العربية هي لغة رسميّة في إسرائيل، وهي تُدرّس لطلّاب المدارس الإعداديّة. معظم خرّيجي التربية الرسمية لا يزالون يتذكرون، سواء بنوع من التودد أم لا، جملًا أساسية في اللغة العربية، مثل: "اسمي داود، وأنا أتعلم في المدرسة"، أو "ذهبتُ مع صديقي إلى السوق لشراء البندورة". لكن باستثناء أقلية اختارت مواصلة التعامل مع العربية، سواء في الخدمة العسكرية أو في إطار الدراسات العليا، فإنّ الأكثرية يكتفون بهذا القدْر من المعرفة. يكشف استطلاع لدائرة الإحصاء المركزية أنّ 13% فقط من البالغين العرب في إسرائيل لا يعرفون العبريّة مُطلقًا، مقابل 79% من اليهود البالغين الذين قالوا إنهم لا يعرفون العربية مطلقًا.

في إطار تعديل جرى إدخاله عام 2000 على قانون التربية الرسمية، تقرّر أنّ أحد أهداف التربية هو "معرفة اللغة، الحضارة، التاريخ، التراث، والتقاليد الممّيزة للسكّان العرب ولمجموعات سكّانيّة أخرى في دولة إسرائيل، والاعتراف بالحقوق المتساوية لكلّ مواطني إسرائيل". لكن لأسف معظم المعنيين بالجهاز التربوي، معلمين وتلامذة، فإنّ هذا الاعتراف يتلخّص في بضع ساعات أسبوعية خلال الدراسة الإعدادية يدرس فيها الطلاب قواعد ونحو اللغة العربية الفصحى لا أكثر، ما أدّى إلى نقاش في إسرائيل حول دراسة العربية، أهميتها، وفعاليتها.

تُظهر المعطيات أن نسبة الذين يدرسون العربية في الوسط اليهودي ويتقدّمون للبجروت تبقى منخفضة ولكن ثابتة منذ عقود، وذلك رغم الجهود الكبيرة التي بُذلت لتعزيز دراسة العربية. وحتّى التلاميذ الذين يحصلون على البجروت في العربية يتمّون دراستهم مع معرفة متوسّطة بالعربية الفصحى في أفضل الأحوال، ودون قدرة على تكلّم العاميّة. ينصّ القانون على أنّ كل تلميذ في الإعداديّة عليه دراسة لغة ثالثة (عدا العبريّة والإنجليزية). وفيما الخيار الأساسي هو العربية، فإنّ بعض المدارس تدرّس اللغة الفرنسية، تحت البند الذي ينصّ على أنه "يمكن اختيار لغة أجنبية أخرى إذا كان هناك عدد كافٍ من التلاميذ المعنيين بذلك في المدرسة، معلمون مؤهّلون، وبرنامج تعليم مصادَق عليه". حتى الروسية والأمهرية تحلّان أحيانًا محلّ العربية. وذلك رغم أنّ المدير العامّ لوزارة التربية أعلن في الماضي أنه يرى أنّ "اللغة الأجنبية الثانية يجب أن تكون العربية، وفقط في حالات معيّنة يمكن استبدالها بالفرنسيّة".

وأثار العاصفة الأخيرة عمود رأي كتبه أبراهام فرانك، مدير ثانوية سابق، في صحيفة ذا ماركر. يصف فرانك دراسة العربية بأنها "نأدية واجب تجاه الأقلية التي بيننا والملايين من حولنا"، ويدعو وزارة التربية إلى إلغاء واجب دراسة العربية في الإعدادية، والعمل بدلًا من ذلك على تحسين برامج دراسة العربية في الثانوية، بحيث تمنح المتعلمين مهارات حقيقية في اللغة العربية. أدّى عمود فرانك إلى مئات الردود، قال معظمها إنّ "العربية هي إحدى اللغات الرسمية الثلاث في دولة إسرائيل، وبحقّ. ليس صحيحًا أنّ ذلك مداهنة للمواطنين العرب. إنها حاجة حيوية للتواصل مع البيئة".

بين الداعمين والمنتقدين لدراسة العربية في المدارس على حدّ سواء، ثمة إجماع على أنّ الوضع الحاليّ إشكاليّ. فالبرامج الأكثر تقدُّمًا في إطار المدارس (بالتباين مع مناهج الدراسة في الجيش أو الدراسات المتقدمة) تعلّم التلاميذ اللغة العربية الفصحى فقط، وإلى حدّ قراءة نصوص سهلة لا أكثر. حتى التلميذ الحاصل على بجروت في العربية يستصعب فتح جريدة والقراءة بطلاقة، بل أكثر من ذلك، لا يستطيع إجراء محادثة أساسية بالعربية.

