خلال الحرب الأهلية في سوريا، وجد تنظيمان تابعان للقاعدة مقرًّا لهما بين تنظيمات الثوار، الذين يقاتلون لإسقاط نظام بشّار الأسد. الأبرز بينهما هو جبهة النصرة، الخاضعة اليوم مباشرةً لزعيم القاعدة أيمن الظواهري. إلى جانبها يعمل تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، والتابع لتنظيم القاعدة في العراق. إضافةً إليهما، تنشط في سوريا اليوم تنظيمات عسكرية جهادية – سلفية، ليست محسوبة بالضرورة على القاعدة. عدد الناشطين في شعبتَي القاعدة في سوريا يُقدّر بستة آلاف إلى سبعة آلاف شخص، وهو في تزايد مستمر حسب تقدير المركز الإسرائيلي للاستخبارات والإرهاب.

بين فرعَي القاعدة في سوريا، جبهة النصرة هي التنظيم الأبرز. تمّ الإعلان عن إنشاء التنظيم في نهاية كانون الثاني 2012، بعد نحو عشرة أشهر من اندلاع الانتفاضة في سوريا. في البداية، عمل التنظيم كفرع لـ "الدولة الإسلامية في العراق"، إطار تابع لتنظيم القاعدة في العراق. وبهدف تصديق ذلك رسميًّا، أعلن أبو بكر البغدادي، زعيم القاعدة في العراق في نيسان 2013 عن توحيد التنظيمَين في تنظيم واحد أُطلق عليه اسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام". لكنّ جبهة النصرة لم تحترم هذا الإعلان، الذي أُلغي رسميا في حزيران 2013 من قبل أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، الذي قرّر أنّ جبهة النصرة هي ممثله الرسمي في سوريا. وكنتيجة لذلك، بدأ انقسام بين شقَّي القاعدة في سوريا، واليوم يعمل في سوريا تنظيمان متنافسان ينازع أحدهما الآخر.

من الناحية الأيديولوجية، تُحسَب جبهة النصرة على الأيديولوجية الجهادية السلفية لتنظيم القاعدة. وهي تسعى إلى إقامة خلافة إسلامية في سوريا الكبرى (الشام الذي يشمل أراضي سوريا، لبنان، الأردن، إسرائيل، وفلسطين)، يجري الاحتكام فيها إلى الشريعة الإسلامية. جبهة النصرة معادية للغرب ولإسرائيل، ترفض القيم الغربية (الديمقراطية، التعددية، وحرية العبادة)، وبالتالي تعارض كل تدخل غربي أو دولي في الحرب الأهلية في سوريا. تعادي جبهة النصرة كذلك طوائف الأقليات في سوريا، لا سيّما العلويين والشيعة، الذين تعتبرهم كفّارًا. وهي تبرز الجهاد بصفته طريقة العمل المختارة لإسقاط النظام السوري وتطبيق باقي أهدافها، وتراه واجبًا شخصيًّا على كل مسلم (بوحي من عبد الله عزام، المرشد الأيديولوجي لبن لادن).

يسعى كلٌّ من جبهة النصرة، ممثلة القاعدة في سوريا، و"الدولة الإسلامية في العراق والشام"، التي تعمل خلافًا لتوجيهات أيمن الظواهري (كل على حدة) لدعم استراتيجية طويلة المدى ومتعددة المراحل: المرحلة الأولى من عملهم تهدف إلى امتلاك سلطة بين مجموعات المتمردين ووضع الأساس لبنية تحتية جهادية صلبة، تساعد على إسقاط نظام بشار الأسد، وذلك بتعاون (ولو جزئي وعَرَضي) مع مجموعات ثوّار أخرى، لا سيّما مجموعات ذات طابع إسلامي. في المرحلة الثانية، يطمح الفريقان إلى السيطرة على النظام السوري الجديد الذي سينشأ بتوحيد كل القوى الجهادية – السلفية الناشطة في دمشق، أو على الأقل امتلاك تأثير كبير فيه. حسب رأيهم، سيسعى النظام السوري، الذي سينشأ في دمشق (أو أي نظام آخر يكون للجهاديين تأثير عليه) إلى إقامة خلافة إسلامية في سوريا الكبرى، تشكّل فرعًا أماميًّا للقاعدة والجهاد العالمي في لُبّ الشرق الأوسط. وسيدير فرع القاعدة هذا منظومة إرهابية ضدّ إسرائيل من جبهة هضبة الجولان، "تُصدّر" الإرهاب للدول الغربية ولدول أخرى في أرجاء العالم، وتشكّل مركز تآمُر وإرهاب ضدّ دول عربية وإسلامية موالية للغرب.

