ذكرت القناة الإخبارية i24news اليوم أن مجموعة من المتمردين الإسلاميين التابعين لجبهة النصرة في سوريا قد وضعوا أيديهم على كتب توراة ومقتنيات يهودية أخرى أخذت من الكنيس القديم في دمشق، وتطلب مقابلها الإفراج عن سجناء تم القبض عليهم من قبل حكومة الأسد.

وتشكل المقتنيات إرثا ثقافيًا مهمًا وتاريخيًا سواء بالنسبة للسوريين واليهود على حد سواء، وتقدر قيمتها بملايين الدولارات. وتعود أصول هذه المقتنيات إلى الجاليات اليهودية التي عاشت في سوريا لمئات بل الآلاف السنين. وقد تواجدت الجالية اليهودية في دمشق وحلب منذ المئة السادسة قبل الميلاد. وتظهر شهادات من القرن الثاني عشر (للمستكشف بنيامين متودلا) أنه كان هناك 5000 يهودي عاشوا في حلب وحدها، وعاش اليهود في فترة السيطرة المملوكية والمغولية على سوريا فترة صعبة جدًا. في فترات متأخرة أكثر، كالعهد العثماني، حيث نال اليهود معاملة جيدة، نجحت الجالية في إعادة بناء نفسها، وتوسعت أيضًا من خلال اليهود الذين أتوا من أوروبا في أعقاب طرد يهود إسبانيا، حتى وصل الأمر إلى وجود قرابة 30,000 يهودي في منتصف القرن العشرين.

ومع ذلك، فمع قرار الأمم المتحدة بخصوص تقسيم أرض فلسطين عام 1947، قام سكان سوريا بأعمال شغب ضد اليهود. أحرقت الكنس اليهودية في حلب، وأغلق اليهود بيوتهم على أنفسهم خائفين. وبعد المضايقات، ومع إقامة دولة إسرائيل بدأ يهود سوريا مغادرتها. لم تسمح القيود التي وضعتها السلطات السورية يومئذ لكل اليهود بالمغادرة. في سنوات التسعينات سمح الرئيس السوري، حافظ الأسد، لقرابة 4000 من يهود سوريا بالهجرة من البلاد، لكن دون أن يهاجروا إلى إسرائيل. في عام 2002 قُدّر عدد يهود سوريا جميعهم بمئة شخص فقط.

زفاف يهودي في حلب، عام 1914

زفاف يهودي في حلب، عام 1914

ولكن رغم مغادرتهم، ترك يهود سوريا وراءهم بصمة ثقافية واضحة. الكنيس الكبير في حلب، الذي أقيم في المئة التاسعة وتأثر بالهندسة المعمارية الإسلامية، وهو مبنى تاريخي ورمز من رموز المدينة على مرّ السنين. وعلى مرّ التاريخ تعرّض الكنيس لأضرار كبيرة. ومع ذلك، لا زال منتصبًا في مكانه وحظي لزمن طويل بحماية السلطات. تم ترميم الكنيس جزئيًا في عام 1992 بتمويل من يهود المدينة، ولكنه ليس مستخدمًا منذ سنوات طويلة. وفي الحائط الجنوبي – الشرقي للكنيس تم بناء جناح يمثل اتجاه مدينة القدس. وقد سميت هذه القاعة بـ "قاعة إلياهو" أو "مغارة إلياهو"، وتم فيها الاحتفاظ بالكتب المقدسة اليهودية و"مخطوطة حلب".

مخطوطة حلب هي مخطوطة من الكتاب المقدس، كتبت وفق التقديرات في قرابة العام 920. ويرى الباحثون في الكتاب المقدس بأن هذه المخطوطة تعتبر النسخة الأكثر دقة، وقد قرّر نص المخطوطة نصّ الكتاب المقدس منذ كتابته. انتقل الكتاب بين جاليات يهودية مختلفة، فقد كان في البداية في القدس والقاهرة ثم مع انتهاء القرن الرابع عشر تم تسليمه إلى يهود حلب.  مكثت المخطوطة لمدة 600 عام في الكنيس الكبير في حلب، حتى اختفت عام 1947. وبعد مرور عشر سنوات وصلت المخطوطة وهي ممزقة وناقصة إلى أيدي رئيس دولة إسرائيل، وهي معروضة حاليًا في متحف الكتاب في متحف إسرائيل في القدس.

في شهر آذار الأخير تمت سرقة ونهب الكنيس الكبير في دمشق، والذي بني قبل أكثر من 2000 عام، كجزء من معارك الحرب السورية بين المتمردين وجيش الأسد. وبطبيعة الحال، فمن المفترض اليوم أن تكون الكنوز الثقافية التي كانت فيه محفوظة بيد المتمردين من جبهة النصرة. وقد قدمّ هذا التقرير مصدر مجهول لموقع “The Times of Israel”، والذي قال إن المتمردين نهبوا على الأقل ثلاثة أو أربعة كتب من التوراة، وكذلك كتبا يهودية قديمة وأدوات فضية. "لقد أخذوا كل ما استطاعوا أن يضعوا أيديهم عليه، والآن يطالبون بالإفراج عن سجناء لدى نظام الأسد"، هكذا قال المصدر.

في الوقت الراهن ليس واضحًا كيف سيرد الأسد على مطالب المتمردين، وإذا ما كانت القيمة الثقافية والاقتصادية لهذه المقتنيات التي بحوزتهم كافية من أجل إنقاذها. في الوقت نفسه تستمر الحرب في سوريا، ويستمر نظام الأسد بالهجوم من خلال القصف الجوي على المناطق التي تقع تحت سيطرة المتمردين. ووفقا لتقارير نشطاء في حلب فقد قتل في نهاية الأسبوع 76 شخصًا على الأقل، بينهم 28 طفلا.