تحدثت مؤخراً العناوين في العالم العربي، ووسائل الإعلام الغربية وفي إسرائيل أيضاً، عن خبر يفيد بأن سلطات الأمن في مصر تنوي منع عرض فيلم وثائقي باسم "عن يهود مصر". ولقد جاءت هذه الأخبار على خلفية ازدياد أعمال الشغب والاحتكاكات ما بين المسلمين والأقباط في مصر، وعلى خلفية نداء عصام العريان، مستشار الرئيس مرسي، ليهود من أصل مصري الذين يعيشون في إسرائيل بأن يعودوا إلى مصر، لأن "دولة إسرائيل سوف تنهار في خلال عقد من الزمن".

وتفاجأ كل من مخرج الفيلم أمير رمسيس، ومنتج الفيلم هيثم الخميسي، بالسماع عن حظر عرض الفيلم، الذي قد أثار ضجة كبيرة في مصر لكونه يخوض في أسئلة لم تبحث من قبل أبداً في الحيز العام. كما وادعى رمسيس من خلال لقاءات لوسائل الإعلام بأن الحديث يدور عن محاولات "لفرض إرهاب فكري ولكبح روح الإبداع".

ويصف الفيلم "عن يهود مصر" حياة الجالية اليهودية في الدولة خلال النصف الأول من القرن العشرين، حتى اضطر العديد منهم لمغادرة البلاد في نهاية المطاف في أواخر سنوات الخمسينيات. لقد تم عرض الفيلم في عروض خاصة في مصر والولايات المتحدة وحظي بأصداء كبيرة وانتقادات إيجابية.

ويتبين، من خلال الحديث الذي أجريناه مع مخرج الفيلم، أمير رمسيس، أنه تمت المصادقة على الفيلم مؤخراً للعرض من على شاشات المسارح ودور السينما العمومية، من بعد أن خضع لمصادقة الرقابة، ومن بعد ضغط كبير على سلطات الأمن.

  صورة كنيس مأخوذة من فيلم "عن يهود مصر"

صورة كنيس مأخوذة من فيلم "عن يهود مصر"

ويقول رمسيس عن الفيلم، "ولدت فكرة الفيلم في عام 2003، عندما رغبت بالقيام بفيلم وثائقي عن حياة هنري كوريال، وهو ناشط يساري يهودي – مصري، ترأس حركة شيوعية قومية لتحرير مصر، حتى تم طرده من قبل الملك فاروق في سنوات الخمسينيات بسبب نشاطه السياسي. وفكرت قبيل العام 2008 بأن أوسع الإطار وأخوض في يهود مصر بشكل عام". والفيلم "عن يهود مصر" هو محاولة لفهم السؤال الآتي: كيف تحول يهود مصر في نظر المجتمع المصري من شركاء في النضال القومي إلى أعداء؟ ويعتمد الفيلم على شهادات لباحثين، ولشخصيات سياسية وليهود هاجروا من مصر.

ويعترف رمسيس بأنه، خلال تصوير الفيلم، لم يفكر أبداً بالانسحاب عما عقد عليه العزم، على الرغم من الأحداث الصعبة التي عصفت بمصر في المدة الزمنية التي سميت "ربيع الشعوب العربية"، وأضاف "قررت أن أقوم بعمل الفيلم وأن أمضي في هذا حتى النهاية، لم أفكر أبداً بأن أكف عن تصوير الفيلم. كذلك خلال التصوير لم تكن هناك أي مضايقات مباشرة من قبل سلطات الأمن. أفترض أنهم لم يتوقعوا بأن الفيلم سوف يرى النور أصلاً، ولذلك لم يكلفوا أنفسهم حتى بأن يبحثوا في الأمر. المضايقات الأولى بدأت مع عرض الفيلم من خلال العروض الخاصة الأولى والعرض في الولايات المتحدة". تحت نظام الرئيس المخلوع، حسني مبارك، راقبت أنظمة الأمن عن قرب النقاش في أمور الدين والأقليات، وبين حين وآخر كانت تمنع نشر كتب أو سيناريوهات طلبت الخوض في هذه القضايا.

  جوقة أطفال في الكنيس، الإسكندرية

جوقة أطفال في الكنيس، الإسكندرية

في توجهك الأول إلى الشخصيات التي أجريت معها لقاءات في الفيلم، يهود الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة وأوروبا، ماذا كان رد فعلهم الأولي؟


"لقد واجهت أسئلة غريبة. الأسئلة الأولى كانت حول إسرائيل. هل أنا مع تطبيع العلاقات بين إسرائيل ومصر؟ كان هذا غريباً في نظري، لأن الفيلم لم يبحث أبداً بإسرائيل. لقد كان هذا هدف الفيلم بالضبط، الفصل ما بين السياسة وبين مواضيع دينية. لقد بحث الفيلم في يهود مصر وليس بإسرائيل".

غالبية يهود مصر تركوا الدولة قبل أكثر من ستين عاماً على خلفية العداوة بين إسرائيل ومصر، وحسب التقديرات فقد غادر نحو 65 ألف يهودي من مصر منذ أقيمت دولة إسرائيل في عام 1948 ومعظمهم هاجروا إلى الولايات المتحدة وأوروبا. حسب المعطيات التي نشرت مؤخراً من قبل وزارة الخارجية فقد تبقى في مصر نحو 40 شخص فقط من بينهم نحو 30 في الإسكندرية.

