بدأت فكرة بثّ "فيلم عربي" أو "فيلم مصري" بتعبير أدقّ في التلفزيون الإسرائيلي في السبعينيات، كدعاية إسرائيلية خادعة. محاولة لوضع الطعم لمواطني إسرائيل العرب وللفلسطينيين، كنوع من "الحلوى الثقافية"، من أجل جذبهم إلى مشاهدة برامج التلفزيون الإسرائيلية ونقل محتوى الدعاية للعدوّ. رويدا رويدا أصبح الفيلم العربي، الذي بُثّ كل يوم جمعة في تمتم الساعة الخامسة، مؤسسة ومرساة ثقافية اجتماعية وأسرية.

"الفيلم العربي"، هو فيلم وثائقي أخرجه الإعلامي والمخرج إيال ساغي بيزاوي والمخرجة سارة تسفروني. بل وقد حظي بجائزة فئة الثقافة والفن في مهرجان "DocAviv" وتم عرضه في عشرات شاشات العرض الخاصة، والتي شارك فيها الكبار والصغار، الإسرائيليون والفلسطينيون على حدٍّ سواء، من أجل التذلّل للماضي الحنينيّ للسينما المصرية والتشوّق لأيام العبادة تلك، للبكاء قليلا على شعور الفرصة الضائعة. للتعرف بشكل أفضل على الجيران العرب بشكل عام والجيران المصريين بشكل خاص.

تعامل المجتمَع الإسرائيلي مع حقيقة عرض الافلام العربية في التلفيزيون اللإسرائيلي كأمر مفهوم ضمنا رغم علاقات العداء بين مصر وإسرائيل

منذ وقت طويل لا يُبث فيلمًا عربيًّا قديمًا يوم الجمعة بعد الظهر في التلفزيون الإسرائيلي. في الانتفاضة الأولى توقفت كل العلاقات في موضوع السينما بين الشعبين. اختفى الفلسطينيون من شوارع المدن الإسرائيلية، وانتقل الإسرائيليون إلى قنوات الكابل والأقمار الصناعية. تم إغلاق النافذة الثقافية الصغيرة التي فُتحت في السبعينيات والثمانينيات.

المخرجان للفيلم الوثائقي "فيلم عربي"، إيال ساغي بيزاوي وسارة تسفروني (Facebook)

المخرجان للفيلم الوثائقي "فيلم عربي"، إيال ساغي بيزاوي وسارة تسفروني (Facebook)

خرجتُ لإجراء مقابلة مع مخرج الفيلم، إيال ساغي بيزاوي، وحاولتُ أن أفهم منه كيف أصبح الفيلم المصري ظاهرة إسرائيلية؟

كيف ولدت فكرة الفيلم؟

"كانت فكرة الانشغال بهذا الحدث البارز، الذي وحّد الكثير من العائلات في إسرائيل في وقت ما في السبعينيات والثمانينيات المبكرة، حول التلفزيون وبالانتظار المتوتّر للفيلم العربي كل يوم جمعة، قد روادتني لوقت طويل. تعرفت خلال عملي على المخرجة، سارة تسفروني، التي انضمت إليّ وقرّرنا معا إنتاج فيلم وثائقي عن هذه الظاهرة".

"أعترف أنه خلال وقت طويل لم أؤمن أنه سيخرج من هذا المشروع فيلمًا ودفعتني تسفروني إلى البحث في القضية وإنتاج الفيلم. استغرق منا العمل على الفيلم مدة ست سنوات".

"ترعرعت سارة وأنا أيضًا في منزل كانت تجلس الأسرة فيه كل يوم جمعة أمام التلفزيون لمشاهدة الفيلم المصري، الذي تم بثّه في التلفزيون الإسرائيلي. تعامل المجتمَع الإسرائيلي حتى ذلك الوقت مع الحدث كأمر مفهوم ضمنا رغم علاقات العداء بين مصر وإسرائيل".

فيلم عربي (PR Docaviv)

فيلم عربي (PR Docaviv)

"بالنسبة لي فلم يكن بثّ الفيلم العربي في التلفزيون الإسرائيلي أمرا مفهوما ضمنا وحاولنا بواسطة الفيلم الإجابة عن سؤالين رئيسيين:

1. لماذا جلس الإسرائيليون لمشاهدة الأفلام المصرية. حيث إنّ كل ما كان عربيا اعتُبر عدوّا للمجتمع الإسرائيلي. كل ما ارتبط بالثقافة العربية، اعتُبر لدى الجمهور الإسرائيلي وضيعًا. في إسرائيل في تلك السنوات لم يُقدّر أحد الثقافة أو الموسيقى العربيّة. خجل اليهود الذين قدموا من البلدان العربية من أصولهم العربية. ومع ذلك شاهدت آلاف الأسر الفيلم العربي.

