إن كان علينا تصديق الإشارات التي تبثها قيادة حماس في الفترة الأخيرة، فتعتبر هذه الفترة جيدة للحركة. ومن المتوقع أن يعيدها اتفاق مصالحتها مع السلطة الفلسطينية إلى مركز التأثير السياسي وأن يمنحها مدى جديدًا من الشرعية في الداخل الفلسطيني والعالم العربي، ويبدو كذلك أن العلاقات المعقًدة مع إيران ستعود إلى مضمارها المستقيم.

سيكون أحد الاختبارات الأولى لحكومة الوحدة الفلسطينية، هو منح سكان غزة بعض التخفيف من صعوبة وضعهم الإنساني الخانق وتمكين فتح منتظم لمعبر رفح

يأمل البعض في  حماس أن تبدي مصر عبد الفتاح السيسي، خصم الحركات الإسلامية أيّا تكن، انفتاحًا ومرونة في أعقاب اتفاق المصالحة وأن  تفتح في أعقاب ذلك معبر رفح. سيكون أحد الاختبارات الأولى لحكومة الوحدة الفلسطينية، هو منح سكان غزة بعض التخفيف من صعوبة وضعهم الإنساني الخانق وتمكين فتح منتظم لمعبر رفح.

حتى الآن، منذ بداية سنة 2014 فُتح معبر رفح لمدة 11 يومًا فقط، ولكن الآن افتُتح للحركة مرة كل أسبوعين فقط. يعيش في غزة مئات المرضى المحتاجين لعلاجات خاصة خارج حدود القطاع، ويظلون  كل يوم في القطاع عالقين ويزداد وضعهم سوءًا.

ويبدو أن الخلافات بين رجال فتح وحماس بعيدة عن الحل، رغم أن الإعلان عن حكومة وحدة على الأبواب: حماس مصرّة على أن يدير المعبرَ فلسطينيون ومصريون فقط، لكنَ فتحَ تصرّ على احترام اتفاقات الماضي وعلى حضور أوروبي لمراقبة الحركة فيه.

معبر رفح تموز 2013  (SAID KHATIB / AFP)

معبر رفح تموز 2013 (SAID KHATIB / AFP)

يبدو أن قضية المعبر الخلافية قد حُلت هذا الأسبوع، عندما أعلن عضو اللجنة المركزية لفتح عزام الأحمد أن معبر فتح سيُفتح فورًا مع إعلان حكومة الوحدة. لكن سارعوا في مصر إلى إنكار الأمر، وحتى أنهم قد انتقدوا الأحمد  بحدة على التصريحات المتسرعة. ذكر بعض المسؤولين أن مسئولا مصريًا قد اتصل هاتفيًا بعزام الأحمد مسمعًا إياه كلامًا قاسيًّا وصل حتى التوبيخ، وأبلغه رفض مصر هذه التصريحات.

الآن، تستمر الصحف الصادرة من حماس في قطاع غزة في اعتبار السيسي عاملا سلبيًّا وخطيرًا. وتنتقده المقالات على نظرته التأييدية للولايات المتحدة وعلى تعامله القاسي لما يدعوه "الإرهاب الداخلي" في سيناء. وتنظر حماس إلى الانتخابات المصرية التي جرت هذا الأسبوع على أنها استمرار سيطرة الفئة العسكرية على مصر، ضدّ إرادة الشعب.

سخرت صحف حماس من السيسي بسبب نسبة التصويت المنخفضة في الانتخابات التي أجبَرت السلطات على تمديد الانتخابات يومًا آخر- هذا مقارنة بانتخابات 2012 التي انتُخب محمد مرسي فيها، وحينها كانت نسبة التصويت أعلى بكثير.

مؤيدو السيسي يحتفلون في القاهرة (KHALED DESOUKI / AFP)

مؤيدو السيسي يحتفلون في القاهرة (KHALED DESOUKI / AFP)

 بالمقابل، يُلاحظ أن علاقات الحركة مع إيران التي تلقّت ضربة قاسية بعد الحرب الأهلية في سوريا، تعود إلى مضمار التعاون المشترك. وكانت المرة الأخيرة التي لوحظ فيها تقارب بين فتح وحماس في عام 2012، حيث اتهمت إيران حماس أنها "تركت طريق المقاومة". وحذر القائد الروحي لإيران، علي خامنئي، رئيس حماس إسماعيل هنية ألّا "يمضي في طريق ياسر عرفات".

 "هناك من يتمنى أن تنقطع علاقة حماس مع طهران، لكننا في حماس  نؤكد أن العلاقات السياسية مع طهران قديمة وعميقة"

لكن يبدو اليوم أن إيران تتقبل المصالحة بين فتح وحماس بالرضا. وأكد هذا الأسبوع مسؤول مكتب العلاقات الخارجية في حركة حماس، أسامة حمدان، على استمرار متانة العلاقات بين الحركة والجمهورية الإسلامية: "هناك من يتمنى أن تنقطع علاقة حماس مع طهران، لكننا في حماس  نؤكد أن العلاقات السياسية مع طهران قديمة وعميقة وستظل قائمة على أساس دعمها للقضية الفلسطينية".

التقارب بين حماس وإيران يتمثل في لقاء رئيس المكتب السياسي خالد مشعل مع نائب وزير الخارجية الإيراني أمير عبد اللهيان. وصرح بعض كبار المسؤولين في حماس، ومنهم محمود الزهار، تصريحات إيجابية عن اللقاء، والتي تؤكد أن حماس لا تنبذ طريق المقاومة بغض النظر عن اتفاق المصالحة.

خالد مشعل واسماعيل هنية  في غزة (Abed Rahim Khatib / Flash 90)

خالد مشعل واسماعيل هنية في غزة (Abed Rahim Khatib / Flash 90)

 لكن لا يعني هذا التقارب فيما يعني  تحسن وضع حماس، ولكنه أكثر دلالة على التطورات في المنطقة، ومنها تولي حسن روحاني سدة الرئاسة في الجمهورية الإسلامية.

رغم أن إسرائيل ما زالت تنظر إلى روحاني على أنه "ذئب في فرو نعجة"، إلا أن التغييرات التي يبديها، وعلى رأسها الانفتاح تجاه الغرب الذي يتمثل في اتفاق جنيف التاريخي، تدل على أن إيران قد تغيّرت.

"إن من تتعامل معه حماس اليوم ليست إيران الثورية، وإنما مشروع يمتزج فيه البُعد القومي بالديني والعسكري، مع مسحة رأسمالية"

 في أحد المقالات في موقع "العربي الجديد"، قالت الباحثة فاطمة الصمادي: "إن من تتعامل معه حماس اليوم ليست إيران الثورية، وإنما مشروع يمتزج فيه البُعد القومي بالديني والعسكري، مع مسحة رأسمالية، يضفيها عليها خطاب روحاني 'المعتدل'". يبدو أن إيران لن تتنازل عن تأثيرها في القضية الفلسطينية، مما يسر بالطبع حماس، لكن ليس بالضرورة أن تكون المصلحة الإيرانية سنة 2014 متماثلة مع المصلحة التي وجهتها في السابق.

 ما زالت تعلو علامات السؤال: كيف سيؤثر التقارب من  إيران على  تطبيق اتفاق المصالحة مع فتح، وتلبية احتياجات مواطني غزة اليومية وعلى رأسها فتح معبر رفح مجددًا؟ وكيف سيتعامل السيسي مع حماس الآن، في حين يبدي 93 % من المصريين تأييدهم غير المتردد؟ سنعرف الإجابات في الأشهر القريبة القادمة.