مجاهد في صفوف جبهة النصرة في سوريا (AFP)

مجاهد في صفوف جبهة النصرة في سوريا (AFP)

تقدير القدرات العسكرية لجبهة النصرة

جبهة النصرة هي التنظيم الأبرز بين عدّة تنظيمات جهادية سلفية تشارك بشكل فاعل في الحرب الأهلية السورية. على رأسها زعيم، يُدعى "الأمير"، وهو لقب متعارَف عليه في التنظيمات الجهادية المعاصرة. معنى هذا اللقب هو أنّ القائد هو شخصية سياسية ودينية في آن واحد، كما كان في بداية الإسلام. يخضع للأمير "أمراء" محليون، في المحافظات والمدن السورية (أحيانًا يحكم عدة "أمراء في المحافظة نفسها). تُدعى الهيئة الأعلى لجبهة النصرة "مجلسّ شورى المجاهدين". في القيادة العليا لجبهة النصرة هناك هيئات دنيا ذات أهداف محددة وناشطون يعملون في العمليات، تجنيد الأموال، امتلاك وسائل القتال وتهريبها إلى سوريا، الشؤون الدينية، الإعلام، والعلاقات الخارجية. تشغّل قيادة جبهة النصرة أطرًا عسكرية في المحافظات المختلفة (وحدات عسكرية تُدعى غالبًا "ألوية" و"كتائب"). إلى جانبها تعمل أجهزة حاكمة، شرعية، وإعلامية، يهدف عملها إلى تقوية تأثير جبهة النصرة على السكان، استمالة ولائهم، وملء "الفراغ" الناتج عن مغادرة النظام السوري مناطق واسعة من سوريا.

قائد جماعة جبهة النصرة هو مقاتل ميداني خبير، يُكنّى "أبا محمد الجولاني" (ثمة صيغ عديدة لاسمه الحقيقي تناقض إحداها الأخرى، ولا يمكن التأكد منها). هو إذًا ناشط، أصله سوري كما يبدو (من هضبة الجولان؟)، راكم خبرة عملياتية في العراق في الحرب ضدّ الولايات المتحدة وحلفائها، كان يُعتبَر في الماضي من مناصري أبي مصعب الزرقاوي، الذي كان يترأس المجاهدين الذين أرسلتهم القاعدة إلى العراق إثر الغزو الأمريكي (آذار 2003). أرسلت القاعدة في العراق أبا محمّد الجولاني إلى سوريا لينشئ فيها جبهة النصرة. في قيادة جبهة النصرة يبرز نشطاء آخرون في القاعدة، امتلكوا هم أيضًا خبرة عملياتية في العراق. وإضافةً إليهم، يقاتل ضمن التنظيم آلاف الناشطين الجهاديين من دول عربية/ إسلامية (يبرز بينهم 500 – 600 ناشط من الدول الأوروبية، لا سيّما فرنسا وبريطانيا). ويُتوقع أن يعود من يبقى منهم إلى مواطنهم بعد فترة القتال في سوريا (يٌقدَّر عدد الناشطين الأجانب في سوريا اليوم بنحو 5 آلاف، معظمهم ناشطون ضمن جبهة النصرة).

