عندما تأسست تل أبيب كحديقة خلفية للطبقة البرجوازية في يافا، لم تكن تحتوي وقتئذ على أي من المطاعم ذات الجودة العالية والطاقة الجامحة كما هو حالها اليوم الذي تستحق كل الثناء عليه. وفي قصيدتها التي نظمتها في العام 1935 بعنوان "تل أبيب" تساءلت ليئة غلودبرغ قائلةً: "كيف يكون لهواء في مدينة صغيرة أن يحفظ ذكريات الطفولة الكثيرة، وأن يحفظ الحب الذي كان قد استنفذ وتم انتزاعه إلى مكان ما؟"

إلا أن تل أبيب نجحت في شق طريقها لحفظ كل تلك الذكريات، وأن تنسى نفسها ولو جزئيا وتنغمس في الملذات. وقد وصفها مُحِقًّا "كوندي ناست ترافيلر" في العام 2012 على أنها من أفضل 14 مدينة في العالم من حيث العمارة، بينما وصفها "لونلي بلانِت" بأنها واحدة من أفضل 10 مدن ترف في العالم. وقد صنفتها "ناشونال جيوغرافيك" في العام 2013 على أنها تحتوي على أفضل 10 شواطئ في العالم، كما صنفتها الخطوط الجوية الأمريكية في إحدى المسابقات على أنها المدينة الأفضل في العالم للمثليين.

والآن دعونا نتوجه للطعام. فقد أطلقت زيارة أوثوني بوردين الأخيرة للقدس الموسم الثاني لعرضه تحت عنوان "جوانب مجهولة" وتصدرت عناوين الصحف التي ذكرت أن تل أبيب قد سجلت في السنوات الأخيرة أعلى المعدلات في تقديمها للأطعمة العالمية. تقول جاما غور مؤلفة كتاب "الطعام الإسرائيلي الجديد" ومحررة المجلة التي تعني بالأطعمة الإسرائيلية الرئيسية "عل هشولحان"، ومعناها "على الطاولة" "إن إسرائيل قد شهدت "ثورة طهو" كانت قد بدأت في العقد الأخير وما زالت تلك الثورة تنمو وتنتشر منذ ذلك الوقت. وتقول أيضًا "إنه لدى تل أبيب كل ما تحتاجه أية مدينة على صعيد المشهد الغذائي".

وتقول غور إنه إلى حد الثمانينيات من القرن الماضي، لم يكن هناك مشهد غذائي ملحوظ . إلا أن العملية التبادلية التي تمت ما بين الثقافات الغذائية المختلفة التي جلبها معهم إسرائيليون مهاجرون الذين نشأوا في مطابخ مختلفة كالمطبخ الروسي، والبولندي، والفرنسي، والإيطالي، والمغربي، والعراقي، والسوري، واليمني، والإيراني والتركي، كانت قد أثرت على بيوت الكثيرين من الناس خاصة الذين يقطنون في الأحياء المختلطة.

يُعد "شاين أند شارب" من أفضل مطاعم شرائح اللحم في تل أبيب (صورة: أفيرام فالدمان)

يُعد "شاين أند شارب" من أفضل مطاعم شرائح اللحم في تل أبيب (صورة: أفيرام فالدمان)

وتقول غور نحن نمتلك كل عناصر الثقافة الغذائية الرائعة، فقبل كل شيء، يشكّل الطعام جزءًا حيويًا من الثقافة اليهودية، ويتم تحديد هويتنا بماذا نأكل وماذا لا نأكل، وترتكز كل الأعياد اليهودية على الأكل والطهو. وكان يهود الشتات دائمًا يعملون في المشاريع التجارية المتعلقة بالأغذية، وكذلك في تجارة التوابل، وكان لهم الباع الأطول في إنشاء أشهر المطابخ في العالم، كالمطبخ الأمريكي على سبيل المثال.

