حتى الساعة تلتزم الحكومة الإسرائيلية الراهنة الصمت إزاء المبادرة العربية للسلام، وهو موقف مشابه لموقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ طُرحت المبادرة عام 2002، ويبدو أن أكثر الشخصيات تفاعلا مع المبادرة في إسرائيل هو رئيس الدولة شمعون بيريس، والذي رحّب بالمبادرة، ولا سيما بالإعلان الأخير الذي صدر عن الزعيم القطري السابق، الشيخ حمد بن جاسم الثاني، في البيت الأبيض، حين صرّح في مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، في نهاية أبريل (نيسان)، انفتاح الجامعة العربية على مبدأ تبادل الأراضي مع إسرائيل لإنهاء الصراع. لكن حماس بيريس لوحده لا يكفي.

وتعتقد جهات مدنيّة في إسرائيل أن الرّدّ الأنسب على المبادرة العربية للسلام، والتي انبثقت عن مبادرة العاهل السعودي، عبد الله بن عبد العزيز، وتم المصادقة عليها في مؤتمر القمة العربية في بيروت (الدورة الرابعة عشر) عام 2002، يجب أن يأتي هذه المرة من الجمهور الإسرائيلي، والذي في حال انكشف على المبادرة أكثر فأكثر، وفهم أهميتها الإقليمية، سيضغط على أهل القرار في إسرائيل لوضع المبادرة على الأجندة السياسيّة لإسرائيل.

مبادرة السلام "الإسرائيلية"

وعلى رأس المنظمات التي تروّج لمبادرة السلام العربية في إسرائيل، منظمة "إسرائيل تبادر"، وهي منظمة أقيمت عام 2011، تنشر المعلومات حول المبادرة وتعقد بين حين وآخر مؤتمرات تخص المبادرة العربية، تجمع خلالها أكاديميين وسياسيين، ورجال أعمال إسرائيليين، وغير إسرائيليين. وتهدف المنظمة من خلال مؤتمراتها إلى رفع مستوى الوعي لدى الجمهور الإسرائيلي تجاه المبادرة العربية ومضمونها، وتسليط الضوء على الفرص الكامنة بها.

وتسعى من خلال نشاطاتها إلى محاربة اللامبالاة التي تفشت في المجتمع الإسرائيلي حيال المبادرة التي انطلقت في أوج الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى)، والتي صدمت المجتمع الإسرائيلي بعد مشوار "أوسلو" مع الجانب الفلسطيني، وصرفت اهتمامه عن مبادرات السلام، مركزا على أمن المواطن وحياته في المدن الإسرائيلية التي تعرضت الواحدة تلو الأخرى إلى عمليات انتحارية.

وتعرضُ المنظمة عبر موقعها ما تسميه "مبادرة السلام الإسرائيلية - إجابة على مبادرة السلام العربية"، والتي تنص على أن "إسرائيل تقبل مبادرة السلام العربية كإطار لمفاوضات السلام الإقليمي وتعرض مبادرة السلام الإسرائيلية كرد شامل عليها"، وتتحدث هذه الوثيقة التي تقترحها المنظمة عن مبادئ إنهاء الصراع، وعناصر التسوية الدائمة مع الدول المجاورة لإسرائيل.

يُذكر أن يعقوب بيري، رئيس جهاز الأمن العام في السابق، وعضو كنيست ووزير في الحاضر من حزب "يش عتيد"، من بين الموقّعين على هذه المبادرة. وليس من المستبعد أن يحاول الوزير بيري دفع المبادرة في أروقة البرلمان الإسرائيلي.

يعقوب بيري، رئيس جهاز الأمن العام في السابق، ووزير في الحاضر عن حزب "يش عتيد"، من بين الموقّعين على المبادرة

يعقوب بيري، رئيس جهاز الأمن العام في السابق، ووزير في الحاضر عن حزب "يش عتيد"، من بين الموقّعين على المبادرة

وتُظهر نتائج استطلاع رأي أخير نفذته المنظمة (في شهر مايو/ أيار)، فحص توجهات الرأي العام في إسرائيل نحو مبادرة السلام العربية، وعرضه الصحفي الإسرائيلي عكيفا إلدار على موقع "المونيتور"، أن 55 في المئة من الإسرائيليين أبدوا استعدادهم لتقبل المبادرة العربية، هذا بعد أن شُرحت أمامهم مبادئ المبادرة. وقد رفضها 27 في المئة، في حين أجاب 17 في المئة من المستطلعين أنهم لا يعرفون.