أعلنت جبهة النصرة مسؤوليتها عن مئات التفجيرات التي نفذتها. مراكز النشاط العسكري لجبهة النصرة و “الدولة الإسلامية في العراق والشام” هي منطقة دمشق ومناطق شمال سوريا وشرقها (حلب، حمص، حماة، إدلب، ودير الزور). كذلك، لدى جبهة النصرة نشاط عسكري مكثّف في منطقة درعا، جنوب سوريا، حيث بدأت الانتفاضة ضدّ نظام الأسد. في عدد من محافظات شمالي سوريا وشرقيها، يحظى التنظيم بقدر كبير من التأثير على السكان المحليين (بالتعاون مع تنظيمات إسلامية أخرى). بالمقابل، ليس لجبهة النصرة والتنظيمات الجهادية الأخرى حضور عسكري أو إداريّ يُذكَر في الساحل، حيث يقطن العلويون (طرطوس – اللاذقية)، أو في محافظة السويداء، حيث الطائفة الدرزية حاضرة بقوّة. تحاول جبهة النصرة الاستقرار في هضبة الجولان أيضًا. نظّن أنها ليست لديها هناك قوة عسكرية تُذكَر حاليًّا، رغم أنها تمكنت مرةً من تنفيذ تفجير انتحاري، ألحق الضرر برمز حكومي هامّ للنظام السوري (تفجير مبنى في بلدة سعسع، كان مقرًّأ لفرع الاستخبارات العسكرية لمحافظة القنيطرة).

في المحافظات المذكورة آنفًا، تخوض جبهة النصرة حرب عصابات وإرهابًا ضدّ قواعد، منشآت، وشخصيات محسوبة على الجيش السوري والنظام السوري (لا سيّما الجيش والقوى الأمنية والمؤسسات الحكومية). هدف هذا النشاط هو خلق فوضى بين النظام والموالين له، الفصل بين المناطق التي يسيطر عليها النظام، المسّ بقدرة النظام ومؤيديه على الحُكم، ومنح جبهة النصرة (ومجموعات متمردة أخرى) سلطةً على مناطق نفوذ واسعة، لا سيّما شمال سوريا وشرقها. لذلك، تستخدم جبهة النصرة تكتيكات قتال متنوعة: تفجير سيارات مفخخة عبر إرهابيين انتحاريين أو عبر جهاز تحكم عن بُعد؛ تفجيرات انتحارية عبر أحزمة ناسفة؛ مهاجمة قواعد، منشآت، ومطارات عبر إطلاق نار بسلاح خفيف ومدافع هاون؛ وضع عبوات ناسفة في محاور سير مركزية (نمط عمل "اختصّ" فيه نشطاء التنظيم في العراق)؛ ومهاجمة حواجز للجيش وقوى الأمن.

إنّ التفجيرات الانتحارية التي تنفّذها جبهة النصرة في سوريا هي ما يميّزها (أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن معظم التفجيرات الانتحاريّة). منحت التفجيرات الانتحارية، لا سيّما تلك التي نُفّذت في دمشق وحلب، جبهة النصرة "قيمةً مضافة" في الجانب العملياتي، كما آلمت النظام السوري. مع ذلك، فإنّ هذه العمليات، حتى عندما نجحت، أعطت انطباعًا سلبيًّا عن الجبهة. فقد زادت من خشية الدول الغربية والدول العربية من تسلّل عناصر القاعدة إلى صفوف الثوّار، وقلّلت من استعدادهم لدعم معارضي النظام السوري. كما أنّ هذه العمليات الانتحارية لجبهة النصرة تُبعد عنها أجزاء من الشعب السوري، إذ إنّ التفجيرات لا تميّز، وقد قُتل في عددٍ منها مواطنون أبرياء، صودف وجودهم في مكان التفجير. يبدو أنّ طريقة العمل هذه "استُعيرت" من الصراع في العراق، الذي يتميّز منذُ سنوات بعمليات انتحارية تنفذها القاعدة في العراق، التنظيم المشرف على جبهة النُّصرة.

