تتفاقم في الأيام الأخيرة الأزمة المالية التي تعاني منها حركة الجهاد الإسلامي وذلك بعد أن أوقفت طهران جزءا كبيرا من دعمها المالي للحركة. فقد تم في اليومين الماضيين فصل العاملين في وكالة "فلسطين اليوم" وفضائيتها التابعة للحركة، بسبب عدم القدرة على تسديد رواتبهم. وفي حين طال الفصل في هذه المرحلة المكاتب والموظفين في الضفة الغربية، اقتصر الأمر في قطاع غزة على إجراء تقليصات في المصاريف.

وحتى الساعة، لم تطل هذه التقليصات ميزانية الجناح العسكري للحركة، وهي تقتصر على الأقسام الأخرى مثل الجمعيات والإعلام والأذرع الطلابية وغيرها، لكنها تشكل تحول هام في علاقة إيران بالحركة.

ويقول قيادي في الجهاد الإسلامي إنه ومع تدهور الأوضاع على الساحة السورية، وكذلك على الساحة اليمينية بدأت تضغط إيران على حلفائها، وفي هذه الحالة على الجهاد الإسلامي الفلسطيني، أن يعلنوا موقفا واضحا من مجمل القضايا الإقليمية. "الإيرانيون لم يعودوا يقبلون مواقف محايدة، وبدأوا يضغطون بشكل كبير أن تتبنى الحركة موقفا واضحا لا لبس فيه ومؤيدا لهم في كل القضايا الإقليمية الرئيسية، وعلى رأسها الملف السوري والملف اليمني".

واعتبر القيادي أن هذا الامر غير مقبول على غالبية قيادة الحركة التي ناورت في السنوات الأخيرة بين ولائها لإيران وبين الحفاظ على علاقات جيدة مع غالبية العواصم العربية. وقد أكدت بعض مصادر الحركة أن أمين عام الجهاد الإسلامي، رمضان عبدالله شلح، سيغادر طهران قريبا جدا ليستقر في بيروت.

وتشهد مواقع التواصل الاجتماعي في قطاع غزة نقاشا كبيرا بين عناصر الجهاد الإسلامي وكذلك بين أعضاء الجهاد وأعضاء حماس الذين أدركوا جيدا ما معنى قطع ووقف الدعم الإيراني، فقد أٌقر أحد قيادات الجهاد، جميل عبد النبي، على صفحته الخاصة، كاتبا "فش اشي ببلاش" وهو اعتراف أبدى الكثيرون موافقتهم عليه وأنه كان واضحا من أن الأمر سيصل إلى هذا الحد، وأن الدعم الإيراني لم يكن "من أجل سواد عيون الفلسطينيين" كما يقول قيادي حمساوي في القطاع.

رمضان عبد الله شلح أمين عام حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين مع ية الله علي حسيني خامنئي المرشد الأعلى لجمهورية ايران (AFP)

رمضان عبد الله شلح أمين عام حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين مع ية الله علي حسيني خامنئي المرشد الأعلى لجمهورية ايران (AFP)

وبحسب القيادي، وجدت حركة الجهاد نفسها في الأسابيع الأخيرة في الموقف نفسه التي وجدت نفسها حماس فيه منذ ثلاثة أعوام "إما السير مع المال الإيراني أو الحفاظ على العمق السني". وبحسب القيادي، حركة الجهاد حاولت المناورة بين الأمرين لكن القضايا الإقليمية لم تعد تحتمل مثل هذه المواقف مما فرض على الجهاد الإسلامي أن تحسم أمرها.

ولم تعلن الجهاد "الطلاق" من إيران، لكن من الواضح أنها لم تعد الابن المدلل، وهي المكانة التي برزت بعد تدهور علاقة إيران بحماس. ففور إعلان حماس موقفها المؤيد للمعارضة السورية بدأت إيران تحوّل جزءا كبير من الميزانية التي كانت مخصصة للحركة - بدأت تحوّلها إلى الجهاد الإسلامي، الأمر الذي تجلى في الحربين الأخيرتين على القطاع حيث قدم عناصر الجهاد أداءً لا يقل بكثير عن أداء مقاتلي حماس، وبدا واضحا أن عِتادهم وصواريخهم المتطورة هي نتاج لتقارب متزايد مع إيران.

الاصطفاف المعادي لإيران في جزء كبير من العالم العربي والأزمة المالية التي تمر بها إيران دفعت بحسب قيادات فلسطينية تعاملت مع الجمهورية الإسلامية- دفعت بإيران أن تتخذ مثل هذا الموقف غير المتسامح مع الحياد، موقف يطالب بإدانة واضحة لما يجري في اليمن وسوريا.

هنا يشير البعض إلى أن من بين الأسباب التي أدت إلى اندلاع الحرب الأخيرة في القطاع ، كانت الأزمة المالية التي عصفت بحركة حماس، والسؤال هنا هل ستؤدي أزمة الجهاد إلى تصعيد الموقف مع إسرائيل؟ جميع من تحدثنا إليهم في القطاع أعربوا عن ثقتهم بأن لا تتطور أزمة الجهاد المالية إلى مواجهة مع إسرائيل لعدة أسباب وأبرزها: موقف حماس الرافض في هذه المرحلة لأي مواجهة مع إسرائيل، وكذلك حرص الجهاد على أن لا تتهم من الشارع الفلسطيني بأنها تخاطر بملايين الفلسطينيين في القطاع بسبب أزمة مالية خاصة بها وهو الأمر الذي ما زال يُسمع في القطاع حينما يتم الحديث عن حرب الصيف الماضي.

ومن الأسباب الأخرى أيضا أن الحركة تعتقد أن العلاقة مع إيران قد تعود في المستقبل لما كانت عليه وأنه من المبكر التفكير في خطوات من شأنها أن تقلب الطاولة رأس على عقب مع إسرائيل ومع محيطها العربي، غير المعني في هذه المرحلة بأي توتر جديد على الساحة الفلسطينية، في وقت يشهد العالم العربي حروبا تشارك فيها كبرى الدول العربية.

ولخص قيادي في الحركة الأزمة الراهنة بالقول إن حركة الجهاد الإسلامي موقفها واضح، هي مع محور المقاومة "لكن هذا الأمر هو صحيح فقط حينما يتم الحديث عن مشاريع تسوية أو عن محاولة لضرب سلاح المقاومة، أو التنازل عن الثوابت الفلسطينية والعربية. لكن حينما تصل الأمور إلى صراع مصالح تشوبه رائحة مذهبية قوية، فلا يمكن لنا أن نخاطر بمحيطنا الإسلامي برُمته من أجل المال، حتى وإن كان هذا المال مصيريا لنا كحركة تحرّر جهادية".