من لم يشاهد الظاهرة الغريبة لأشخاص يصورون "سيلفي" (Selfie) بوضعيات مختلفة ويحملون عصا عليها كاميرا صغيرة؟

بدأت هذه الظاهرة بالاتساع والانتشار حول العالم وتقف خلف هذه الظاهرة شركة رائعة تحمل اسم GoPro. نتحدث هنا، برأيي، عن مثال ممتاز لشركة أدركت تمامًا الشكل الذي يُفسر فيه الناس اليوم مصطلح التصوير وترجمته إلى مجموعة كاملة من المنتجات التي توفر قيمة كبيرة على أساس شكل السلوك ذاك ذاته.

من المهم بدايةً أن نتطرق للتأثير الكبير للهواتف الذكية على طبيعة التصوير في عصرنا الحالي: بالنسبة للكثير من الأشخاص تحولت كاميرا الهاتف المحمول إلى أداة التوثيق الرسمية وبالنسبة لكثيرين هي الأداة الوحيدة، من خلالها يتم تصوير كل لحظات الحياة (الفرح، الاحتفال، إلخ) وتحولت كلمة "سيلفي" إلى مصطلح معروف لكل الأجيال. أسباب ذلك واضحة جدًا، بدايةً من حقيقة أن الحديث هو عن تصوير رقمي متاح ومريح، جودة الكاميرات تتحسن تِباعًا بشكل دائم، وتعزز وسائل المشاركة الاجتماعية من تجربة التصوير وهي متوفرة من خلال الهواتف الذكية.

هناك من سيقولون إن تعزز قيمة "الأنا" هي المحفز لهذه الظاهرة الجديدة، (يُحب الناس أن يتصوروا وأن يشاركوا الآخرين بذلك كمحاولة لتعزيز الأنا، بينما كل التصوير السريع وكل تلك المشاركات في الواقع تجعلنا جميعاً نفعل ذلك أكثر فأكثر).

دخلت شركة GoPro هذا الواقع، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى قوة تكنولوجية تدمج ضمنها مجموعة ثرية من الزبائن المخلصين الناشطين، ربما واحدة من أفضل المجموعات المثيرة في العالم، على الأقل فيما يخص البعد التسويقي: على خلاف شركات تكنولوجية أُخرى مثل "أبل" و "سامسونج"، تقوم GoPro بتعزيز نفسها من خلال المحتوى الموجود لدى المستخدمين، حيث أنه كونهم زبائن مخلصين فهم بهذا يعززون ذلك المُنتج من خلال التصوير والفيديو الذي يصورونه ويشاركون به. ذلك التعزيز يتم من خلال التعاون بين المجموعات المتفاعلة على كل القنوات ذات الصلة: قناة YouTube الرائعة، صفحة Tumblr التي تتوجه تماماً إلى الجمهور الصحيح، وعلى رأس الهرم: الإنستجرام الرائع التابع لـ "GoPro".

لم أستطع أن أقاوم وأرسلت لكم نموذجين لمواد قام مستخدمو GoPro بتصويرها ومن الجدير بالذكر أن هذه الصور لم تُعالج داخل أستوديو بل هي توثيق حقيقي للمستخدمين. إن عدنا إلى المقارنة مع أبل وسامسونج، ففي حال حاولتا القيام بعملية دمج متصفحين/زبائن في المؤتمرات الرقمية الخاصة بهما فإن التحدي سيكون صعبًا جدًا (عدد المُنتجات الكبير، أشكال لا حصر لها وسوق فيه الكثير من المنافسين). على عكس GoPro، تُثبت الشركة بأن استراتيجية تسويق محتويات مُتصفحيها من خلال تعزيز طِباع جمهورها معناه ذهب تسويقي خالص. وتستحق الشركة أن نقول عنها بأن مبدأ الجماهيرية وتحفيز الزبائن للتحرك (التقاط صور ومشاركتها) مُدمج داخل استراتيجيتها، ويمكننا أن نجد مثالاً على ذلك في موقع الشركة حيث تظهر دائماً هناك دعوة للمتابعين بالمشاركة بالصور/الفيديو في إطار منافسات يومية وشهرية.

أفضل مثال على ذلك هو كيفن ريتشاردسون، الذي يُسمى أيضًا "الهامس للأسود" من جنوب أفريقيا. قام بتركيب كاميرا GoPro على لبؤة تعرفه جيدًا وتتصرف معه وكأنها قطة بيت تمامًا، بالمقابل - كان هو أيضا يحمل كاميرا أُخرى. النتائج الرائعة التي التقطتها عدسة الكاميرات معروضة أمامكم في الفيديو، الذي رشحه لنيل جائزة خاصة في إطار المواد المعروضة على إنستجرام.

ختامًا: هاكم مثالاً رائعًا على شركة أهم ما تملكه هم مستخدميها، الذين يشكلون مجموعة نشيطة تُبدع محتويات.‎ المشاركة الكثيفة من خلال نشر المواد الخاصة بهم هي مصدر نمو الشركة، يكتشف أناس المُنتجات والقيمة الكبيرة التي يبدعونها من خلال أشخاص آخرين. وفوق كل هذا فإن GoPro هي شركة عرفت إلى أين السوق يتجه، فهمت الاختلاف الرئيسي في ثقافة التصوير (التغيير الذي بدأ من الهواتف الذكية) وضغط بقوة على ما يريده الناس بقوة: توثيق أنفسهم بأفضل صورة في كل لحظات حياتهم الرائعة.

نُشرت هذه المقالة لأول مرة في موقع هآرتس