تتعاون جبهة النصرة وتنظيمات جهادية – سلفية أخرى مع مجموعات ثوار ذات طابع إسلامي، ليس بالضرورة تلك المحسوبة على فكر القاعدة. كذلك يتم التعاون، لتحقيق هدف مشترك، بينها وبين الجيش السوري الحر، التنظيم الأبرز في القتال ضدّ النظام السوري، ذي الطابع السوري الوطني العلماني (رغم أنّ كثيرين من ذوي الهوية الإسلامية الواضحة يقاتلون في صفوفه). في عدة أماكن، ثمة تعاون عسكري بين جبهة النصرة وبين الدولة الإسلامية في العراق والشام، رغم الخصومة بينهما. بالتباين، ثمة توتر بين جبهة النصرة وتنظيمات جهاديّة سلفيّة أخرى من جهة وبين الجيش السوري الحُرّ من جهة أخرى، تحوّلت إلى حوادث عنيفة في عدة حالات. كذلك، ثمة اضطرابات بين التنظيمات الجهادية نفسها. في هذه المرحلة، ما دام القتال ضدّ النظام السوري – العدو المشترك – قائمًا، يفضّل شركاء الثورة احتواء التناقضات الأساسية ومنع تحوّلها إلى مواجهة شاملة. لكن، في "اليوم التالي"، وربما قبل ذلك، قد تتطوّر في سوريا صراعات عنيفة على السلطة، حول هوية النظام السوري العتيد، الذي ستلعب فيه جبهة النصرة دورًا هامًّا.

المساعدة المدنية للسكان السوريين

تحول عدد من مناطق شمال سوريا وشرقها، التي سقطت بيدَي جبهة النصرة ومجموعات متمردة أخرى إلى ما يُدعى "مناطق محرّرة". تنسب جبهة النصرة أهمية كبرى لتقديم العون للسكان في هذه المناطق ولوضع الأسس لبديل حكومي في هذه المناطق، غير الخاضعة حاليًّا لسيادة النظام السوري. وبهدف جعل المساعدة أكثر نجاعةً وتفعيل الخدمات العامة، أقامت جبهة النصرة هيئات ذات أهداف محدّدة، تعمل في المحافظات المختلفة. تعمل هذه الهيئات في توزيع الطعام، الملابس، البطانيات، ومنتجات استهلاكية أخرى، وفي تفعيل أنظمة قضاء، شرطة، تربية، وصحة. وتحدث مراسلون غربيون، زاروا "المناطق المحرّرة" عن رضى السكان في معظم الحالات من عودة الحياة اليومية إلى طبيعتها، بعد انسحاب النظام السوري. لكن، في عدة أماكن، بدأت تُسمَع الانتقادات من جانب السكان، بشكل خاصّ بسبب تطبيق قواعد سلوك إسلامية متشدّدة (الحفاظ على لباس محتشم للنساء، مثلًا) وأنماط سلوك وحشية (التحكم بالموارد، إعدام الأسرى، إساءة معاملة أبناء الأقليات الدينية).

في شمال سوريا وشرقها، تمكنت جبهة النصرة وحلفاؤها من السيطرة على بنى تحتية حكومية حيوية: مطارات، أنابيب نفط وغاز، سدود، محطات طاقة لإنتاج الكهرباء، ومخازن محاصيل. تستفيد جبهة النصرة ومجموعات متمردة أخرى من هذه البنى التحتية، وأحيانًا باتفاقات هادئة مع النظام السوري (مثلًا، بيع نفط وغاز للنظام الذي يقاتلون ضدّه). توفّر الأرباح المالية الناتجة (لا سيّما من حقول النفط) دخلًا شهريًّا مرتفعًا لجبهة النصرة، يعينها على تمويل دفع الرواتب، شراء وسائل القاتل، وتقديم الدعم للسكّان.