وحين سُئل المستجيبون ماذا سيكون موقفهم في حال تبنى رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المبادرة، ارتفعت نسبة المؤيدين للمبادرة إلى 69 في المئة. وكشف الاستطلاع كذلك عن معطى لافت للنظر، وهو أنه رغم أن المبادرة العربية للسلام مطروحة لأكثر من 11 عاما على الطاولة، إلا أن 74 في المئة من الجمهور الإسرائيلي لم يسمع عنها ومن سمع يجهل تفاصيلها. ويعتقد المؤسسون لمنظمة "إسرائيل تبادر" أن التحدي الأكبر هو رفع توعية الجمهور الإسرائيلي حيال المبادرة العربية، ومن ثم اقناعه بأهميتها.

توجهات إزاء المبادرة العربية

وفي مؤتمر المنظمة الأخير، والذي عُقد في أواخر شهر مايو (أيار)، أشار البروفسور إيلي بوديه من الجامعة العبرية في القدس، وهو من الموقّعين على المبادرة، ومشارك دائم في مؤتمرات تتعلق بالمبادرة العربية للسلام، إلى أن المبادرة العربية تدعو "حكومة إسرائيل والإسرائيليين جميعا إلى قبول المبادرة... حمايةً لفرص السلام وحقنًا للدماء"، مشددا على كلمة الإسرائيليين. وأوضح بودي أن ثمة مسؤولية كبيرة تقع على أكتاف الإسرائيليين في إقناع أهل القرار بوضع المبادرة العربية على البرنامج السياسي الراهن، وإلزامهم الرد عليها بصورة واضحة، إما قبولها أو رفضها، لكن المهم أن يأتي ردّا.

وتحدث بوديه خلال المؤتمر عن التحوّل الذي طرأ على العالم العربي منذ قمة خرطوم عام 1967 وصولا إلى قمة بيروت 2002، بدءا بمواقف ترفض العلاقات مع إسرائيل، وانتهاء بمواقف تفهم الواقع الجديد في الشرق الأوسط وتقبل تطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل ثلاثة شروط: انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة حتى خط الرابع من يونيو (حزيران) 1967، والتوصل إلى حل عادل ومتفق عليه لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفق قرار 194، وقبول قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية وحدودها عام 1967.

وذكر البروفسور الإسرائيلي إيجابيات المبادرة ومن بينها أنها تشكّل مظلة لتنازلات فلسطينية مستقبلية، وتفتح أمام إسرائيل بوابة التعاون مع الدول المعتدلة في العالم العربي، وإمكانية خلق تحالف إقليمي في وجه الجهات المتطرفة. وأضاف بوديه أن من بين سلبيات المبادرة أنها غير مفصّلة، وأنها تضمن بنودا غامضة إلى حدا ما، مثل البند الذي يتحدث عن التوصل إلى حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفق قرار رقم 194. وهو بند لا يتماشى مع الوضع السياسي الراهن في المنطقة، ولا سيما كون إسرائيل دولة للشعب اليهودي ترتكز في الأساس على وجود أغلبية يهودية.

ويُضيف بوديه قائلا إن ادعاء بعض السياسيين في إسرائيل، في الحاضر، أن التحولات الراهنة في المنطقة تُفقد المبادرة من أهميتها وتجعلها غير ملحّة فيما يتعلق بالشرق الأوسط، غير صحيح، لأن مبادرة السلام، حسب اعتقاده، تفتح المجال أمام تقاطع مصالح إسرائيل مع مصالح دول عربية وإسلامية في المنطقة، خاصة في هذه الفترة.

وذكر وبديه، في سياق الثورات العربية الراهنة، إلى أن سوريا، التي تتزعم معسكر الممانعة في العالم العربي، والتي تخوض حربا شرسة ضد مواطنيها، لا تملك الطاقة في الحاضر لكي تقوم بدور المحبط لمساع تتعلق بالمبادرة العربية إن قبلتها إسرائيل.