إن "أمتعة الطهو" كما تدعوها غور كانت موجودة، إلا أن الذي لم يكن موجوداً هو المطاعم المتطورة، أو حتى البنية لإنشاء أحد المطاعم لم تكن موجودة في السابق، وتذكر أنها عندما كانت تطبخ في العام 1991 وهو نفس العام الذي أطلقت فيه مجلتها، كان عليها أن تسافر إلى وسط إسرائيل لتشتري "الريحان" من دفيئة متخصصة. وأثناء عملها كمضيفة طيران في الثمانينيات من القرن الماضي، كان عليها أن تجلب معها عصير البرتقال المعبأ في زجاجات، حيث لم يتواجد أي منها في إسرائيل في ذلك الوقت. أما اليوم، فإن التنوع في أنواع الطعام المتواجدة في تل أبيب لوحدها يثير الدهشة. فيجد الفرد مثلا في كل زاوية شارع في المدينة تقريبًا، العصير الطازج والمكسرات، وكذلك الفلافل الذي يتراوح بين العضوي وطيب المذاق والتقليدي المليء بالدهون. أما أسواق التوابل فإنها تقع بالمقربة من بسطات الخضار، وكذلك الملاحم المنتشرة في المدينة كلها، وبقالات الجبنة الروسية، والزوايا الفاخرة التي تباع فيها كافة أنواع الشوكولاته، والمخابز الجيدة، وبقالات الأطعمة الشهية، وهذه جميعها تفتح أبوابها كل صباح. وبالطبع فإن كل هذا النشاط الصاخب يقابله الجدل المحتدم منذ فترة طويلة وهو السؤال: أي زاوية من زاويا المدينة تقدم أفضل طبق حمص؟ حدث التضخّم في انتشار المطاعم المختلفة في بداية التسعينيات من القرن الماضي حيث لم يكن ذلك التضخّم على صعيد الطهو والأغذية فحسب بل على صعيد الثقافة الغذائية التي انتشرت في كل مكان. ويعود السبب إلى ذلك إما لتوقيع اتفاقيات أوسلو التي بعثت الأمل لدى الكثيرين بشأن تحسن العلاقات التجارية، أو لتدفق مليون روسي كانوا قد قدموا من الاتحاد السوفيتي السابق، أو إلى توجه السوق نحو الاقتصاد الرأسمالي، وبالتالي فإنه من الصعب علينا معرفة السبب بالتحديد. المهم هو أن التغيّر والآثار الإيجابية كانت كبيرة جدًا.

النشاط الصاخب في مطبخ "زيبرا" (صورة: أفيرام فالدمان)

النشاط الصاخب في مطبخ "زيبرا" (صورة: أفيرام فالدمان)

وفي نفس الوقت أصبح انتشار الثقافة الغذائية في ازدياد. فقد برزت ثقافة الأكل وكثر عدد المطاعم الراقية. وتقول غور إنه أصبح من المقبول أن يختار الفرد الطهو كمهنة له. وتضيف أيضاً: يذهب الكثير من الإسرائيليين إلى الخارج ويتذوقوا كافة أنواع الأطعمة ويرجعون إلى إسرائيل ليطبقوا ما تذوقوه وتعلموه على مكوّنات الطعام هنا. وقد استطاع الرياديون في عالم الطهو في إسرائيل والذين كانوا قد أتوا من خلفيات ثقافية مختلفة، حيث تشكّل الثقافة الغربية جزءًا منها، بالإضافة إلى الثقافة الشرقية، ومزيج من التأثير الأوروبي والعربي سوية مضافًا إليها بعض التأثير الأسيوي قد أدى إلى ابتداع شيء جديد تمامًا، حيث توفرت لهؤلاء الناس الفرصة الحقيقية للإبداع بعيدًا عن أية تحفظات. وقد انتهزت مجموعة من الطهاة الشباب في تل أبيب الفرصة بكل حيوية وساهموا في رفع مستوى المطاعم إلى درجة رفيعة. وتضمنت هذه المجموعة مئير أدوني الذي يحضر "ميزلالا" المنفوخة والتي تحتوي على "روح خلاقة" كما وصفته صحيفة نيويورك تايمز وكذلك جوناثان روشفيلد الذي يدير مطعم "هربرت صامويل" الفاخر والذي يقدم المقبلات الليلية في مطعم "تاباس أحاد هعام" بالإضافة إلى برنامجي تلفزيون، وأيضا الطاهي العصامي "آفي كونفورتي" والذي أثرت قوائم طعامه الموجودة في مطعم "زيبرا" الذي يقدم الطعام الأسيوي، ومطعم "موزس" الذي يقدم الطعام الفاخر، وبار "زوزوبرا" الذي يقدم المعكرونة حيث أثرت قوائم طعامه كل ألوان الطعام في تل أبيب. وهناك بالإضافة إلى هؤلاء أفيف موشيه الذي يعمل في مطعم "ميسا" والذي يعتبر أحد الجواهر التي ترصع تاج الطهو في تل أبيب حيث يثير هذا الطبق الذي يقدمه دهشة وإثارة متذوقي الطعام من كافة أنحاء العالم.