مقاتلو جبهة النصرة (AFP)

مقاتلو جبهة النصرة (AFP)

تقدير الأخطار المحتملة على إسرائيل، الغرب، والدول العربية والإسلامية الموالية للغرب

خلال الحرب الأهلية، تحولت سوريا إلى مغناطيس لناشطي القاعدة والجهاد العالمي، ولا يزال انتقال الناشطين إليها جاريًا. انضمّ ناشطون جهاديون، أتوا إلى سوريا من العراق، دول عربيّة/ إسلامية أخرى، ودول غربية، إلى الناشطين المحليين، وأنشؤوا أطرًا عسكريّة جهاديّة. تبرز بين هذه الأطر جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام، تنظيمان تابعان للقاعدة. انضم قسم من المتطوعين للجيش السوري الحر ولأطر عسكرية إسلامية أخرى، غير محسوبة على القاعدة أو الجهاد العالمي. وانتقل بعضهم من إطار عسكري إلى آخر، ليصلوا في النهاية إلى التنظيمات الجهادية ذات القدرات العملياتية المطوّرة وقدرة الجذب الأيديولوجية. في هذه المرحلة من الصعب التقدير كيف ستنتهي الحرب الأهلية، ماذا ستكون القوة النسبية لجبهة النصرة وباقي التنظيمات الجهادية بين الثوار، ماذا سيكون توازن القوى بين التنظيمات المحسوبة على الجهاد العالمي وتلك السورية الوطنية أو السورية الإسلامية، وكيف ستؤثر أحداث "الموجة الثانية" من الاضطراب الإقليمي (مصر) على قوة التنظيمات المختلفة وعلى التطورات في الحرب الأهلية السورية.

على أية حال، في الوقت الحالي (صيف 2013)، فإنّ جبهة النصرة، المعرّفة كمنظمة إرهابية في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، هي أحد أبرز التنظيمات بين الثوار، حيث تزداد القدرات العملياتية للجبهة وتأثيرها في السكّان. في هذه الأثناء، يعطي التنظيم الأولوية للقتال ضدّ النظام السوري حتّى إسقاطه على تحكيم الشريعة الإسلامية في سوريا وتعزيز جدول أعمال جهادي - إرهابي، إقليميًّا ودوليًّا. لذلك تنتهج الجبهة، في الغالب، سياسة براغماتية، تسعى في إطارها إلى التحالف مع مجموعات متمردة أخرى (كذلك تلك البعيدة كليًّا عن القاعدة)، تمتنع عادةً عن فرض وجهة نظرها بالقوة على المواطنين السوريين في الأماكن التي احتلتها، وتبذل جهودًا دؤوبة لمساعدة السكان المحليين وملء الفراغ في السلطة، الناتج في "المناطق المحرَّرة".

لكن، على المدى المتوسط والبعيد، يُتوقّع أن تحاول جبهة النصرة وتنظيمات جهادية سلفية أخرى الاستيلاء على الثورة السورية (إن نجحت) في طريقها لتحقيق حلمها في الخلافة الإسلامية في سوريا الكبرى. وحسب تقديرنا، فإنّ تحقيق هذا الهدف الأسمى تحول دونه صعوبات عديدة، كنتيجة للطابع السياسي والاجتماعي لسوريا كدولة متعددة المذاهب والأديان، وذات تقليد سلطوي وأيديولوجي من القومية العربية أو السورية العلمانية. ويمكن أن نضيف إلى ذلك الشرخ الكبير القائم بين المجموعات الإسلامية الناشطة في سوريا، حتى بين المجموعات المحسوبة على القاعدة. نتيجة لذلك، يمكن التقدير أنّ حظوظ جبهة النصرة بالسيطرة على الثورة السورية وإقامة نظام سوري محسوب على تنظيم القاعدة ليست مرتفعة. لكن مع ذلك، نعتقد أنّ في وسع التنظيم جمعَ قوة والتحوّل إلى لاعب مركزيّ في "اليوم التالي" أيضًا، لا يمكن تجاهله، ويصعب جدًّا سحقه.

