إن كان ثمة شيء يمكن أن يتفق عليه جميع أعضاء الكنيست والإعلاميين في إسرائيل، وهو أن موشيه فيغلين هو الرجل الأكثر إثارة ممن يجلسون في الكنيست الآن. من ناحية، يجري الحديث عن رجل يميني يجعل نتنياهو يبدو وكأنه رجل "السلام الآن". ومن ناحية أخرى، يجري الحديث عن لبرالي يبدو أحيانًا كأحد أعضاء الكنيست من حزب ميرتس. إذن فمن هو في الواقع موشيه فيغلين الحقيقي؟

أيام التظاهرات

انكشف موشيه زلمان فيغلين على الوعي الإسرائيلي عام 1994. حتى ذلك الحين كان شخصًا مجهولا، على رأس شركة لصيانة المنازل متعددة الطوابق. في الواقع فإن اتفاقات أوسلو هي التي أدت إلى وصول فيغلين إلى قلب الوعي الإسرائيلي. فقد أنشأ حركة "هذه أرضنا"، وهي حركة عملت على معارضة التنازل عن أي قطعة من أرض إسرائيل.

في البداية، حاول فيغلين حشد الجماهير في عملية لإقامة العشرات من بؤر الاستيطان غير الشرعية في أنحاء الضفة الغربية، كاحتجاج على عملية أوسلو. ولكن هذه الخطوة لم تولّد حماسًا لدى الجمهور الإسرائيلي، وحظيت بتغطية إعلامية قليلة. وكانت الخطوة التالية، التي لا يستطيع أي إسرائيلي تجاهلها، هي التظاهرات الاحتجاجية الحاشدة، وإغلاق مفارق الطرق. ففي إحدى ليالي شهر آب 1995 أغلق فيغلين وأتباعه 80 مفرق طرق في إسرائيل، في وقت واحد. ولم يكن بإمكان أحد أن يتجاهل معارضة اتفاقات أوسلو.

موشيه فيغلين (Flash90)

موشيه فيغلين (Flash90)

لم يتوان فيغلين عن دفع ثمن شخصي بسبب نشاطاته: فقد غرمته المحكمة الإسرائيلية بـ 10000 شاقل. وفي عام 1997 تمت إدانته بفتنة لصنع أعمال غير مشروعة، وتم الحكم عليه بـ 18 شهرًا في السجن، وتحوّل الحكم سريعًا  إلى تنفيذه من خلال القيام بخدمات في المجتمع. وأصبح اسم موشيه فيغلين معروفًا لكل بيت في إسرائيل باعتباره الممثل الأبرز لليمين المتطرف. ومن خلال ذلك وصل فيغلين بعد بذل جهود كبيرة إلى مركز الإجماع الإسرائيلي.

من الهوامش الشاردة إلى المركز

في المقام الأول، فإن فيغلين هو أحد القوميين الأكثر تطرفًا في السياسة الإسرائيلية. "نحن بحاجة إلى ترحيل جميع العرب الذين لا يقبلون سيادة الشعب الإسرائيلي على أرضنا. أكثر من ذلك؛ فنحن بحاجة إلى الانتقام. الانتقام التهديدي والرهيب الذي يصلح شيئا من انتهاك الله الذي يحدث حين يتم سكب الدماء بيننا كالماء"، هكذا كتب فيغلين لمؤيديه في أيام الانتفاضة الثانية.

وبكل الأحوال، فقد نفى فيغلين حقيقة وجود كلمة "فلسطين"، لأنه يعتقد أن عامة الوجود العربي في أرض إسرائيل هو احتلال أجنبي. ولذلك قاد توجهًا بحسبه يجب أن يكون لليهود فقط سيادة على البلاد، بما في ذلك قطاع غزة: "إذا لم نقل بكل معنى الكلمة "هذه أرضنا!"، نعم أيضًا غزة، ولم نعلن عن سيادتنا على كامل أرض إسرائيل التي بيدنا، فليس لنا أي حلّ حقيقي".