تقول جانا غور "الإسرائيليون فضوليون إلى حد كبير ومليؤن بالحيوية، ويريدون أن يكونوا في المقدمة في كل شيء." "إذ يوجد لديك هذا الانفتاح حول توجهات ممزوجة بتقاليد الطهو البيتي، بالإضافة إلى المطابخ المتعددة التي تحيط بنا مثل المطبخ اللبناني، والسوري والمغربي. وهذا يشكّل بحد ذاته وصفة لثقافة غذائية مدهشة".

يلعب الحظ العاثر دورًا مهمًا في الابتكار المذهل للمشهد الغذائي في تل أبيب بالإضافة إلى الإبداع والانفتاح. فبالرغم من التحسن الذي طرأ على حجرة المؤن الإسرائيلية إلا أنها ما زالت تبدو هزيلة إذا ما قورنت بنظيرتها الأوروبية. ويرجع سبب هذه الفجوة بينهما إلى عوامل عدة بما فيها الدينية والاقتصادية.

(صورة: أفيرام فالدمان)

(صورة: أفيرام فالدمان)

يقول يانكيل شاين أحد رواد الطهو في التسعينات من القرن الماضي وصاحب مطعم "شاين أند شارب" الذي يقدم وجبات شرائح اللحم في تل أبيب حيث يقول: أنت تعمل بما هو متوفر لديك، وهذه هي العقلية التي لديك، ويمكنك أن تتخيل أشياء كثيرة ولكنك تعمل بما هو متوفر لديك. ويجب عليك تحويل القيود المفروضة عليك إلى إيجابيات".

