران - بشار - حزب الله، وأنّ هناك جهات كثيرة تحاول جرّها إلى داخلها.

هذا لا يصدّق أيضًا بالنظر إلى الموهبة الإسرائيلية المثبتة في القفز رأسا إلى كل حفرة في المنطقة - من غزة إلى لبنان. لسبب ما، أثبتت القيادة الإسرائيلية في الشأن السوري - وعلى رأسها نتنياهو، يعلون والجيش - مرونة إدراكية والعمل بحذر.

وحتى عندما حاول الدروز - وهم إحدى الأقليات القوية والشعبية في إسرائيل، وفي المنظومة الأمنية بشكل خاصّ - جرّ الجيش الإسرائيلي إلى داخل الحرب، انطلاقا من القلق على الأقلية الدرزية المهدّدة من قبل المجموعات الإسلامية في سوريا، فقد نجحت إسرائيل في احتواء هذه الأحداث واستخدام علاقاتها الهادئة مع مجموعات المعارضة من أجل الدفاع عن الدروز.

وكما ذُكر آنفًا، فقد وقفت هذه المسألة قيد الاختبار عند دخول الروس إلى الصورة، ولكن كما يبدو فقد كان الهدف هو عدم الدوس على طرفهم في كل ما يتعلق بالحفاظ على حكم بشار الأسد (وخصوصا في منطقة الساحل)، وفي المقابل، التمتع بحرية التحرّك ضدّ تهديدات محدّدة لحزب الله.

هناك اختبارات أخرى متوقعة قريبا، مع محاولات حسن نصر الله لجرّ إسرائيل إلى الداخل (وربما استخدام ذلك كبطاقة خروج من الوحل السوري) ومع الصراع المتصاعد بين السعودية وإيران، والذي يقلل احتمالات اتفاق سياسي في سوريا إلى الصفر.

هناك أيضًا معارضون لنهج نتنياهو ويعلون (أي عدم التدخّل في الشأن السوري)، ولا سيما، في أوساط أولئك الذين ينمّون علاقات منذ زمن طويل مع المعارضة السورية ويعتبرون بعض أجزائها حلفاء محتَمَلين. سيدّعي أولئك بأنّها قد عفا الزمان على هذا النهج وينبغي صياغة سياسة متماسكة، بطريقة أو بأخرى.

أعتقد أنّ الغموض تحديدا هو أحد الأدوات الرئيسية في صندوق صانع القرار الإسرائيلي، في تعامله مع ما لا يحصى من المحفّزات التي تدفعه إلى الداخل. فضلا عن ذلك، فإنّ هذا النوع من المرونة الإدراكية والاستعداد الأدنى للخضوع لاستفزازات المنظمات الإرهابية، يمكن أن يكون، ومن المناسب أن يكون مطَبّقًا في مناطق أخرى أيضًا.

إسرائيل هي إحدى الدول ذات الصلة القليلة التي لم تتورّط في الوحل السوري. نأمل أن يستمر الوضع على هذا الحال.