لقد مرت 8 أشهر فقط منذ أن زار عبد الفتاح السيسي الذي كان وقتها وزير الدفاع عاصمة روسيا.‎ ‎حينئذ، تعهد مستضيفه فلاديمير بوتين بدعم الكرملين للرئيس الواعد الذي لم يكن قد أعلن بعد عن اشتراكه في الانتخابات. وفي الأسبوع الفائت أصبحت روسيا أول دولة غير عربية يزورها السيسي كرئيس مصر، إذ ‎حظي الرئيس المنتخب الجديد في مصر باستقبال ملكي في سوشي- عاصمة الصيف غير الرسمية لروسيا وتمت تغطية زيارته تغطية حصرية.

وشمل مسار جولته زيارة السفن الحربية الصاروخية موسكفا ، ومعارض السلاح، التي شملت منظومة صواريخ S-300 التي كانت معدة فيما قبل لسوريا.‎ ‎أعلنت وسائل الإعلام مؤخرًا أن هذه المنظومات سوف "يُنتفع بها"، أي أن تباع لمشترين آخرين.‎ فهل يمكن لسيسي مصر أن يكون واحدًا منهم؟‎ ‎ربما حظي رئيسان بالفرصة لنقاش هذه المسألة بينما كانا يستمتعان بالعرض الموسيقي الكبير "أضواء المدينة الكبيرة"- جمال عبد الناصر، والقادة العرب الآخرون كانوا يُدعون عادة لباليه كلاسيكي.

لو لم تكن هنالك حرب في أوكرانيا، لتصدرت زيارة السيسي عناوين الأخبار الروسية قاطبة. نظرًا للوضع الحالي للعلاقات الروسية- فكل علاقة مع صديق أجنبي مهمة.‎ ‎وخاصة إن كان هذا الصديق رئيس أكبر دولة عربية مأهولة، والتي كانت مرة تابعة مخلصة لموسكو.‎ ‎"روسيا ستحل محل الولايات المتحدة في مصر"، بشّرت بذلك عناوين الأخبار.‎ ‎خلال تغطية تفاصيل زيارة السيسي، أكّد كثيرون على أهمية التقارب بين الدولتين على ضوء ازدياد الشقاق بين روسيا والغرب.‎ ‎

وسلّط بعض الأضواء على تضائلِ دور الولايات المتحدة في الشرق الأسط من خلال إمعان النظر في العلاقات المترددة بين واشنطن وإسرائيل، الإخفاق الأمريكي في العراق مقارنة بما يُنظر إليه في روسيا على أنه نجاح دبلوماسي في سوريا.‎ ‎والآن يأتي السيسي، الذي كانت زيارته الرئاسية الأولى لموسكو متزامنة تقريبًا مع قمة الدول الأفريقية التي رعتها الولايات المتحدة.‎ ‎لقد تم تجاهل الاجتماع من قبل الرئيس المصري.‎ ‎طبيعيًّا، قامت هذه الخطوة بمنحه نقاطا إضافية في موسكو.‎ ‎إن الشعور الرائج في العاصمة الروسية باتجاه مصر اليوم هو كأب الذي التمّ شمله بابنه الذي افتقده طويلا.‎ ‎لقد ابتعدت مصر عن روسيا خلال السبعينات لكنها الآن تعود إلى أحضانها.‎ ‎

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الروسي فلاديمر بوتين (AFP)

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الروسي فلاديمر بوتين (AFP)

إذا، كيف ستحظى مصر بمكافأة على استبدال أضواء البيت الأبيض الخضراء بنجوم الكرملين الحمراء؟‎ ‎الأسلحة الأساسية والقمح- هما الأمران الأكثر حاجة لمصر الآن.‎ ‎بدأت صفقة الأسلحة ذات 2 بليون دولار التي تم التفاوض عليها في كانون الثاني تؤتي ثمارها: عدا عن طائرات ميج 35 المتطورة، فمصرُ موعودة بطائرات عامودية حربية، مضادات للدبابات، ومعدّات غيرها، فستموّل الأموال السعودية هذه الأسلحة بالإضافة إلى محطات الطائرات العامودية التي سينشئها الروس على سواحل المتوسط.‎ ‎في المجال الاقتصادي، حصل السيسي على وعود بزيادة كمية القمح المصدّرة والتي ستشكل حوالي 40% من مجمل الصادرات إلى مصر، تجري المحادثات أيضًا عن تأسيس ارتباط بين مصر ووحدة الجمارك الروسية وتأسيس منطقة تجارة حرة، مما ستستفيد منه الدولتان معًا، وعلى ضوء العقوبات الأمريكية والأوروبية على روسيا، فستعتمد روسيا الآن على مصادر أخرى من أجل خضارها وفاكهتها.

هنالك جانب عاطفي.‎ ‎ما زال كثير من الروس يتذكر أيام عبد الناصر الجميلة، حين انتشر مئات الخبراء العسكريين في القاهرة، الإسماعيلية وأسوان.‎ ‎ينشر الكثير من المصريين في هذه الأيام صورًا للسيسي مع بوتين، واصفين الرئيس الروسي بالقوة والذي يجرؤ على معارضة الأمريكيين.‎ ‎سيكون شهر العسل المصري- الروسي خاليًّا من التنغيص إلا من فارق بسيط بارز.‎ ‎وذلك لأنه ليس من المرجّح كثيرًا الآن أن تفتح موسكو خزائنها وتزوّد حليفتها القديمة الجديدة بمساعدة عسكرية دائمة.

مع وجود تكاليف باهظة للحرب مع أوكرانيا، ضم القرم، إضافة للعقوبات الغربية، لن تكون روسيا على الأرجح قادرة على تزويد أصدقائها في مصر بمعدات عسكرية على مدى طويل الأمد، مما يعني أنه رغم الحضن الدافئ، البسط الحمراء، والابتسامات العريضة فما زالت مصر بحاجة للاتّكاء على المساعدات الأمريكية العسكرية.‎ ‎بما أن الميزانية الوحيدة التي لا يمكن تقليصها هي ميزانية الجيش المصري، فستستمر العلاقة مع روسيا بالحميمية لكن حتى الآن لن تقفز لمستوى مختلف جديد.‎ ‎تشكل الرحلة الثانية للسيسي إلى روسيا إشارة واضحة للغرب: لن تراهن مصر على قوة عظمى واحدة الآن، فستحاول أن تستفيد من علاقاتها المستقرة مع العالَمين.