إن القيود التي يواجهها السيد شاين تنفذ إلى صلب الغذاء في إسرائيل، حيث تخضع عملية ذبح الحيوانات وتغليف لحومها إلى مراقبة صارمة من قبل مؤسسات الدولة التي تراقب وتصدر شهادات الحلال. ولكن بالإضافة إلى القيود الدينية فإن شاين يواجه صعوبات كأي رجل أعمال في إسرائيل والتي تتمثل بقلة الموارد. يقول شاين: لا أستطيع تقديم بيتزا "بروسكيتو" لزبائني حيث لا يتوفر لدينا السلامي أو جبنة الموزريللا، ويقترح شاين خلق آلية لاقتران الحاجة بالابتكار ويقول: "أحاول تقديم أصناف من الطعام، لم يفكر أحد من قبلي تقديمها". فعلى سبيل المثال فإن قائمة الطعام لديه تحتوي على مقبلات مثل باذنجان مشوي على النار وموضوعة في "تيمبورا" (طعام ياباني) موضوع فوق اللبن، والقشطة مع شرائح من البندورة. حيث يقول: "لقد ابتكرت ذلك بما هو متوفر لدي". ولكن تذهب وجبة شاين إلى ما هو أبعد من التحدي الذي يواجهه المتمثل بقلة الموارد. فقد نشأ وترعرع على يد والدين كانوا قد نجوا من المحرقة، وبالتالي فقد شكّل هذا وجهة نظره في الحياة من حيث ما هو صواب وما هو خطأ. وقبل أن يدخل عتبة المطبخ درس شاين الفلسفة لمدة ست سنوات، وكانت عنوان أطروحته في الدكتوراة "العلاقة بين الفلسفة الطاويّة والثورة الثقافية في كمبوديا في سنوات السبعينات". ويقول شاين بعد تركه عالم الأكاديمية. "أنت تصل إلى قناعة بأنك تتحدث إلى نفسك. فلا أحد يهمه ما حدث في كمبوديا" وبالتالي فقد وجد نفسه يتجه إلى اللحوم من غير أن يستطيع أن يقاوم ذلك التوجه، حيث يجلس مع كبار السن من اليهود في أسواق اللحوم في تل أبيب ويستمع إلى شرحهم حول مزايا العديد من قطع اللحم مثل قطعة الضلع، ولحم الخاصرة، وشريحة الستيك. وكذلك عندما يشرحون حول الدهنيات والعظام والتقطيع.

مطعم "تاباس أحاد هعام" يفتح أبوابه الساعة العاشرة مساء (صورة: أفيرام فالدمان)

مطعم "تاباس أحاد هعام" يفتح أبوابه الساعة العاشرة مساء (صورة: أفيرام فالدمان)

وفي حقيقة الأمر، فقد انشأ شاين أكثر المطاعم الفاخرة والمبدعة في تل أبيب. لقد تدرج شاين من مكان صغير لبيع سندويشات اللحم في الساعة الثانية صباحًا، إلى مطعم أغادير، ثم إلى حانة أنيقة لتقديم وجبة الغداء، مرورا بالقهوة السوداء التي أنشأها كمستشار وتطور أخيرا ليعبد الطريق أمام بروز أكثر المطاعم الفاخرة في تل أبيب يقول شاين: قبل عشرين عاما، كان معظم الطهاة من الجيش، وكانوا يمارسون الطهو من أجل إشباع الناس وعدم تركهم عرضة للجوع، أما الآن فهم يطعمون الشبعانين، وعليك إذن أن تبتكر طرق لجذبهم". تقول عنات لاوفر وهي إحدى أصحاب مطعم زيبرا الثلاثة في تل أبيب والذي يقدم طعاما آسيويا حيث تقول: " الناس لا يأتون إلى هنا فقط من أجل الطعام، بل يأتون من أجل رزمة كاملة. إنهم يأتون إلى البار وإلى سماع الموسيقى وكي يروا الناس والناس تراهم. إنهم يأتون إلى هنا لتصفية أذهانهم بعد يوم شاق من العمل، والتوتر والصراخ ورعاية الأطفال.