في بداية الألفية الثانية شعر فيغلين بأنه بحاجة إلى برنامج حزبي من أجل أن يصل إلى مواقع التأثير. أسس شعبة "القيادة اليهودية"، الشعبة اليمينية المتطرفة داخل حركة الليكود. يؤمن زعماء اليهود بأن هناك إمكانية للوصول إلى الخلاص من خلال أعمال الرجل، وذلك من خلال إقامة دولة الدين اليهودي في إسرائيل، التي سوف تتمثل بتنصيب ملك على إسرائيل وبإقامة الهيكل الثالث على جبل الهيكل. ومن أجل إقناع الإسرائيليين بالموافقة على طريقه يمضي فيغلين في طريق كثير المنعرجات.

في أول مرة واجه فيها فيغلين الانتخابات التمهيدية لحزب الليكود عام 2003، فاز بـ 3.5% من الأصوات فقط. ولكن فيغلين مع مرور الوقت قام بتخفيف مواقفه المتعلقة بالمسيح المنتظر، وحظي بشعبية متزايدة. ففي عام 2005 نجح فيغلين في حشد 12.4% من الأصوات، وفي 2007 صوت لصالحه 23.4% من المنتخبين بينما في عام 2012 صوت له 23.2%. تحول فيغلين من ظاهرة هامشية إلى شخص لا يمكن تجاهله.

في انتخابات عام 2009 وصل فيغلين إلى ذروة الرتب في المكان 20 في قائمة الليكود، ولكن الحزب الذي كافح للحصول على أصوات المنتخبين المعتدلين، خشي من إلصاق الصورة المتطرفة به فقام بإزالة فيغلين من القائمة. وفي عام 2013 حقق مطلبه أخيرًا، واختير في المكان الـ 23 في قائمة الليكود – بيتنا.

ركز فيغلين معظم جهوده في الاحتجاج ضد سيطرة الفلسطينيين على مجمع الأقصى. فقد كان فيغلين أحد الأوائل الذين أيدوا الصلاة المنظمة لليهود في جبل الهيكل، وإقامة جبل الهيكل من جديد. وبإزاء الحالة الراهنة في المجمع الآن فإن لدى فيغلين الكثير من المطالب: "تمنع شرطة إسرائيل صلاة اليهود الذاهبين إلى مكان هيكلهم. من يشتبه به أنه يصلي، سيتم منعه أو اعتقاله فورًا. وغني عن القول إننا بإزاء سلوك معادٍ للسامية، والذي يهين – في المقام الأول - الشرطة الإسرائيلية نفسها". في السابق، اعتقل فيغلين حين حاول الصلاة في المجمع.

بنيامين نتنياهو وموشيه فيغلين. العلاقة بينهما لا زالت متوترة (Flash90)

بنيامين نتنياهو وموشيه فيغلين. العلاقة بينهما لا زالت متوترة (Flash90)

مناضل الحرية الذي يرتدي القلنسوة

ولكن إلى جانب فيغلين القومي والمتدين المتطرف، هناك فيغلين آخر؛ وهو فيغلين اللبرالي. كلما ازدادت شهرته، كلما برزت تلك الميزة في تمثيله. ذلك الشخص الذي يعتقد أن الإنسان لا يخضع إلا لله، ولذلك فلا يمكن للدولة أن تسن قوانين تحدّ من حريته. "لا تعطوا الدولة الفرصة كي تخيفكم من أنفسكم، وكي تقنعكم بأنه فيما لو خرجتم للحرية فكل شيء سينهار"، هذا ما كتبه فيغلين لمؤيديه. ولذلك، فإن فيغلين يتعاون مع الكثير من أعضاء الكنيست من اليسار الإسرائيلي.

وكما ذكرنا، فإن تفسير دعم فيغلين للحريات هو بأن على الإنسان ألا يعطي سلطة وحسابا إلا لخالقه. "كل شيء هنا سوف يبنى بمجد فقط إذا قمتم بإعادة الحرية للمواطنين. لأنه لدى جميعنا نفس الأب والملك في السماء وسنعبده هو فقط، هو وليس أحدا سواه".

