رغم أن بطولة آسيا ستبدأ اليوم للمرة الأولى في أستراليا، التي تنتمي إلى الاتحاد الآسيوي، إلا أنّ التاريخ الحقيقي يرتبط بسابقة أخرى. للمرة الأولى، سيشارك منتخب فلسطين. صحيح، أن هناك في إسرائيل من يصرّ على تسميته - بقدر من التبرير - منتخب السلطة الفلسطينية، ولكن في سائر العالم فهو منتخب فلسطين. ظهوره في بطولة القارة هو الإنجاز الأكبر في الرياضة الفلسطينية.

لم تمرّ استعدادات المنتخب لبطولة آسيا بشكل سلس. استقال المدرّب الأردنيّ جمال محمود، الذي قاده إلى البطولة، وتولى منصبه مساعده أحمد الحسن. لم تنل فلسطين الإعجاب في مباريات الاستعداد، على أقلّ تقدير، وقلّصت القيود الأمنية، بما في ذلك خروج اللاعبين من غزة، من عدد التدريبات. وفي المجموعة التي تم وضع المنتخب فيها - مع البطل الاستثنائي اليابان، والبطل الذي قبله العراق والأردن المجاور - ليس لديه الكثير من الاحتمالات لإحراز شيء، ولكن بالطبع ليست هذه هي القصة الحقيقية.

في بطولات آسيا الأربع الأولى، في الخمسينيات والستينيات، فإنّ إسرائيل لم تشارك فحسب، بل وقفت أيضًا على المنصّة، بما في ذلك إحراز فوز واحد عام 1964. بعد ذلك لم تشارك عام 1972، وتم طردها حتى بطولة عام 1976. يُكمل صعود فلسطين الثورة بشكل نهائي، ليس في أعين العالم العربي والإسلامي الذي لم يكن بحاجة إلى ذلك، وإنما في أعين سائر بلدان آسيا، وفي الواقع عالم كرة القدم بأكمله.

10 حقائق عن تأهّل المنتخب الفلسطيني لبطولة آسيا

إنّ أهمية مشاركة فلسطين في البطولة هي قبل كل شيء سياسية، ولا يخفي أحد ذلك. صحيح، ليس من المعتاد الخلط بين السياسة والرياضة، ولكن قولوا ذلك لأولئك الذين يمكنهم من خلال المشاركة التاريخية في بطولة كرة قدم أن يكشفوا عن صالحهم في القصة. ومن المفارقات، أن تُجرى البطولة في أستراليا - الدولة الوحيدة سوى الولايات المتحدة التي صوّتت مؤخرا ضدّ الاقتراح الفلسطيني في مجلس الأمن التابع لأمم المتحدة.

رئيس الفيفا سيب بلاتر مع  رئيس اتحاد كرة القدم الفلسطينية جبريل رجوب  (Flash90)

رئيس الفيفا سيب بلاتر مع رئيس اتحاد كرة القدم الفلسطينية جبريل رجوب (Flash90)

لا يخفي أحد شعور المهمة السياسية للمنتخب، وبالتأكيد ليس الحسن "نريد من خلال هذا الفريق تحقيق هدف سياسي"، كما قال حارس مرمى سابق، "أن نُظهر بأنّنا نستحق دولة مستقلة، بحيث يمكننا بناء مؤسساتنا رغم الاحتلال، والفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة والحرب ضدّنا".

جغرافيًّا، فإنّ الفريق الفلسطيني يمثّل الفلسطينيين جيّدا. يأتي 9 من بين 23 لاعبًا من الفريق من الضفة، سبعة من قطاع غزة، أربعة من عرب إسرائيل وثلاثة من الخارج: مولودون في أمريكا الجنوبية أو أوروبا، من أبناء المهاجرين الفلسطينيين.

إنّ اجتماع كل هؤلاء، بالتأكيد في أراضي السلطة وعلى ضوء حرب غزة (عملية "الجرف الصامد") هو إشكالي. ترعرع عبد الحميد أبو حبيب، لاعب الفريق، في خان يونس، ولكنه زار القطاع ثلاث مرات فقط في السنوات الستّ الأخيرة. "في كل مرة أذهب فيها أخشى ألا أتمكن من المغادرة"، كما قال لاعب الوسط ابن الخامسة والعشرين عاما، "من أجل الذهاب إلى الضفة الغربية أحتاج للعبور من رفح إلى مصر، السفر إلى الأردن ومن هناك عن طريق جسر الملك حسين إلى رام الله. من الأسهل السفر إلى هاواي".

لم يُسمح لخمسة لاعبين بالخروج من غزة لرحلة ألعاب الاستعداد في أواخر العام الماضي، بل وتم اعتقال أحدهم من قبل قوات الأمن للاشتباه في كونه ناشطا في حركة حماس ويعمل كمبعوث للحركة لنقل الأموال من الخليج.

في الأراضي المحتلة، الناس متحمّسون للبطولة الحالية. جاء مئات المشجّعين لوداع المنتخب قبل خروجه إلى معسكر التدريب في الإمارات، الكثير منهم مع قمصان كُتب عليها "المحاربون"، "المنقذون"، "أسُود كنعان" أو "الشهداء". وقد وصل المنتخب في هذه الأثناء إلى أستراليا، وهناك أيضًا تم استقباله بحرارة من قبل الجالية الفلسطينية في البلاد.

وبالتباين، فرغم الصعود المثير للإعجاب في تصنيف الفيفا - خلال عام قفز الفريق من المركز الـ 165 إلى 85 بعد صعوده، قبل أن ينزلق إلى المركز الـ 113 - فلا يعرف الناس في الحقيقة لاعبي المنتخب ولا يميزونهم في الغالب. لا يتم بثّ مباريات الدوري في الضفة، والتي يشارك فيها معظم اللاعبين، في التلفزيون. اللاعبون الذين يلعبون في بولندا، السويد، سلوفينيا والسعودية لا يلعبون في فرق تُتابع بكثرة. ولكن كيف يعرّف المواطن في الضفة ذلك؟ "المهم أنّ علم فلسطين سيرفرف في البطولة الكبيرة، وأننا أيضًا سنتمكّن من مشاهدة منتخبنا هنا. يملؤنا ذلك فخرا".

ومن الواضح أنّه حتى لو خرجت فلسطين كما هو متوقع بعد مرحلة المجموعات ولم تفز بنقطة واحدة، فقد حققت فعلا الهدف النهائي؛ مجرّد المشاركة والرسالة السياسية الكامنة في ذلك.‎ ‎الكابتن رمزي صلاح البالغ من العمر 34 عاما، شخصية أسطورية في كرة القدم الفلسطينية وحارس المرمى منذ 14 عاما، يدرك ذلك تماما. رغم أنه وُلد في القاهرة وأقام في مصر معظم حياته، فهو ابن لوالدين من غزة ويعبّر غالبًا عن آراء متشدّدة. "نريد نقل رسالة إلى العالم"، قال مؤخرا لوكالة الأنباء الفرنسيّة، وأضاف: "أن نوضح بأنّ الشعب الفلسطيني قائم رغم كل الصعوبات التي تُراكِمها إسرائيل، رغم كل العقبات، رغم كل الشهداء".

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في صحيفة "هآرتس"