عندما يدخل الشخص داخل مطعم زيبرا وكأنه قد غادر إسرائيل إلى مكان آخر، حيث لا يسمع أصوات زمامير السيارات، ولا صراخ المشاحنات التي يتسم بها الشرق الأوسط، ولا يشعر بحرارة الجو كما هي في الخارج. فيجد المرء في الداخل مجلة حائط باسم "الرائع" وهي عبارة عن شبكة من الرسومات تمثل وعاء طبيخ فيه زلابية ومحاط بأعواد من الخيزران تتقاطع مع بعضها البعض وتغطي كل مساحة الحائط إلى حد السقف. وتغطي المصابيح كؤوس نبيذ زجاجية كبيرة الحجم ومتدلية، مصاحبة بلون باهت يميل إلى الحمرة يتلألأ من البلاط المرصوف من حجارة الأنهار. وتقول لاوفر: "نحن دائما نحاول أن نعمل شيئا جديدا"، ولقد زار زبائني أماكن كثيرة في العالم مثل نيويورك، وآسيا، وأوروبا، وتناولوا الطعام في أفضل مطاعم العالم، وبالتالي يتوجب علي أن أبهرهم. أريدهم أن يعرفوا أننا مميزون ونختلف عن الآخرين، وقد قمنا بتصميم قائمة الطعام لتتناسب مع الزبائن المحليين الذين يتوقعون منا دائمًا الحفاظ على نفس الجودة وكذلك الابتكار، حيث نجعل تل أبيب تلتقي مع الشرق الأقصى لتذوّق أشهى المأكولات الطازجة مثل سلطة الملفوف البوذية المفيدة للصحة، والكزبرة، والفستق مع النعنع، يليها أطباق تحتوي على مزيج من الأطباق الغربية والشرقية مثل صلصة التارتار التي تحتوي على خمسة أنواع من السمك المفروم، بالإضافة إلى بيتزا تحتوي على سمك التونا، ولكن ما يميز مطعم زيبرا كما هو الحال مع أرقى مطاعم تل أبيب، هي الأجواء التي يوفرها المكان وهي أجواء جديدة تماما.

وتضيف لاوفر وتقول: "هنا نقوم بإضافة شيء جديد كل أسبوع، فمثلا نقدم نوع نبيذ جديد أو موسيقى جديدة، ونقوم أيضا بتجديد المطعم مرتين في السنة لنعطي انطباعًا بأن الأجواء جديدة. الناس لا يريدون أن يأتوا إلى هنا ليشعروا بأنهم في حانة قديمة في فرنسا، لأن الإسرائيليين يبحثون دائمًا عما هو جديد. وأنا فخورة عندما يذهب زبائني إلى الخارج يرجعون ويقولون لي إن مطعم زيبرا أفضل من المطاعم التي زاروها هناك.

-أطباق القشطة البيضاء في "ميسا" تقدم إلى متذوقي الطعام في العالم المصغر(صورة: إيليا مالينكوف)

- أطباق القشطة البيضاء في "ميسا" تقدم إلى متذوقي الطعام في العالم المصغر(صورة: إيليا مالينكوف)

لقد برز مجددًا الإصرار على التجديد في تل أبيب وذلك يعود جزئيا إلى عدم توفر كافة مكوّنات الطهو المطلوبة كما هو الحال في المطابخ الأوروبية وأيضا إلى حالة اللا اكتراث لدى الإسرائيليين إزاء التقاليد المتحجرة (وإن كانت جذابة) بشكل أساسي. والإسرائيليون بطبيعتهم لا يحبون التقليد إذ أنهم لا يطيقون البقاء في نفس الروتين.

وتقول لاوفر أيضًا: "أصبحت باريس مدينة ذات طراز قديم، إلا انه في بعض الأحيان يتم انتهاك المقدسات الفاخرة ". في الواقع أهم مكان في أوروبا بالنسبة لي هو مدينة لندن. الطعام جيد في فرنسا إلا أنه طعام فرنسي وهو ثقيل جدا. وإيطاليا هي إيطاليا حيث أن طعامها جيد ولكن ليس هناك من جديد".