وكتب يارون فريدمان في عمود حول هذا الموضوع في YNET: "نحن ننشئ جيلًا منقطعًا عن منطقة الشرق الأوسط لغويًّا وحضاريًّا. حتى اليهود القادمون من دُول عربية لا يعرفون العربية كآبائهم، لأنهم وُلدوا في البلاد. فهم لا يتمتعون بالطرب العربي، ولا يدركون جمال اللغة وثراءها كوالديهم. كل سنة، يختار عدد أقل من التلاميذ دراسة العربية. حتى في الجامعات، تكاد أقسام اللغة والأدب تصبح فارغة. في غياب توضيح كافٍ، يتساءل التلاميذ: لماذا عليّ أن أدرس العربية؟" في الجهاز التربوي، يظنّون أن لهذا السؤال إجابتَين. الأولى هي التي يطرحها فريدمان، حيث إنّ العربية هي حجر الأساس لقسم كبير من الحضارة المحليّة، سواء للسكان المسلمين أو لليهود الذين أتوا من دُوَل عربية. وفي هذا السياق، العربية هي أداة ذات أهمية كبرى للتفاهم والمحادثة. أمّا الإجابة الثانية فهي عمليّة محضة. فالجهاز الأمني في إسرائيل بحاجة إلى ناطقين بالعربية، بدءًا من الحاجات الاستخباريّة وحتى المهامّ الميدانية التي تتطلب تماسًا مع سكّان عرب.

لهذَين الهدفَين، ليس مستوى التعليم الحالي ملائمًا. ثمة حاجة إلى معرفة العربية الفصحى، لكنّ الحاجة إلى التمكّن من إجراء محادثة في الشارع، فهم كلمات أغنية، أو قراءة منشور على الفيس بوك أكثر أهميّة وإلحاحًا. يبيّن عدد من الأبحاث التي أجريت في السنوات الأخيرة أن لا حلول سحرية، ولا يبدو أنّ ثمة تغييرًا فوريًّا وفقًا للوسائل الحالية لتدريس العربية. لكنّ التحسّن، كما يبدو، سيأتي من دمج جماعي لمعلّمين عرب في المدارس اليهودية، وملاءَمة المناهج الدراسية بحيث توفّر للتلاميذ مهارات عمليّة في اللغة.

وقد بدأ العمل على هاتَين المبادرتَين في السنوات الأخيرة. الأولى هي برنامج باشتراك مكتب رئيس الحكومة، يجري وفقًا له دمج 500 معلّم عربي خلال السنوات الخمس القادمة في الجهاز التربوي الرسمي، ليس في مجال العربية فقط، بل أيضًا في مجالات العلوم والإنجليزية. هذه خطوة أولى في الطريق لدمج آلاف النساء العربيات الحائزات على شهادة تدريس، ولكنهنّ لا يعملنَ حاليًّا في هذا المجال.

أمّا الثانية فتأتي من الجيش الإسرائيلي تحديدًا. يكتب سلاح المخابرات على موقعه: "نرى أهمية عظمى وحاسمة في دراسة طلّاب المدارس اللغةَ العربية والحضارةَ الإسلامية، كمكوّن قومي وجوديّ ومكوّن يربط بيننا وبين شعوب منطقة الشرق الأوسط". بدأ في السنوات الأخيرة إرسال جُنود ناطقين بالعربية إلى المدارس لتعزيز دراسة العربية والشرق الأوسط في المدارس، أملًا في أن ينجح الجنود الشباب في إدخال روح منعِشة للمناهج الدراسية القديمة.

ونختتم باقتباس من عمود الرأي اللاذع الذي كتبه موشيه أرنس، وزير الخارجية والدفاع الأسبق، في جولة سابقة من جولات النقاش: "رغم أنّ جميع مواطني دولة إسرائيل تقريبًا، عربًا ويهودًا على حدّ سواء، يتكلمون العبريّة، فعلى التلامذة اليهود حيازة قدرات في اللغة العربية. ليس فقط ليجيدوا التواصل مع المواطنين العرب، إنمّا أيضًا - بل أكثر أهمية - تعبيرًا عن احترام واعتبار إسرائيل للأقلية العربية فيها".