لا تخفِ حركة حماس معاناتها الشديدة منذ بدء تغير الأوضاع في دول الجوار وخاصةً في مصر مع ظهور الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي وعزل الرئيس الإخواني، محمد مرسي، بالإضافة للمتغيرات التي حصلت في دول ما عرف باسم "محور المقاومة" وتأثر الحركة بمواقف اتخذتها باكرا من الأزمة السورية وتأثيرات ذلك على علاقاتها مع باقي أطراف المحور ممثلا بإيران وحزب الله اللبناني.

وزادت الأزمة السورية من تعقيدات المشهد بالنسبة لحركة حماس التي كانت حينها ترى في الرئيس المصري المخلوع، محمد مرسي حلا أساسيا في مواجهة الارتدادات التي تعرضت لها مع وقف التمويل الإيراني جراء قرارها بدعم "الثورة السورية" ضد نظام بشار الأسد، الذي كان يربطه علاقة شديدة مع حركة حماس التي اتخذت لسنوات طويلة من دمشق مقرا رئيسيا لوجودها.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

ومع عزل مرسي ووصول السيسي إلى سدة الحكم وجدت حركة حماس نفسها أمام أزمة كبيرة مع الخطوات الكبيرة التي اتخذها الرئيس المصري الجديد بتدمير الأنفاق التجارية على الحدود والعمل على إغلاق معبر رفح وتشديد الإجراءات مع غزة في إطار ما عرف مصريا بـ "محاربة الإرهاب في سيناء" والتي لا تزال حتى اليوم تشهد توسعا في العمليات العسكرية مع استمرار الهجمات التي ينفذها تنظيم داعش ممثلا بما تشتهر باسمه ولاية سيناء.

وتراجعت حماس كثيرا أمام التشديد المصري على الحدود ووجدت نفسها محاصرة بشكل كبير جدا، قبل أن تقع المواجهة العسكرية في صيف 2014، الأمر الذي دفع بالحركة لتشديد موقفها برفض المبادرة المصرية مع بداية الحرب لوقفها حتى قبلت بهدنة على أمل التفاوض فيما بعد وهو الأمر الذي لا زال معلقا بالرغم من محاولات بعض الأطراف الدولية للدخول على خط المفاوضات إلا أنها لم تنجح حتى الآن بالوصول إلى أي حلول.

لقاء بين حسن نصرالله وخالد مشعل في لبنان (AFP)

لقاء بين حسن نصرالله وخالد مشعل في لبنان (AFP)

وشهدت فترة ما بعد الحرب وحتى الأيام الأخيرة خلافات داخل حماس حول العديد من القرارات المصيرية بشأن العلاقات مع إيران وحزب الله والنظام المصري الجديد وغيرها من القضايا التي باتت تضع الحركة في موقف صعب كما حدث ذلك في الأزمة اليمنية حتى باتت الحركة تفضل عدم إبداء أي مواقف سياسية واضحة من أي من الأزمات القائمة، متبنيةً قاعدة "عدم التدخل في الشئون الداخلية لأي بلد عربي وإسلامي".

ولا يستطيع أي قيادي من حماس أن يخفِ وجود خلافات داخل الحركة حول العديد من القضايا الهامة، خاصةً مع المستوى العسكري في كتائب القسام بشأن العلاقة مع إيران وضرورة تجديدها لاستئناف الدعم الذي استؤنف بشكل محدود في الأشهر الأخيرة.

الجيش المصري يكشف عن انفاق التهريب في منطقة رفح (AFP)

الجيش المصري يكشف عن انفاق التهريب في منطقة رفح (AFP)

وبالرغم من ذلك لا يمكن أيضا الحديث عن أن الخلافات في حماس بأنها من الممكن أن تتطور إلى ما يشبه بالانقسام، بل أنها اختلاف في الرأي أكثر منه انقسام أو تفرد جهة بعينها في أي قرارات مصيرية هامة بالحركة في أي شأن كان.

وتعمل حماس بنظام المؤسسة المتكاملة في اتخاذ القرارات بدءًا من المكتب السياسي ومرروا بمجلس الشورى المصغر والمؤسسات المختلفة التي تصنع القرار داخل الحركة، وأن أي قرار خلافي يوضع أمام مجلس الشورى العام لإقراره وفقا للأغلبية.

تعيش الحركة أزمة مالية كبيرة لكن رغم ذلك إلا أنها تحتفظ بالكثير من الأموال التي تخصصها للأعمال العسكرية على وجه الخصوص. لكن تراجع الدعم الإيراني وتراجع تجارة الأنفاق على الحدود مع مصر وعمليات التهريب الكبيرة التي كانت تدر أموالا خيالية لصالح حماس والتي اعتبرتها "البقرة الحالوب" و "الكنز" الذي لا يمكن الاستغناء عنه بأي حال كان، تسبب بأزمة مالية كبيرة جعلت من النقاشات الداخلية وكأنها تشبه الانقسام داخل المستوى السياسي وبين السياسي والعسكري.

القيادي في حركة حماس، الأسير المحرر، يحيى السنوار (Flash90/Abed Rahim Khatib)

القيادي في حركة حماس، الأسير المحرر، يحيى السنوار (Flash90/Abed Rahim Khatib)

ورغم الصعوبات الكبيرة الا ان صلابة التنظيم الحمساوي والتزام غالبية مكونات الحركة ورموزها ملتزمة فيه، رغم حديث البعض عن وجود متنفذين سواء في المستوى العسكري او على المستوى السياسي. فهيكلة حماس تضمن تماسك المستويين مع وجود قيادات مهمتها التنسيق بين المستويين، من بين هذه الوجوه، يحيى سنوار ومروان عيسى. لكن في بعض الحالات تتطور هذا الخلافات الى عمل يتفرد فيه المستوى العسكري. فعلى سبيل المثال بعد خطف الاسرائيليين الثلاث قبيل الحرب الاخيرة على غزة قام المستوى العسكري بضرب الصواريخ على المناطق الحدودية القريبة من قطاع غزة بهدف ما اسموه تخفيف الضغط على مدينة الخليل وعناصر حماس في المدينة الذين تعرضوا للملاحقة بعد عملية الخطف. اطلاق الصواريخ رغم محدوديته تطور الى حالة المواجهة الكبيرة التي انتهت بحرب مدمرة تعاني حماس جراءها حتى يومنا هذا . السؤال اليوم هو هل في ظل الضغوط المتزايدة على حماس ستغلب الهيكلية التنظيمية ام ان عناصر داخل المستوى العسكري ستختار سياسة قلب الطاولة من جديد ما كل ما قد يترتب على الأمر من تداعيات.