إن ما يميز ديناميكية الطهو في تل أبيب عن غيرها هو ارتباطها بأهم مؤسسة غذائية في العالم ألا وهو دليل ميشلين. إن ميشلين هي بصدد عمل مراقبة ومراجعة لعمل المطاعم الإسرائيلية – رغم أنها منحة أوسمة للعديد من الطهاة الإسرائيليين الذين يعملون خارج البلاد. والطهاة الأوروبيون يعملون جاهدين لتلبية معايير أصحاب المطاعم الإسرائيلية وليس معايير قوائم الطعام نفسها. يقول يانكيل شاين إنه ليس هناك مطعم واحد اجتاز الثلاث نجوم حسب تصنيف ميشلين، لأنه عليك أن تستخدم كؤوس النبيذ المخصصة لذلك، وأن تضع الشوكة في هذا الموقع والسكينة في ذلك الموقع وكل هذا الهراء، وليس هناك من أحد يود تلبية تلك الشروط. في الحين الذي تجلب أوسمة ميشلين العديد من الزبائن، فإن دليل تلك الشركة المختصة في إنتاج الإطارات يرشد متذوقي الطعام إلى أي المطاعم يجب عليهم الذهاب. ومحتويات ذلك الدليل تنسجم تماما مع توجهات مطاعم تل أبيب من حيث إنها لا تحتوي على صور نمطية معدة مسبقا عن أنواع طعام معينة يجب تناولها، أو كيف يجب أن يتم تقديمها، أو ضمن أي أجواء يجب أن يتم تناولها. تقول عنات لاوفر صاحبة مطعم زيبرا نحن نعيش في بلدنا. ومعظم زبائننا هم من الإسرائيليين الذين لا يهمهم أوسمة ميشلين بل أنهم يهتمون فيما إذا كان المكان جيد أم لا وأنه سيبقى هكذا، ونحن نتابع ما يصدره "تريب أدفيسور" (مرشد الرحلات). بالإضافة إلى الحرية والابتكار، فإن أحد مقومات الكسب السريع لدى المطاعم الإسرائيلية هو أنها غير مقيّدة بالأسعار التي تنشرها ميشلين، حيث إنه ليس هناك من مطعم في تل أبيب تقترب أسعاره من ألف دولار لشخصين مع النبيذ طبعًا وهو ما يُعتبر سعرًا عاديًا في أوروبا وآسيا.

تتبع مطاعم تل أبيب منهجية التركيز على فكرة أو مسألة معيّنة وتلاحقها حتى النهاية حتى ولو كانت تلك النهاية غير منطقية، فبدل من محاولة إتقان جميع الأصناف في نفس الوقت، تحاول تلك المطاعم أن تتضمن صنفًا واحدًا، وهذه المنهجية الإسرائيلية عكس مثيلاتها في أوروبا حيث يكون الاستثمار في مخابز تحتوي على جميع الأصناف، وكذلك محلات الحلويات، أو مخازن المشروبات الكحولية التي تحتوي على كل ما هو ضروري لتزويد المطاعم الراقية هناك.

ويمكن أن لا نجد مطعم مثل ميسا الذي تلتقي فيه كل هذه العوامل التي تتضمن السعر وسحر الجاذبية الشخصية والتنوع في الطهو وكذلك العبقرية المتواضعة. فبالنسبة إلى متذوقي الطعام في العالم، فإن فضاء القشطة البيضاء الفاخرة الذي يقع خلف الأبواب المخفية يشكّل عالمًا بحد ذاته في عالم تذوق الطعام.

وحول ميسا كتب أحد مؤلفي باريس وصانع الحلويات دايفيد ليبوفيتز في مدونته قائلا:

كدت أسقط من كرسي البار الكبير عندما رأيت طبق تلو طبق يخرج من مطبخ الطاهي أفيف موشيه. حيث كان كل طبق أفضل من الذي قبله. وقد توج ذلك بأنه ملأ الطاولة من الحلويات المبدعة والشهية إلى حد غير معقول. ولو أنني لم أتناول قبلها شاورما الخروف المدهش، وكفتة السمك مع قشطة الباذنجان، واللبن، ومخلل الليمون، ومكسرات الصنوبر، والـ "كادي"، والحلويات الكردية مع جبنة وخضار مشوية، لأكلت جميع أطباق الحلويات ونظفت الصحون أفضل مما تنظفه قطع القماش البيضاء.

