جاءت الأحوال الجوية في نهاية الأسبوع الحالي لتبرير الفتور الذي استقبل به الفلسطينيون، وتحديدا "الفتحاويون" منهم، الذكرى الـ 51 لتأسيس الحركة السياسية الفلسطينية الأولى. وقد يختلف الكثيرون على مصطلح "الأولى"، ليس من باب النقاش التاريخي، ولكن بسبب الأوضاع التي آلت إليها "فتح" في السنوات الأخيرة، منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، وتحديدا من بعد غياب رئيس الحركة ورئيس السلطة الوطنية، ياسر عرفات.

غياب عرفات أظهر أزمة القيادة التي تعاني منها الحركة، وأظهر حالة الانقسامات التي لم تكن تتعلق بتوجهات الحركة، بقدر ما كانت تتعلق بالصراع على النفوذ الذي جلبته السلطة لبعض قيادات "فتح".

ويبقى التناقض بين السلطة والحركة هو الشوكة التي لا يبدو أن قيادة "فتح" وجدت الصيغة لقلعها: فهذه الشوكة هي التي جعلت الكثير من الفلسطينيين يفكر بكلمة فساد كلما طُرح عليه اسم حركة "فتح"، لأن فساد السلطة اُلصق بالحركة. كما أن السلطة ستبقى الشوكة والعقبة في طريق إصلاح "فتح" وتوحيدها، لأن الصراع على مواقع النفوذ فيها سيظل يشل ويُفشل أي إمكانية لتوحيد الحركة.

وعندما نتحدث عن توحيد الحركة نحن نتحدث بالأساس عن اسمين – محمود عباس، ومحمد دحلان. واختزال هذه الحركة العريقة في هذين الاسمين يعكس أزمة القيادة التي تعاني منها الحركة. ففي مرحلة الثورة ورغم مركزية عرفات، كانت دائما هناك أسماء كنت تعرف أنها مؤهلة لقيادة الحركة ومجمل الحركة الوطنية الفلسطينية، ولكن بعد قيام السلطة، ومع نمو ثروة ومكانة الكثيرين من قيادات الحركة، إلا أنه وبالتوازي مع عملية المأسسة والمفسدة، هبطت مكانة الغالبية الساحقة من قيادات الحركة بنظر الفلسطيني غير الفتحاوي، وحتى بنظر الكثير من الفتحاويين لنبقى مع "أبو مازن" بحكم موقعه، ومع دحلان بحكم نفوذه المدعوم من علاقاته الخارجية، التي تنعكس إيجابا على قدراته الحفاظ بقوة وشعبية كبيرة داخل "فتح".

رئيس حركة فتح والسلطة الفلسطينية، محمود عباس (AFP)

رئيس حركة فتح والسلطة الفلسطينية، محمود عباس (AFP)

إذا ما وضعنا جانبا مروان البرغوثي بسبب سجنه، من الصعب اليوم إيجاد شخصية فتحاوية قادرة على قيادة الحركة ومواجهة إسرائيل، وحماس، والنهوض بالحركة بعيدا عن رومانسية الطلقة الأولى، ورحيل الشهداء من المؤسسين، وكلها شعارات لم تعد تغني ولا تسمن من جوع، بالنسبة للجيل الفلسطيني الشاب، خاصة ذلك الجيل الذي عرف وعايش "فتح" فقط من خلال مرحلة ما بعد "أوسلو".

لا زالت هناك شخصيات داخل فتح لها قدراتها ولها مؤهلات قيادية، لكن ليس مؤهلات تمكنها من الجلوس أمام بنيامين نتنياهو ومحمود الزهار، بل حتى ليس أمام قيادات إسرائيلية من المحسوبة على الوسط أو اليسار في إسرائيل.

كل هذه الأمور تعيدنا إلى مربع الخلاف بين عباس - دحلان الذي حال دون عقد المؤتمر السابع للحركة، مما منع إمكانية انتخاب قيادة جديدة تكون بحجم متطلبات المرحلة. عدم عقد المؤتمر يعني عدم انتخاب قيادة جديدة، ولكن يعني بالأساس عدم مناقشة وتبني مشروع سياسي جديد من شأنه أن يحدث معجزة، ويعيد الجماهير لتلتف حول "فتح".

ففي ظل استمرار الانسداد السياسي، وسيطرة المستوطنين واليمين على الحكومة الإسرائيلية، واستمرار الانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني، وظهور "داعش" مع بعض الجاذبية التي يمثلها التنظيم لشريحة من الشباب الفلسطيني، ينتظر جمهور الحركة الوطنية الفلسطينية، ومعه أجزاء كبيرة من المجتمع الفلسطيني برنامجا سياسيا بعيدا عن عبارات "المجتمع الدولي" و"الشرعية الدولية"، والتهديدات الفارغة من أي احتمال للتنفيذ، مثل وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل ووقف التقييد "بأوسلو" أو إلغاءها. وهي شعارات بات يسخر منها الجنين الفلسطيني وهو في رحم أمه، لأنه يعرف أنها "ضحك ونصب على الذقون" وأن قيادة "فتح" عاجزة كل العجز، بسبب شغفها بملذات السلطة التي أصبحت سيفا مسلط على رقاب "فتح" وأبنائها.