ومن بين أمور أخرى، فإن فيغلين يؤيد جعل استخدام الماريجوانا استخدامًا قانونيًا. وقد فسر فيغلين تأييده لاستخدام الماريجوانا بثلاثة أسباب: إزالة القيود عن حرية الإنسان، تحرير مستهلكي المخدرات من الارتباط بعالم الجريمة وتوفير العلاج للمرضى الذين يحتاجون إلى الماريجوانا  طبيًا. وقد شارك مؤخرًا في مظاهرة في تل أبيب دعا فيها المئات من الأشخاص إلى جعل المخدّرات قانونية. ويمكننا أن نقدر أن أحدًا من المتظاهرين لا يتوافق مع مواقف فيغلين الدينية والقومية.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن فيغلين من المعارضين البارزين لمبادرة وزارة الداخلية الإسرائيلية في إنشاء قاعدة بيانات مقياس حيوي (بيومترية) والتي من المقرر أن تحوي كل بصمات أصابع جميع مواطني إسرائيل. بحسب أقوال فيغلين، فإن الحديث قائم عن تقييد غير معقول للحريات الفردية: "من يريد بصمات أصابعي أو أي عينات أخرى سيضطر إلى أخذها بالقوة. جميع الوعود بأن قاعدة البيانات سوف تحفظ بسرية تامة، تقنعني فقط أنه سيحدث العكس تمامًا، وعلى أية حال، ليس تسريب المعلومات هو الذي يزعجني، وإنما مجرد تخزينها"، هذا ما صرّح به. هنا أيضًا، فإن المبدأ الذي يوجهه هو المبدأ اللبرالي، والذي يعتبر بحسبه كل تقييد للحرية أمرًا غير مبرر.

يظهر جانب آخر من مذهب فيغلين اللبرالي في علاقته المركبة بالمثليين جنسيًا. فقد صرح سابقًا أنه "متخوّف من المثلية"، ويبدو أن منظوره القومي في هذه الحالة قد تغلب على منظوره اللبرالي؛ فقد زعم  أن المثليين يهدمون مؤسسة الأسرة، والتي هي "حجر الزاوية لكل مجتمع وطني".

"على مرّ التاريخ، من الإمبراطورية الرومانية حتى أوروبا في أيامنا، تم التحذير من أن إقرار ظاهرة المثلية وتوسعها قد يؤدي إلى انحدار الأمم والثقافات"، هكذا شرح فيغلين معارضته للمثليين.

ولكن تغير موقف فيغلين في العام الأخير من المثليين، بل قد زار مركز مجتمع مثليي الجنس في تل أبيب. وقد عزى فيغلين هذا التغيير إلى اكتشافه أنّ ابن صديقه المقرب مثلي الجنس. "أعتقد أن الجماع بين مثليي الجنس هو أمر خاطئ"، هكذا قال فيغلين في لقائه مع المثليين، ولكنه أضاف في نفس الوقت قائلا: "لا ينبغي بأي حال من الأحوال إخفاء الهويات والمعتقدات. سأناضل في كل مكان فيه إلغاء للحرية، من أجلكم أيضًا".

هل يعتبر موشيه فيغلين ظاهرة عابرة في المشهد الإسرائيلي؟ يمكننا أن نقدر بأن بنيامين نتنياهو ليس راضيًا عن نائب متقلّب كهذا داخل ائتلافه. وقد صرح فيغلين مؤخرًا بأنه يرى نفسه خاليًا من أي التزام بائتلاف نتنياهو، والذي هو عضو فيه في الواقع. سيكون مثيرًا للاهتمام أن نرى إن كنا سنرى فيغلين في الكنيست القادم أيضًا، وهل سيظهر في المشهد السياسي الإسرائيلي فيغلين آخر؟