نشطاء سلام في إسرائيل يتظاهرون خارج مقر رئيس الحكومة الإسرائيلي مطالبين بالسلام (Yonatan Sindel/Flash90)

نشطاء سلام في إسرائيل يتظاهرون خارج مقر رئيس الحكومة الإسرائيلي مطالبين بالسلام (Yonatan Sindel/Flash90)

الربيع العربي ودور السعودية

وهنالك من ينادي في إسرائيل إلى الردّ على المبادرة العربية من باب الواجب الأخلاقي، خاصة أن الدولة ليست في مرحلة تأسيسها، وأن الوقت حان لكي تخوض إسرائيل مرحلة الاندماج في المنطقة والتخلي عن الأراضي التي احتلتها عام 1967. وفيما يتعلق بالنقطة الأخيرة، قال الجنرال (متقاعد) أوري ساجي، الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات العسكرية، في مؤتمر أخير ل"إسرائيل تبادر"، إن إسرائيل في الحاضر تتفوق، عسكريا وأمنيا، على الدول المجاورة، وعدم الرد على المبادرة العربية للسلام تفسيره الوحيد هو أن إسرائيل تتصرف بزهو وغطرسة.

ويشير الباحث في دراسات الشرق الأوسط من جامعة تل أبيب، إيال زيسر، إلى نقطة مهمة، وهي أن "الربيع العربي" أظهر أن المنطقة تثور وإسرائيل على الهامش، منبها أن "الشرق الأوسط لم يتحوّل إلى منطقة تحب إسرائيل أكثر من ذي قبل، لكن فكرة الحياة إلى جانب إسرائيل أصبحت أكثر قبولا وانتشارا". ويربط زيسر أقواله بالمبادرة العربية قائلا إن وجودها لأكثر من 11 عاما على الطاولة والمصادقة عليها مجددا يدل على أن دول الشرق الأوسط سئمت من الصراع العربي – الإسرائيلي وتريد أن تفتح صفحة جديدة.

وشرحت الباحثة، ميخال يعاري، والتي شاركت كذلك في مؤتمر "إسرائيل تبادر"، عن دور السعودية فيما يتعلق بمبادرة السلام العربية، قائلة إن السعودية قامت بدفع مبادرة السلام لأسباب أهمها تعود إلى الظروف التي سادت عام 2002، حين وصلت العلاقات السعودية – الأمريكية إلى الحضيض إثر أحداث "11 سبتمبر" وسقوط البرجين، وعلاقة منفذي العملية الإرهابية الأكبر في تاريخ البشرية بالسعودية (15 إرهابيا ضالعا بأحداث "11 سبتمبر" حملوا الجنسية السعودية).

وأضافت يعاري أن ازدياد النفوذ الإيراني في المنطقة دفع السعودية إلى السعي إلى تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، والتي توفر الحماية لها ولدول أخرى في الخليج في وجه التهديدات الإقليمية، وعلى رأسها الإيراني. وتقول يعاري إن السعودية، لا سيما عائلة آل سعود، أصبحت تنبذ العنف والإرهاب وتحضّ المنطقة على دفع السلام مع إسرائيل لتعزز علاقتها مع الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق لفتت يعاري الانتباه إلى الأنباء التي نشرتها صحيفة "هآرتس"، منتصف مايو (أيار)، والتي تحدثت عن وجود ممثلية لإسرائيل في إحدى دول الخليج، مما يدل على وجود تعاون خلف الكواليس بين دول في الخليج وإسرائيل، مشيرة إلى أهمية دفع مساعي مبادرة السلام العربية.

لكن رغم الحراك الشعبي في إسرائيل، والمبادرة الإسرائيلية التي تحاول أن ترد على تلك العربية، ثمة من يحذر من أن التحول التاريخي في المنطقة، وصحة الملك عبد الله بن عبد العزيز ، عاهل المملكة العربية السعودية، يهددان بقاء المبادرة مطروحة إلى أجل غير مسمى.