لم ينفصل يهود مصر الذين جاؤوا إلى إسرائيل عن الثقافة وعن سلوكيات وطنهم واشتاقوا إليها

2. كيف وصلت تلك الأفلام أصلا من مصر إلى إسرائيل؟ منذ العام 1968، وهو العام الذي تأسس فيه التلفزيون الإسرائيلي، حتى العام 1979 لم تكن لإسرائيل أية علاقة مع أية دولة عربية. كيف مع ذلك نُقلت تلك الأفلام إلى التلفزيون؟"

كان هذا السؤالان مفهومين ضمنا في إسرائيل رغم أن أحدا لم يعرف الإجابة عن كليهما.

عرض التلفزيون الإسرائيلي كل يوم جمعة "فيلما مصريا" وليس "فيلما عربيا"، كما كان يُوصف؟

وزير الدفاع الإسرائيلي الجنرال موشيه ديان (AFP)

وزير الدفاع الإسرائيلي الجنرال موشيه ديان (AFP)

"صحيح، الفيلم هو فيلم مصري. في العالم العربي أيضًا يشيرون إلى الأعمال المصرية في السينما بالاسم العام "الفيلم العربي". كانت صناعة الأفلام المصرية ولا تزال هي صناعة الأفلام الأكبر في العالم العربي. قام منافسون جُدد ومع ذلك لا تزال القاهرة الرائدة في مجال السينما العربية. كل من أراد الشهرة في العالم العربي، مرّ عن طريق القاهرة".

جلبت إسرائيل الأفلام من سوريا ولبنان وخصوصا للنجم دريد لحام، غوار الطوشة، ولكن النجاح كان يرتكز على الأفلام المصرية.

خلال العمل على الفيلم كان واضحا أنّه يجب إبداء الرأي بالثقافة والسينما في العالم العربي. كان السؤال المركزي في هذا الشأن هو كيف شاهد الإسرائيليون الأفلام المصرية وكيف تعاملوا معها؟

عندما أجريت مقابلة مع أسرتك في الفيلم الوثائقي، ماذا كان أكثر أمر تشوّقوا إليه في المشاهدة المشتركة للفيلم العربي ؟

"عندما أذهب لزيارة والدتي أيام الجمعة، حتى اليوم، يبثّ التلفزيون في الصالة فيلما عربيا. بالنسبة لها فالفيلم العربي مستمرّ في كل يوم جمعة. كظاهرة إسرائيلية لم يعُد ذلك موجودا. واليوم مع وجود الكوابل فهي تشاهد أيضًا قنوات عربية أخرى وتتعرض لمسلسلات جديدة وأفلام جديدة. كما قال والدي في الفيلم، مشاهدة الفيلم العربي هي بمثابة ساعة عائلية. كانت تلك تجربة موحّدة. كما يجب ألا ننسى أنّه وقتذاك كان هناك تلفزيون واحد في كل منزل وكانت هناك قناة واحدة تبثّ تلك المحتويات. هناك شوق لمفهوم المجتمع والأسرية".
كانت مشاهدة فيلم يوم الجمعة بالنسبة لجدّة بيزاوي، التي هاجرت من مصر إلى إسرائيل، حدثا بارزا ومهمّا. بالنسبة لها فقد كان ذلك زيارة للوطن. ساعة ونصف من الحنين وتذكُّر الماضي. عودة إلى مشهد وطنها الأول، مصر. "كانت تتحدث مع التلفزيون، تُحذّر البطلة الرئيسية من شخصية الرجل الشرير الذي يريد إيذاءها وكانت تصرخ عليه قائلة "يروح في ستين دهية". عندما تم بثّ برنامج بالعبرية لم تكن تفهم لأنّ ذلك لم يكن يُحاكي قلبها".

بالنسبة لجيل الآباء الذين جاؤوا من مصر، فقد كان الفيلم العربي فتحة صغيرة تطلّ ثانية على مشهد الطفولة. "أعتقد أنّ اليهود الذين قدِموا من مصر إلى إسرائيل، يعيشون تصدّعا لم يلتئم حتى اليوم. فقدت عمّتي ابنها في الحروب مع مصر. شاركت جدّتي التي لم تكن شخصا سياسيا إطلاقا في ثورة 1919 وأيدت استقلال مصر. لقد كانت تُعرّف نفسها دائما كيهودية مصرية. لم تكن تعرف القراءة والكتابة ولكنها تحفظ نصوصا ومواويل كاملة تعلّمتها في مصر، كان ذلك متجذّرا. لم ينفصل يهود مصر الذين جاؤوا إلى البلاد عن الثقافة وعن سلوكيات وطنهم واشتاقوا إليها".

