في شهر تموز الأخير، قبل حوالي سبعة أشهر، أنجبتُ ابني البكر. منذ ذلك الحين كانت الحالة الأمنية سيّئة جدا، وفي كل مرة استمعتُ فيها إلى الأخبار تمزق قلبي لكوني ولدتُ طفلا ليعيش في عالم يسوده العنف والكراهية. منذ أن كنت حاملا، قررت أنّني سأربي طفلي على المحبة بدلا من الكراهية، على الإنصات بدلا من الصراخ، وعلى قبول البشر أيّا كانوا، من دون تمييز وفقا للمسميات.

وكانت أحد الأمور التي قررتُ القيام بها من أجل ذلك، هو كشف ابني على اللغة العربية منذ سنّ مبكرة. فأنا أحبّ اللغة العربية كثيرا، أقرأها، أكتبها وأتحدث بها منذ عدة سنوات، ووالداي أيضًا يتحدثان بالعربية المغربية، وهي لغتهما الأم. اللغة العربية قريبة جدّا من العبرية، وهما "لغتان توأمتان"، وتعلّم العربية سهل جدّا للأشخاص الذين لغتهم الأم هي اللغة العبرية. ولكن رغم ذلك، ورغم أنّه نحو 20% من مواطني إسرائيل هم عرب، فإنّ الغالبية الساحقة من الإسرائيليين اليهود لا يتحدّثون العربية ولا يفهمونها.

والأسوأ من ذلك، أن رد فعل الكثير من اليهود الفوري بالنسبة للعربية هو الخوف. اليهود الذين يسمعون العربية في الشارع يبتعدون غالبا، يتفجاؤون، ويتردّدون. ينبع هذا السلوك من واقع سياسي صعب، ولكن بشكل أساسيّ من سنوات من التخويف والتربية على الكراهية والغطرسة.

وعندما وُلد ابني، حصلت على هدية تتألف من عدّة كتب أطفال، فقرأتها له وكانت ممتعة. ولكن جميعها كان باللغة العبرية. وبعد فترة من مرحلة الولادة بدأت أخرج فيها من المنزل وأتجوّل في المتاجر، وأبحث عن كتب بالعربية، كي أبدأ بقرأتها لابني في وقت مبكّر قدر الإمكان، ولكن للأسف، لم أعثر عليها. في معظم المتاجر التي سألتُ فيها عن كتب للأطفال بالعربية كان الردّ ردا مثيرا للتعجب، المفاجأة أو مجرّد الإجابة "لا". وعندما سألتُ إذا ما كان بالإمكان طلبها، فأجابوني: "لدينا كتبا بالعبرية والإنجليزية فقط" وأنّه لا يمكن تلبية طلبي.

لذلك، اضطررتُ إلى التوجّه إلى أصدقائي العرب لطلب المساعدة. ولكن جميع معارفي العرب لا يزالون عزابا وليس لديهم أطفال، ولم يستطيعوا أن يخبروني من أين يمكنني الحصول على كتب قصص باللغة العربية للأطفال الصغار، وأي كتب تُعتبر جيّدة ومثيرة للاهتمام. لذلك توجّهت إلى صديقتين عربيتين في الفيس بوك، ولكن إحداهما تجاهلت رسالتي تماما، وأما الثانية فقد نصحتني بسلسلة كتب "كشكش"، والتي لم أسمع عنها أبدا، وبالتأكيد لم أعرف أين يمكنني الحصول عليها.

وفي نهاية المطاف هُرعت لمساعدتي شابة درزية وهي خطيبة أحد أصدقائي الطيبين، والتي قدمت لابني هدية وهي كتاب قصة "الفراشات الثلاث"، وهو كتاب مترجم للأديب الإسرائيلي لفين كيفنيس، والذي كان أحد أكثر الكتب التي أحبّتها في طفولتها، وقد اشترته من شفاعمرو. عندها اتضح لي أنه في إسرائيل يجب السفر إلى القرى العربية، أو على الأقل، إلى المدن المختلطة، من أجل العثور على كتب أدب للأطفال باللغة العربية.

ابني "يقرأ" الكتاب بالعربية

ابني "يقرأ" الكتاب بالعربية

منذ ذلك الحين وأنا أقرأ القصة لابني، الذي يسمعها متمتعا، يبتسم بل وينظر إليها بنفسه، وكذلك يمسك ويتحسس صفحاتها، كما يحبّ الأطفال الصغار أن يفعلوا. وأحيانا يتساءل ضيوفنا كيف وصل كتاب بالعربية إلى مجموعة الكتب الخاصة بابني، فأوضح ببساطة قائلة: أقرأ له قصصا بالعربية، ليتعرف على هذه اللغة، ليتعلم أن يحبّها، وألا يخافها. آملُ أن أكون قادرة قريبا على إثراء مجموعة كتب ابني بالعربية، ولكن للأسف الشديد، سيحتاج ذلك إلى بعض الجهد. ليتَ أدب الأطفال بالعربية كان شائعا أكثر في إسرائيل، وكانت هناك فرصة لكل طفل إسرائيلي ليستمع على الأقل إلى قصة واحدة بالعربية في طفولته.