وهذا مديح يليق بميسا الذي صنفه "كوندي ناست ترافيلر" من بين أفضل 80 مطعما في العالم. ويشرح إيتسيك هامل أحد أصحاب مطعم ميسا بكل ثقة وودية وهو يعي أنه كان في القمة لفترة طويلة وسيبقى هكذا ويقول: هنا في إسرائيل تستطيع الحصول على أي شيء تريده، ولكن الشيء الفريد هنا هو المزج بين الغرب والشرق، وأعني بالشرق هنا، دول البحر المتوسط وليس الشرق الأسيوي. فهنا تجد الطهاة متأثرين بكل بلدان العالم. والمكان الوحيد الذي يشبهنا في هذا هو نيويورك حيث تجد أعدادا هائلة من المهاجرين.

إنها ليست قصة شخصية بالنسبة لأفيف موشيه، الطاهي في ميسا، بل يتعلق الأمر بالتقليد الخاص جدًا الذي يقدمه مع أطباق اللحوم والأجبان الفاخرة وكذلك أنواع النبيذ الفاخر. و موشيه صارم وعصامي صنع نفسه بنفسه مثله مثل الطاهي أفيف كونفورتي الذي يعمل في مطعم زيبرا. وقد تعلم فن الطبخ في بيته أسوة بكثير من الطهاة الإسرائيليين.

رئيس الطهاة في "ميسا" الطاهي أفيف موشيه نشأ في مطبخ كردي (صورة: إيليا مالينكوف– ويكيميديا)

رئيس الطهاة في "ميسا" الطاهي أفيف موشيه نشأ في مطبخ كردي (صورة: إيليا مالينكوف– ويكيميديا)

يقول السيد هامل: "هنا عبارة عن بوتقة انصهار، فالطاهي أفيف ينحدر من أسرة كردية مقدسية، ويمزج التقنية الفرنسية مع الإيطالية باستخدام مكوّنات محلية. يمكنك أن تتناول طبقا فرنسيا أو إيطاليا وتعتقد أنك في فرنسا أو إيطاليا. تعطي عصيدة دقيق الذرة مع فطر بورتوبيلو المشوي، وجبنة البارمزان مع زيت الكمأة بالإضافة إلى البيض المسلوق على الجزء العلوي، أفضل مذاق المطبخ الإيطالي. إلا أن حدود أوروبا لا تبقى واضحة المعالم عندما نقدم هنا خارج القارة الأوروبية الكبد المقلي مرصعًا بالشوكلاتة البيضاء إلى جانب فودكا الليمون. ويشعر الزبون كليا وكأنه في مكان آخر عندما نقدم له تونة الساشيمي مع رقائق العدس، والبصل الأحمر، والسماق، والباذنجان المهروس، إلى جانب طبق قشطة واسابي (نبتة يابانية) المثلجة. المكان هنا ليس الشرق الأوسط ولا منطقة الشرق بشكل عام بل إنه تل أبيب. إنه المكان الذي لا يتسم بالذوق فقط إنما بالمجازفة والابتكار. فعلى سبيل المثال، يرتدي رئيس فريق الطهاة المكوّن من 30 طاهيا في ميسا، اللباس الأبيض مع فريقه مرة في السنة استعدادا للمسابقة السنوية لتقديم طبق يستند على مكوّن واحد، حيث كان ذلك الطبق "ساشيمي" هذا العام وكان النبيذ في العام الماضي، حيث يضاف في الحال الطبق الفائز على قائمة الطعام. وهذا النوع من المنافسات يجعل الطهاة دائما مبدعين على حد قول هامل، حيث يساعدهم هذا على ابتكار أفكار جديدة وهذا يشكل جزءًا مهما من عملية النجاح. فالمشهد الغذائي في تل أبيب في تطور دائم، حيث بدأ النبيذ يشغل حيزا في المشهد الغذائي فقط خلال العقد الماضي علما أن الكروم ذات المستوى العالمي مثل "فلام" و"مرغليت" و"كلوس دي غات" و "رمات هجولان" بدأت بتصنيع نبيذ ذي سمة إسرائيلية خاصة. إلا أن الطعام في تل أبيب يمتلك زخما يرتكز إلى التناقض في الهوية الإسرائيلية، وكما يظهر فإن هذا الزخم سيستمر.