وتشهد على ذلك كل الانتكاسات والهزائم الانتخابية التي مرت بها الحركة وستمر بها طالما ظلت على حالة الانقسام، وطالما ظلت بعيدة عن مليوني فلسطيني في قطاع غزة، وطالما يرى سكان الضفة أن مستقبلهم في قاع سلم أولويات "فتح".

إذا لم ينجح قطبا "فتح" بالتوافق على صيغة تعيد الوحدة لفتح هذا يعني مزيدا من الشلل التنظيمي والسياسي، ليس فقط على مستوى الحركة، ولكن على صعيد الوضع الفلسطيني بمجمله. لأن هذا يعني أن الصيغ المطروحة لتوحيد غزة والضفة، وأدوات الضغط على الأطراف الرافضة للمصالحة ستبقى هي ذاتها. وسيستمر الجانب الإسرائيلي، من جهته، في إيجاد نفسه أمام قيادة فلسطينية، منقسمة، وعاجزة وغير اعتبارية وغير ممثلة للفلسطينيين، رغم بعض النجاحات الدولية الرمزية. المجتمع الدولي المؤيد للفلسطينيين سيلقي من حين إلى آخر ببعض المسكنات، كمقاطعة بضائع المستوطنات وغيرها من قرارات شكلية، لكنه سيظل أمام قيادة فلسطينية غير قادرة على تحريكه بالشكل المطلوب.

القيادي المفصول من حركة فتح، محمد دحلان (AFP)

القيادي المفصول من حركة فتح، محمد دحلان (AFP)

لوّحت "فتح" وقيادتها في عام 2015 ببعض الأوراق التي كانت من شأنها أن تعيد الموضوع الفلسطيني إلى المقدمة وتعيد له الاعتبار، على الأقل جزئيا للحركة، لكنها، في نهاية المطاف، وكالعادة في سنوات "أوسلو"، لم تطبق أي من هذه الأوراق: فالرئيس، رغم تسريبات مقربيه عن احتمال استقالته، لم يستقل، والحديث عن حل السلطة ظل "سيناريو" مفضوحا غير قابل للتحقق في ظل قيادة عاجزة، وذلك رغم ذعر المجتمع الدولي والإسرائيليين منه. وكذلك بالنسبة للحديث عن تشجيع المقاومة الشعبية التي يحب قادة "فتح" التحدث عنها، والإشادة بها، وفي نفس الوقت يتوجسون منها كلما تشتد، فيعملون على تحجيمها.

كيف يمكن إعادة الحياة لحركة "فتح"؟

وساطة مصرية فاعلة تنجح في إحداث مصالحة بين عباس ودحلان، رغم كل الصعوبات بسبب الخلافات الشخصية بين الرجلين، تبدو الحل الوحيد لإعادة الحياة في هذه الحركة. وفي حال لم تنجح الإمكانية الأولى، فاستقالة الرئيس هي الخطوة الثانية التي من شأنها أن تعيد الحياة إلى "فتح" وتعيد "فتح" الى الحياة. فقد تعيد إلى الواجهة عدد كبير من اليائسين والمحبطين من نشطاء وكوادر وقيادات "فتح" الذين ابتعدوا عن العمل وعن الواجهة في السنوات الأخيرة.

وعقد مؤتمر يشدد على الفصل بين الحركة ومندوبيها في قيادة السلطة ومؤسساتها هو أمر مطلوب، حتى في ظل الانقسام العباسي- دحلاني.
بما أن هذه الاحتمالات الثلاثة - رغم الحديث عن وجود وساطات وقنوات هادئة بين دحلان وعباس- لا تبدو ممكنة، على الأقل ليس في المستقبل المنظور، فيمكن التكهن أن "فتح" موديل 2016 ستكون تماما "كفتح" 2015، أي ليست ذات صلة بتوقعات الشارع الفلسطيني، "فتح" غير قادرة على توحيد صفوفها، وعلى توحيد الضفة وغزة وعلى رسم أجندة تقلب الأمور لصالح الفلسطينيين، أو تُلزم الإسرائيليين بالعودة إلى المفاوضات أو تقنع المجتمع الدولي بأن هناك قيادة فلسطينية قوية تستحق أن يتم الضغط على إسرائيل من أجل أن توافق على مفوضات حقيقية معها.