هل فهمت المؤسسة الإسرائيلية الثقافية العلاقة التي طوّرها يهود الدول العربيّة مع الفيلم العربي؟

مرّت 38 من روايات الأديب المصري، نجيب محفوظ، بتعديلات سينمائية وكتب بالإضافة لذلك كتب أكثر من 20 سيناريو للأفلام في السينما المصرية. وقد دفع باتجاه تحويل رواياته إلى أفلام لتصل الملايين

"حتى لو تفهمت الامر، فهذا لم يهمّ واضعي الثقافة في إسرائيل في ذلك الوقت. كانت هناك نخبة متغطرسة انتقدت بشدّة السينما المصرية. لقد ظنّوا أن الأفلام العربية التي بُثّت في إسرائيل رديئة وغير جديرة. رغم أنّ عددا من قادة البلاد، على سبيل المثال رئيس الأركان موشيه ديان، قد اعتاد على الجلوس ومشاهدتها. وبالمناسبة، فأيضا واضعي تلك الثقافة كانوا يشاهدون هذه الأفلام ولكنهم لم يحبّوا الاعتراف بأنّهم يستمتعون بها".

ماذا غاب عن الأعين الإسرائيلية في مشاهدة الأفلام المصرية؟

"أعتقد أنّ الكثير من النقاد في إسرائيل لم يشاهدوا الأفلام العربية كسينما ذات جودة. لم يحلّلوا الأساليب المختلفة التي عُرضت في السينما بدءًا من الميلودراما المفجعة، الواقعية وحتى الكوميدية. لقد تعاملوا مع الأمر كأنه فولكلور عام".

غاب عن النقد في إسرائيل بأنّ الحديث يدور عن سينما غنية جدّا ومتنوّعة. ولكون التعامل مع السينما المصرية كان كسينما رديئة فقد غابت عنهم المضامين الاجتماعية، الإشارة إلى انتفاضة المرأة المصرية الريفية ضدّ أرباب عملها كإشارة إلى استعباد دول الغرب التي استغلت كنوز مصر على مرّ السنين.

"مرّت 38 من روايات الأديب المصري، نجيب محفوظ، بتعديلات سينمائية وكتب بالإضافة لذلك كتب أكثر من 20 سيناريو للأفلام في السينما المصرية. وهو الأديب الأهم في العالم العربي، والحائز على جائزة نوبل، وقد دفع باتجاه تحويل الروايات إلى أفلام. في مقابلة معه في الإعلام المصري قال إنّ كتبه وصلت إلى آلاف الناس ولكن الأفلام التي صُنعت بوحي من رواياته وصلت إلى الملايين. وردت في كتبه مقولات اجتماعية ثاقبة ورسائل اجتماعية مهمة وفي الجزء الأكبر من الأفلام مرّت تلك الرسائل بسهولة إلى الجماهير. لم ينجح النقاد الإسرائيليون في رؤية كل ذلك".

كيف وصلت الأفلام المصرية إلى التلفزيون الإسرائيلي؟

"تم جلب الأفلام إلى إسرائيل في أيام الحرب بواسطة الأردنيين، الذين عرضوا تلك الأفلام في دور السينما في القدس الشرقية. قبل أن تُعاد البكرات إلى مصر، حصل عليها شخص ما في إسرائيل بطريقة خفية ونسخها للفيديو وهكذا تمّ بثّها في التلفزيون الإسرائيلي".

سحرت السينما المصرية في تلك الأيام الإسرائيليين كثيرا، رغم أن قادة البلاد خشيوا من أن تؤدي تلك الأفلام إلى "تعريب" الشعب الإسرائيلي.

فيلم عربي

فيلم عربي

ولا شكّ أن مصر كانت في الستينيات المتأخرة، السبعينيات والثمانينيات أكثر تحرّرا وعرضت مشاهد جنسية ومشاهد عنف دون قيود. وقد اتّسعت الثقافة الإسرائيلية لتلك المشاهد ووفّرها الفيلم العربي بسخاء. مرّ الفيلم العربي، قبل بثّه في التلفزيون، على الرقابة. لم يتم بثّ المقاطع المعادية للسامية أو المعادية للإسرائيليين، وتم اقتطاع أو تقصير مقاطع العنف القاسية أو الجنس غير المنضبط.

زار عبد الحليم حافظ، فاتن حمامة، عادل إمام، ليلى مراد، فايزة رشدي، عمر الشريف بالإضافة إلى كثيرين أخرين التلفزيون الإسرائيلي، حتى ولو دون علمهم، ومنحوا الإسرائيليين في ذلك الوقت توقفا مؤقّتا عن حالة الحرب والعداء. المضحك هو أنّه مع مجيء السلام بين مصر وإسرائيل وتطبيع العلاقات بينهما، توقف هؤلاء عن الزيارة.