بعد ساعات معدودة على إفراز القرعة عن تواجُد منتخبَي إيران والأرجنتين في مجموعة واحدة في كأس العالم 2014 في البرازيل، امتلأت صفحة نجم كرة القدم الأرجنتينيّ، ليونيل ميسي، بعشرات آلاف الردود من متصفحين إيرانيين، قاموا بإهانته ونشر أقوال هجوميّة ضدّه. وأثار تصرّف المتصفّحين مجدّدًا الجدل الداخلي في إيران حول القيود المفروضة على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها "فيس بوك".

الصفحة الخاصة للاعب كرة القدم ليونيل ميسي (لقطة شاشة، فيس بوك)

الصفحة الخاصة للاعب كرة القدم ليونيل ميسي (لقطة شاشة، فيس بوك)

منذ انتخاب روحاني رئيسًا، عبّر الرئيس ووزراؤه في عددٍ من المناسبات عن دعمهم لرفع الحظر الذي تفرضه السلطات الإيرانية على الشبكة. فحسب رأيهم، إنّ سياسة الحظر هي غير ذات جدوى، ويجب التخلّص منها كجزء من تقليص التدخّل الحكومي في حياة الفرد. وصرّح وزير الإرشاد الإسلامي، علي جنتي، مؤخرًا أنه لا يرى العضوية في الفيس بوك جُرمًا، مدعيًّا عدم وجود فرق بين موقع التواصل الاجتماعي والهاتف. ففي كلتا الوسيلتَين، يمكن استخدامهما لأهداف لائقة ولأهداف سلبيّة على حدّ سواء. كذلك عارض وزير الاتصالات، محمود واعظي، حظر الموقع، قائلًا إنه يمكن رفعه بإيجاد طريقة يتيح التمييز بين المحتويات اللائقة وغير اللائقة.

ولا يكتفي المسؤولون بالتصريحات، بل يكثّفون أيضًا حضورهم على موقع التواصُل. فالرئيس وعددٌ من المسؤولين في الحكومة لديهم حسابات ناشطة على الفيس بوك للتحدث مع المواطنين. وقد استخدمت فتاة إيرانية في تشرين الأول 2013 حساب وزير الخارجية ظريف على الفيس بوك لنشر توجّه شخصيّ شرحت فيه ضائقتها الاقتصادية. وفي إطار جهوده لرفع الحظر عن الموقع، جمع الرئيس في تشرين الثاني الوزراء الأعضاء في اللجنة المسؤولة عن تحديد سياسات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للنقاش في طرق لدعم الإصلاح في هذا الشأن.

ولكنّ الرئيس يُواجَه في جهوده لرفع القيود بمعارضة حادّة من قِبل مسؤولين مُحافظين يواصلون النظر إلى الفيس بوك كوسيلة بيد أعداء إيران لجمع المعلومات الاستخبارية وإدارة معركة ثقافية ضدّ بلادهم. فقد كرّر رجل الدين البارز، آية الله ناصر مكارم شيرازي، في الأيام الماضية تعريفه استخدام الفيس بوك كـ"خطية". وفي أوائل كانون الأول، انتقد قائد قوى الأمن الداخلي، العميد إسماعيل أحمدي مقدم، حضور المسؤولين على الفيس بوك، محذّرًا من أنّ انتهاكهم للقانون يمكن أن يمهّد طريق انتهاك كافة المواطنين للقانون. وانضمّ لمعارضة رفع القيود المتحدث باسم السلطة القضائية، الذي شدّد على أنه لم يحدث أيّ تغيير في موقف السلطة من أنّ الفيس بوك يشجّع على الفساد ويشمل محتويات تمسّ بالأمن الداخلي.

وفيما يواصل مسؤولو النظام جدلهم حول استخدام الفيس بوك، يحدّد ملايين المواطنين على الأرض أمرًا واقعًا باستخدامهم المتزايد لموقع التواصل الاجتماعيّ. فوفق تقديرات غير رسميّة، ينشط أكثر من مليونَي مواطن إيراني، معظمهم من الشبّان، على الفيس بوك عبر استخدام برامج لتجاوز الحظر وشبكات افتراضية خاصّة (vpn). وإذا كان الشبان المثقفون من الطبقة الوسطى المدنية في الماضي هم المستخدِم الأساسي لمواقع التواصل الاجتماعي، فإنّ استخدام هذه المواقع يزداد بين أبناء طبقات أوسع من السكان، بما في ذلك سكّان الضواحي.