كذلك اليوم، تبرز جبهة النصرة بين مجموعات الثوار لقدراتها العسكرية والمالية، الجهاز القيادي والسلطوي الجيد، والالتزام الأيديولوجي العميق لناشطيها. بناءً على ذلك، حتى لو لم تسيطر جبهة النصرة على الثورة، فستكون، حسب تقديراتنا، لاعبًا هامًّا يزيد الطابع الديني/ المذهبي للثورة، يساهم في إنتاج عدم استقرار متواصل، ويصعّب قدرة حُكم أي نظام سوري (سواء كان نظام الأسد مُضعّفًا أم نظامًا يتكئ على تحالف هش لتنظيمات المتمردين). في السيناريو المعقول لحُكم واهن لسنوات طويلة من المركز السلطوي في دمشق، يمكن أن تخرج جبهة النصرة أكثر قوة، وذات تأثير أكبر على ما يجري في سوريا.وستسعى الجبهة إلى استغلال موقعها هذا من أجل تحقيق هدفها الأسمى (وذاك الذي لقيادة القاعدة): تحويل سوريا إلى قاعدة أمامية لتنظيم القاعدة في لُبّ الشرق الأوسط، قرب إسرائيل، أوروبا، والدول العربية والإسلامية الموالية للغرب.

حلب, سوريا (LOUAI ABO AL-JOD / AFP)

حلب, سوريا (LOUAI ABO AL-JOD / AFP)

عملية زيادة قوة جبهة النصرة في سوريا (حتى دون تولّي السلطة و"الاستيلاء على الثورة") تحمل في طياتها إمكانية تهديدات، إقليمية ودولية، أساسها:

أ. تحويل سوريا ودول أخرى على حدود إسرائيل إلى مراكز إرهابية للجهاد العالمي ضدّ إسرائيل:
1‏) على المستوى الأيديولوجي لا مكان لدولة إسرائيل حسب رؤية جبهة النصرة والتنظيمات الجهاديّة الأخرى. الدولة الإسلامية، التي ستنشأ على أراضي سوريا الكبرى (بلاد الشام)، يُتوقّع أن تضم سوريا، الأردن، لبنان، و"فلسطين". في الفيلم الأول، الذي نشره التنظيم بعد إنشائه، تظهر صورة لقبة الصخرة في القدس، مرفوعة عليها أعلام جبهة النصرة وأعلام الجهاد العالمي. وصرّح أيمن الظواهري، زعيم القاعدة (في 12 شباط 2012) أنه بعد إسقاط النظام السوري ستتحول سوريا إلى قاعدة انطلاق للحرب الجهادية، التي تهدف إلى "إقامة دولة تحمي أراضي المسلمين وتسعى إلى تحرير الجولان ومواصلة الجهاد حتى رفع رايات النصر فوق جبال القدس المحتلّة".وأطلق ناشطون آخرون في جبهة النصرة تصريحات مماثلة.

2‏) على المستوى العملي يُتوقّع أن تسعى جبهة النصرة إلى إنشاء بنية تحتية إرهابية عملياتية في هضبة الجولان، كتتمة للبنية التحتية العسكرية التي تبنيها حاليا في منطقة درعا، جنوب سوريا. حسب تقديراتنا، سيسعى إلى الانضمام للنشاط الإرهابي من هضبة الجولان كل من حزب الله والتنظيمات الإرهابية الفلسطينية، رغم الخلافات الجوهرية السائدة بينها وبين جبهة النصرة وباقي تنظيمات الجهاد العالمي. إضافةً إلى ذلك، فحسب تقديراتنا، ستسعى جبهة النصرة إلى الانضمام إلى تنظيمات جهادية في دول مجاورة لإسرائيل، بهدف دعم أعمال إرهابية للجهاد العالمي ضدّ إسرائيل منها، مثل أنصار بيت المقدس في شبه جزيرة سيناء، مجلس شورى المجاهدين في أطراف القدس، وكتائب عبد الله عزام في لبنان.

