يسكن الكاهن في بغداد وشاهد كيف يتم ذبح أبناء الطائفة المسيحية في العراق على يد مقاتلي الدولة الإسلامية، "داعش". الكاهن البريطاني آندرو وايت (Andrew white) معروف جدًا في العراق، فهو من قادة الأقلية المسيحية البارزين في بغداد. صمد خلال حكم نظام صدام حسين الدكتاتوري، عمل بشكل دؤوب على التقريب بين الطوائف خلال الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003 وهذه المرة يؤمن أن نهاية الأقليات الإثنية والدينية في العراق ستكون مريعة. يزور في هذه الفترة إسرائيل وخلال مقابلة معه لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، الصحيفة الأكثر انتشارًا في إسرائيل، تحدث الكاهن عن الخداع العالمي "هل تعرف ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ قطعوا رؤوس أفراد أبرشيتي ولم يكتب أحدًا عن ذلك (في الصحف)".

يعيش هناك منذ 16 عامًا، معظم الوقت داخل منطقة محصنة تضم كنيسة القديس جورج في وسط بغداد. في البداية تحت حكم صدام حسين، ومن ثم تحت الاحتلال الأمريكي ووصولاً إلى الحرب الأهلية المندلعة هناك والتي لا يبدو أن هناك نهاية قريبة لها. كان يُعتبر الكاهن صوت الجالية المسيحية في الدولة - واحدة من الجاليات المسيحية الأقدم في العالم، التي اختفت اليوم تمامًا بعد أن هاجر معظم المسيحيين من هناك.

قدّم وايت خدماته أيضًا للكثير من الجنود الأمريكيين الذين خدموا في بغداد، وأطلقت عليه وسائل الإعلام العالمية لقب "كاهن بغداد" (Vicar Of Baghdad)، وهذا لقب شرف لمن يُعتبر رسولاً هاماً للكنيسة.

واجه وايت كل المخاطر الممكنة: قُبض عليه، ضُرب وتم إصدار فتاوى بحقه من قِبل رجال دين مسلمين. رأى أصدقاء له وجماعات كاملة تُمحى عن وجه الأرض بسبب العمليات الإرهابية المتوحشة في الدولة في ذروة الصراع المسلح بين الجماعات السنية والشيعية في العراق. كان أحيانًا يخضع لحماية من قبل أكثر من 30 عنصرًا ولكن وايت استمر بخدمة أبناء طائفته ومساعدة الكثير من المسلمين الذين التجأوا إليه لسنوات طويلة. أنشأ عيادة لعلاج الأسنان وتقديم المساعدة الطبية، مدرسة للأطفال، حاول التقريب بين الطوائف من خلال عقد لقاءات كثيرة ومشحونة وعمل بالتحديد على الحفاظ على ما تبقى من أبناء الطائفة المسيحية الصغيرة والقديمة التي بقيت في بغداد. فعل كل ذلك رغم معاناته مع مرض ضمور الشرايين ورغم وجود زوجته وأولاده بعيدًا عنه، في وطنه، بريطانيا. بقي في العراق الممزق حتى هذه اللحظة، لحظة بدأ تنظيم داعش يعيث الخراب ويقطع رأس كل من لا يعتنق الإسلام.

ما رأيه بإسرائيل؟

تجمع وايت علاقة قوية بإسرائيل. درس الكهنوت هنا وأيضًا كان طالبًا في الجامعة العبرية في القدس قبل أن ينتقل إلى العراق عام 1998. وذكر في مقابلته مع صحيفة "يديعوت أحرونوت": "السبب الوحيد الذي دفعني للذهاب إلى العراق هي أنني كنت في القدس وتم إرسالي إلى بغداد من قبل الكنيسة. بقيت هناك 16 عامًا وتجاوزت كل الصعاب".

الكاهن آندرو وايت في الزاوية اليسرى من الصورة خلال لقاء يهدف للتقريب بين الطوائف في بغداد (AFP)

الكاهن آندرو وايت في الزاوية اليسرى من الصورة خلال لقاء يهدف للتقريب بين الطوائف في بغداد (AFP)

ينظر وايت نظرة خوف على ما يحدث في المكان الذي كان يومًا بيته "ما يحدث هناك مأساة... فوضى عارمة. هرب نصف أبناء الطائفة المسيحية الذين بقوا في شمال العراق - نتحدث عن ربع مليون إنسان؛ مليون إنسان إذا أحصينا أيضًا اليزيديين وأبناء الأقليات الأُخرى الذين يلاحقهم تنظيم داعش، من بيوتهم. خسروا كل شيء: بيوتهم، أعمالهم، عائلاتهم".

لدى وايت انتقادات شديدة على تعامل الأنظمة والدول الغربية مع المسألة إذ يقول إنهم تذكروا في وقت متأخر جدًا أن هناك خطر إبادة يتهدد الكثير من الأشخاص في العراق. وجه كلامًا شديد اللهجة للدول الغربية على تقاعسها عن محاربة داعش وقال خلال المقابلة: "الغرب قال لا بأس، يمكننا التعامل مع داعش. سنُلقي عليهم بعض القنابل، سنلقي بعض إمدادات الطعام للاجئين، وفقط". فقط ليقولوا إنهم فعلوا شيئًا. لا أقول إن ما يحدث في العراق اليوم هو ما حدث في الهولوكوست. كانت الكارثة شيئًا ليس استثنائيًا. ولكن بدأت الأمور هناك تشير وتُذكر بما حدث في الهولوكوست".

لاجئون مسيحيون في العراق (AFP)

لاجئون مسيحيون في العراق (AFP)

تطرق أيضًا، كونه الآن في إسرائيل، لعملية "الجرف الصامد" ولحرب الصيف الأخير بين إسرائيل وحماس. "هذا لا يُصدّق. عندما ترى كيف تناولت وسائل الإعلام البريطانية والعالمية مسألة العملية العسكرية على غزة بينما كان المسيحيون يُذبحون في العراق"، قال وايت. إجابته على سؤال إن كان موافقًا على مقولة إن آخر عملية عسكرية شنتها إسرائيل ضد حماس كانت ضرورية كان: "بالتأكيد. أعتقد أن ما حدث في غزة كان يجب أن يحدث. لا يمكن أبدًا مهاجمة دولة ما وقتل مواطنيها، كما فعلت حماس، والاعتقاد أن الأمور ستمر بسلام. إسرائيل هي الدولة الوحيدة الديمقراطية في الشرق الأوسط ولهذا لن يفهموها".

وفي رده على سؤال إن كان متفائلاً من مستقبل العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين أجاب: "كنت متفائلاً. ولكنني الآن ولأول مرة صرت أرى الأمور بشكل مختلف. أخشى أن كثيرين لن يتغيّروا. انظر إلى ما يحدث في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. الناس ليسوا مستعدين أبدًا للانفتاح على قصة الآخر ورؤية وجهة نظره. كل طرف من الطرفين ملتزم بوجهة نظره هو وحده، قصته وحده"، قال خاتمًا كلامه.