بعد فرز أصوات الناخبين في الانتخابات الأخيرة، وتقسيم الأصوات بحسب البلدات، تتجلى صورة واضحة حول قيام سكان القدس بالتصويت لليمين، في حين وقف سكان تل أبيب في صف اليسار. حصل حزب الليكود في القدس على نسبة 24.16% من الأصوات، وحصل حزب يهدوت هتوراة (حزب ديني) على 12.05%، وحصل حزب المعسكر الصهيوني (حزب العمل) على 8.39% فقط. وفي تل أبيب حصل المعسكر الصهيوني على 34.25% من الأصوات، بينما حصل الليكود على 18.26%، وحصل الحزب اليساري ميرتيس على 12.95%.

من البعيد جدا أن يكون أحد من مواطني إسرائيل قد تفاجأ من هذه المعطيات والنتائج. الاختلافات بين المدينتين واضحة ومعروفة للجميع، ومن الطبيعي جدا أن تتجلى هذه الاختلافات في صناديق الاقتراع. فبينما يُنظَر إلى القدس، عاصمة البلاد والمدينة المقدسة في الدين اليهودي، مكان يمتاز بالتديّن وبالمحافظة وحتى بالتقليدية وأحيانا يمتاز بـ "الملل و "الشيخوخة"، نجد أن تل أبيب هي مدينة الشاطئ العلمانية، المدينة الشابة المعروفة بلياليها الحيوية.

كما وتمتاز القدس بتنوّع سكانها أكثر من تل أبيب. 36% من سكان مدينة القدس هم عرب (مسلمون ومسيحيون)، و 64% هم يهود. ونحو ثلث السكان اليهود هم يهود متديّنون متشددون، والثلث الآخر متديّنون، والثلث الأخير علمانيون. مع ذلك، لا يُعتبر السكان العرب في القدس  من مواطني دولة إسرائيل، ولذلك ليس لديهم الحق في التصويت، وهذا أمر جليّ يظهر في نتائج التصويت.

يهود وعرب في القدس القديمة (Yossi Zamir/ Flash90)

يهود وعرب في القدس القديمة (Yossi Zamir/ Flash90)

بالمقابل، الغالبية العظمى من سكان تل أبيب هم يهود، وغالبية هؤلاء من العلمانيين، ونحو 5% من السكان هم عرب، يسكنون في يافا وهم أصحاب حق التصويت ويقومون فعلا بممارسة هذا الحق. بالإضافة إلى ذلك، بسبب الجو الليبرالي والمنفتح الذي يسود مدينة تل أبيب، يقطن فيها عدد لا بأس به من المثليّين، وهم يصوتون غالبًا، للأحزاب اليسارية بسبب دورها في تعزيز حقوقهم.

إضافة إلى ذلك، تُعتبر تل أبيب المركز الطبيعي والاقتصادي لإسرائيل. فهي المدينة التي تحيطها مواصلات المتروبولين، والتي تحتضن غالبية الأعمال التجارية، وتضم تركيز السكان الأعلى في إسرائيل. تم اتهام سكان تل أبيب في أكثر من مرة بأنهم "منعزلون" عن الضواحي المهملة والهامشية، ويتمتعون بنمط حياة مترف ومبهرج، ويعيشون داخل "فقاعة" تحميهم من المشاكل التي تمر بها دولة إسرائيل.  فعلى سبيل المثال، خلال الحروب الأخيرة في غزة (عملية "عمود السحاب"، و "الجرف الصامد")، كان السكان يجلسون مستمتعين في المقاهي في تل أبيب، في الوقت الذي عاش فيه سكان الجنوب في الملاجئ، حينها تصدّرت هذه الصور العناوين الرئيسية وأصبحت دليلا على هذه العزلة.

الشواطئ في تل أبيب (Flash90)

الشواطئ في تل أبيب (Flash90)

وقد تعزز نظرة إلى المعطيات الديموغرافية، في السنوات الأخيرة، هذه الوصمة لسكان تل أبيب، ففي حين يتكاثر في القدس المتدينون المتشددون بنسبة عالية، ويبقى  الكبار في السن في المدينة، هناك ظاهرة واضحة لمغادرة الشبان المدينة في جيل 18-30 إلى المركز - منطقة تل أبيب. هناك من الناس من ينتقل للعيش في منطقة تل أبيب بسبب السمة الشبابية التي تمتاز بها المدينة، وبسبب الجو المنفتح أيضا، وهناك من يبحث عن إمكانيات عمل متوفرة، والغالبية تنتقل إلى هناك لأجل هذه الأسباب مجتمعة.

بالإضافة إلى ذلك، تشتمل نسبة اليهود في القدس على غالبية من اليهود الشرقيين الذين يعود أصلهم إلى دول الشرق الأوسط وأفريقيا، بينما غالبية سكان تل أبيب هم من اليهود الغربيين الذين يعود أصلهم إلى أوروبا. بشكل تقليدي، يميل اليهود الغربيون إلى التصويت لأحزاب يسارية، بينما يصوّت الشرقيون الذين عانوا على مدار سنوات من التمييز وعدم المساواة في التمثيل في مجلس النواب، بشكل تقليدي، منذ أواخر السبعينيات للأحزاب اليمينية، خاصة لحزب الليكود.

ليس من المفاجئ إذن فوز بنيامين نتنياهو بنسب دعم عالية جدا حيث كان يكرر ويعلن من جديد أن "القدس ستظل موحّدة ويهودية" تحت حكمه، بينما نلمس في "الفقاعة التل أبيبية" خيبة أمل كبيرة، حيث كانوا يتوقعون انقلابا وعصرا جديدا للحكومة، بينما دلّ الواقع على عكس ذلك تماما.