ب. الاستيلاء على وسائل قتالية متقدمة للنظام السوري، بينها السلاح الكيميائي: تبذل جبهة النصرة وتنظيمات جهادية أخرى جهودًا متواصلة للسيطرة على مخازن سلاح تابعة للنظام السوري. كلما قلت قوة السلطة في سوريا وقدرتها على الُحكم، يُحتمَل أن تقع وسائل قتالية للجيش السوري، بما فيها أسلحة متقدمة، بين أيدي الجهاديين. كذلك، يمكن أن "تتدحرج" إلى أيديهم وسائل قتالية تُزوّد للجيش السوري الحر وتنظيمات إضافيّة لها صلات بالغرب[3]. كذلك، كلّما ضعف النظام السوري، يُحتمَل أن تقع مخازين سلاح كيميائي وبيولوجي للنظام السوري بين يدَي جبهة النصرة وتنظيمات جهاديّة أخرى.يمكن أن تقوم هذه التنظيمات باستخدام هذه الأسلحة لأهداف إرهابيّة، دون اعتبارات كابحة تضبط سلوك تنظيمات إرهابيّة أخرى، مثل حزب الله أو المنظمات الإرهابية الفلسطينية. إضافةَ إلى ذلك، فإنّ وسائل قتالية، مصدرها سوريا، يمكن أن تنتقل إلى ساحات أخرى للعمل الإرهابي حسب النموذج الليبي (وَجدت وسائل قتالية سُلبت من مخازن النظام الليبي طريقها إلى مراكز للعمل الإرهابي).

ج. "تصدير الإرهاب" للدول الغربية: بعد اكتسابهم خبرة عملياتية ومهارات قتالية في سوريا، يمكن أن ينشئ الناشطون الجهاديون بنى تحتية إرهابية ويبادروا إلى عمليّات إرهابية في مواطنهم. ويمكن أن يجري ذلك بمبادرتهم أو بتوجيه من جبهة النصرة وتنظيمات جهاديّة أخرى (عملًا بالنموذج الأفغاني في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي). وتطرّق بشار الأسد إلى هذا التهديد المحتمَل في مقابلة مع الصحيفة الألمانية ‏Frankfurter Allgemeine ‎‏ (17 حزيران 2013)، حيث حذّر الاتحاد الأوروبي من تكرار سيناريو أفغانستان، قائلًا: "إذا زوّد الأوروبيون أسلحة، فستصبح الساحة الخلفية لأوروبا ملاذًا للإرهاب، وستدفع أوروبا ثمن ذلك".

د. مركز إقليمي للإرهاب والتدمير: يمكن أن يشكّل مركزٌ جهادي في سوريا خطرًا بالنسبة للدول العربية أو الإسلامية الموالية للغرب.فدول مثل الأردن، السعودية، قطر، ومصر، تدعم الثورة على بشار الأسد، يمكن أن تجد نفسها "في اليوم التالي" هدفًا للتدمير والإرهاب، اللذَين مصدرهما سوريا[4]. يمكن أن تتعاون تنظيمات الجهاد العالمي الفاعلة في سوريا مع تنظيمات جهادية سلفية في دول عربيّة/ إسلاميّة في مؤامرات ضدّ الأنظمة المختلفة. من الجدير بالذّكر أنّ ازدياد قوة جبهة النصرة وباقي التنظيمات الجهادية في سوريا، والطابع المذهبي الإسلامي السني البارز لقتالها، بدآ ينعكسان على لبنان ويثيران اضطرابات بين السنة والشيعة في العالم العربي والإسلامي.

تعي الولايات المتحدة جيّدًا هذه التهديدات المحتمَلة. ففي 6 آب 2013، أجرى مايكل موريل، نائب رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (‏CIA‏) المستقيل، مقابلة مع وول ستريت جورنال، وصف فيها الأزمة في سوريا بأنهّا التحدي الرئيسي، الذي تقف الولايات المتحدة في مواجهته اليوم.فقد حذّر من أنّ انهيار النظام السوري، بما فيه مخزون السلاح الكيميائي والوسائل القتالية المتقدمة التي في حوزته، يمكن أن يؤدي إلى تحوّل سوريا إلى ملاذ آمن يحلّ محلّ باكستان. وأضاف أنّ ثمة إمكانية أن "يتسرّب" العنف في سوريا إلى جيرانها أيضًا: لبنان، الأردن، والعراق (‏6 آب 2013، ‏online.wsj.com‏).