مع ازدياد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، أضحى الفيس بوك ميدانًا رئيسيًّا للنشاط، لا يُستخدَم لأهداف سياسية أو نقل محتويات شخصية فحسب، بل أيضًا لخوض صراعات اجتماعية ومدنيّة. هكذا، مثلًا، انطلق في الأشهر الأخيرة على الفيس بوك احتجاج بيئي لسكان محافظتَين جنوب غربي إيران يحتجون على مشاريع حكومية تهدف إلى تحويل مسار مياه أنهار تمرّ في أراضيهم بهدف المساعدة على حلّ ضائقة المياه وسط البلاد. وفق ادّعاء السكان، الذين ينتمي بعضهم إلى الأقليتَين العربية واللورية، فإنّ السياسة المائيّة الحكومية تميّز ضدّهم لصالح محافظات المركز. ولم يقتصر الاحتجاج الاجتماعي على الفيس بوك، بل انتقل أيضًا إلى الشوارع.

كذلك في الشؤون المتعلقة بحقوق الإنسان، أضحت مواقع التواصل ميدانًا لنقاش يقِظ وحادّ. فقد أنتج انتخاب روحاني توقّعات بتحسّن وضع حقوق الإنسان في إيران، لكن تقدّمًا كافيًا لم يحصل في الواقع، حتّى إنّ تراجعًا حدث في بعض الحالات. فالسلطات الإيرانية تواصل اعتقال صحفيين وفنانين، يُسجَّل ارتفاع في عدد الإعدامات، حتّى إنّ بعض الصحفيين جرى احتجازهم بأمر من السلطات. وتتجلى الفجوة المتزايدة بين توقعات الشعب والحقيقة على أرض الواقع بشكل كبير في ردود المواطنين على فيس بوك. فمؤخرًا، جرى إطلاق حرب على الإنترنت بقيادة ناشطي حقوق إنسان وصحفيّين إيرانيين في محاولة لتغيير سياسة الإعدام. وأثار اعتقال مغني الراب الشعبي، أمير تاتالو، وعدد من المراسِلين في موقع يُعنى بشؤون التكنولوجيا، هو الآخر، ردودًا هائجة من جهة متصفحين إيرانيين على الإنترنت.

كذلك تتواجد السياسة الخارجية للنظام في مركز نقاشات عديدة تجري على الفيس بوك. فسرعان ما أثار الاتفاق النووي الموقَّع بين إيران والغرب نقاشات واسعة عبر الإنترنت. وعبّر معظم المتصفحين عن دعمهم للاتّفاق شاكرين طاقم المفاوضات على الإنجاز، فيما عبّر المعارضون عن تحفّظهم، متّهمين مديري المفاوضات بالخنوع لمطالب الغرب.

ويُتوقَّع أن تستمرّ سياسة الغموض في الجمهورية الإسلامية تجاه مواقع التواصل الاجتماعي في المستقبل المنظور. لكن يبدو، مع ذلك، أنّ قطار الفيس بوك قد خرج من المحطّة، ولا يمكن إعادته إليها. وفيما يستمرّ الجدل بين المحافظين والإصلاحيين، يكثّف مواطنو إيران حضورهم في الموقع تدريجيًّا، وهو يتحوّل إلى ميدان مركزي للعلاقة المباشرة مع ممثلي السلطة، ولإدارة نقاش شعبيّ يقِظ على السواء. حتى لو اقتصر هذا النقاش على الإنترنت أحيانًا، فإنه يعزّز جدول أعمال مدنيًّا، يرفع الوعي الاجتماعي، ويمكن أن يعزّز على المدى البعيد قيَمًا ليبرالية – ديموقراطيّة في المجتمَع الإيرانيّ.