لماذا كان من المهم بالنسبة لك أن تبحث في هذا الموضوع؟ من الواضح بالنسبة لنا بأن المجتمع المصري غير معني بطرح مواضيع دينية للنقاش العام، وخاصة الآن على خلفية أحداث الشغب بين المسلمين والأقباط وصعود الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم؟


"بنظري هذا واجب. من المهم أن يسمع المصرين ما ليسوا معنيين بسماعه، لقد كان هذا الهدف من الفيلم. عندما تحكي للناس ما يريدون سماعه تصبح هذه دعاية... تفقد مصر التسامح وقبول الآخر وهذا واجبنا كمواطنين بان ندق نواقيس الخطر ونسمع الجميع. ولقد اخترنا القيام بهذا من خلال عرض صورة المجتمع المصري في الماضي الذي كان أكثر تسامحاً ودفئاً".

العلاقات بين الجالية اليهودية في مصر وسائر السكان المسلمين بدأت بالتدهور مع إقامة دولة إسرائيل في عام 1948 والحروب بين جيوش العرب وإسرائيل، صعود القومية المصرية وصعود جمال عبد الناصر إلى الحكم. "لقد تعلمت من الفيلم بأن العلاقات قد تدهورت بشدة مع تفجر "قضية لبون" ومنذ ذلك الوقت لم تعد العلاقات إلى سابق عهدها".

"قضية لبون" التي سميت في إسرائيل "بالقضية المحرجة" كانت قد انكشفت في إسرائيل للأول مرة في سنوات ال-50 من القرن السابق. في بداية سنوات الخمسينيات قامت المخابرات الإسرائيلية بتأهيل وتشغيل خلية تجسس في مصر من بين اليهود المحليين. وقد أثار الحديث الذي دار في تلك السنوات بين بريطانيا ومصر، بشأن إخلاء الجيش البريطاني من قناة السويس، قلق إسرائيل. بدأ جيش الدفاع الإسرائيلي بالتفكير كيف يمكنهم تخريب مرافق غربية في مصر، بمساعدة الخلية اليهودية المحلية التي تم تجنيدها في مصر، بحيث يبدو أن هذه الأعمال وكأنها نفذت من قبل حركات المعارضة القومية المصرية. أحدى هذه الأعمال التخريبية قد فشلت، ما أدى إلى كشف الخلية واعتقال أفرادها، ومن ثم إلى إعدام جزء من أفرادها.

العديد من المصريين شاهدوا الفيلم من خلال عروض خاصة وفي الولايات المتحدة ومصر، ماذا كانت ردود الأفعال؟


"لقد تفاجأت بردود أفعال إيجابية. الناس يرسلون إلي رسائل تشجيع من خلال "تويتر"، و"فيسبوك". هنالك الكثير من المشاعر المختلطة. في الحقيقة، توقعت ردود أفعال أكثر سلبية لكن ربما الوضع ليس سيئاً لهذه الدرجة".

ورداً على السؤال، هل هو مستعد ليأتي ويحل ضيفاً في عرض خاص لفيلمه في إسرائيل، قال رمسيس: "أفترض أن الفيلم سوف يعرض في الانترنيت قريباً، وسيكون بوسع الناس مشاهدته. لا أظن انه يمكنني منع بثه او مشاهدته. بصراحة، أنا معني بأن يشاهد الإسرائيليون فيلمي. بشكل شخصي كان بودي أن آتي وأن أبثه للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء في إطار نشاط مشترك. لن أوافق بان آتي تحت رعاية حكومة إسرائيل وهذا بسبب معاملتهم للفلسطينيين".

ما يقف برأيك خلف النداء الذي صرح به مؤخراً عصام العريان إلى الإسرائيليين من أصل مصري بأن يعودوا إلى مصر لأنه من المتوقع أن تنهار إسرائيل في العقد القريب؟


"في هذا الشأن أنا أقول ما هو واضح وجلي بنفسه. حكومة "الإخوان المسلمون" الحالية لا تقوم بعمل جيد، خاصة في تعاملها مع الأقليات. أنظر الأحداث الأخيرة بين الأقباط والمسلمين. حتى أنني أظن بأن هذا جزء من حملة "الإخوان المسلمين" للتقرب إلى إسرائيل وأمريكا، وإلا لماذا ذكر فقط يهود إسرائيل وليس يهود الجاليات الأخر؟ هذا وقد هاجر أصلا معظم اليهود من أصل مصري إلى دول أوروبا والولايات المتحدة".

بشكل شخصي هل تظن بأنه سيكون بوسع الجالية اليهودية في يوم من الأيام بأن تعيش كجالية شرعية في مصر، هل سيكون بوسعها في يوم من الأيام بأن تمارس طقوسها الدينية الخاصة بها؟

"على ضوء الأحداث الأخيرة ما بين الأقباط والمسلمين، التي أفترض أن العالم يتابعها، ومن بعد رد "الإخوان المسلمين" ومجلس الشورى، اللذان يحلان مكان البرلمان في الفترة الحالية، بأن الأقباط هم من أثاروا غضب السكان المحليين من خلال إبراز الصليب في مكان عام. أفترض أن الجواب واضح. إنها محاولات لخلق جو من عدم التسامح وعدم قبول الآخر، وهي محاولات مقصودة من قبل الحكومة المصرية منذ سنوات عديدة. طالما لا يوجد تغيير جذري بشأن سلم الأوليات القومي والنداء للتسامح والعيش المشترك، فلن تتغيّر الأمور وسوف تتدهور الى الأسوأ. الحكومة الحالية تسير في الطريق العكسي وتقوم بنبذ الأقليات". ودليل على ذلك يبرز رمسيس أمامنا حقيقة أن دور العبادة اليهودية القليلة التي بقيت في الدولة محمية بحماية شديدة وهي تشكل اليوم مراكز سياحية فقط.